في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | اختيار العثماني يكشف تحالف الملكية وحزب العدالة والتنمية ضد “القوة الثالثة”

“الأمية السياسية” والتصريحات التي عجلت برحيل بن كيران وسوء الفهم

إعداد: سعيد الريحاني

   عندما أزيح الزعيم الاتحادي، عبد الرحمان اليوسفي (عدو النظام الذي أصبح صديقه) من منصب الوزير الأول، وهي التسمية التي كانت تطلق على منصب رئيس الحكومة قبل دستور 2011، قال في محاضرته الشهيرة في بروكسيل سنة 2003: ((إن التناوب التوافقي المبني على أساس برلماني وانطلاقا منه سنة 1997، لم يكن مفروضا عن طريق انتخابات أجمعت كل الأحزاب السياسية على التنديد بها، كما أنه لم يكن نتيجة تحالفات عقدتها الأحزاب بكل حرية، بل كانت نتيجة اتفاق بين الملك الحسن الثاني، المالك لكل السلطات، والمعارضة التاريخية في المغرب (الاتحاد الاشتراكي).. إن أي ملاحظ متابع لتطور الوضعية في المغرب يعرف تمام المعرفة، أن ما أسميناه طيلة الخمس سنوات، حكومة التناوب، التي كان لي شرف قيادتها، لم تكن ثمرة تحالفات حرة بين الأحزاب المشكلة لها، بل كانت تجسيدا لقرار اتخذه الحسن الثاني، ومن بين نتائج هذا القرار، لابد من الإشارة إلى نوع من الشفافية النسبية التي عرفتها انتخابات 1997، والتي كان من نتائجها، تبويء الاتحاد الاشتراكي صدارة المشهد السياسي وهو ما أهله ديمقراطيا إلى تولي منصب الوزير الأول، أما الأغلبية البرلمانية، فقد ضمنها الملك نفسه..)).

   عبد الرحمان اليوسفي وما أدراك ما السي عبد الرحمان(..)، لم يكتف بالاعتراف بأن الملك الحسن الثاني هو الذي كان يحرك كل شيء، بل إن الذاكرة رجعت به، بعد إبعاده عن مقر الوزارة الأولى في حي تواركة، إلى تاريخ 15 أبريل 1958، عندما قدم وزراء الاستقلال إلى الملك محمد الخامس استقالتهم من الحكومة، وهي الحكومة الثانية في ظرف سنتين من استقلال البلاد، وكان يترأس هذه الحكومة مثل سابقتها، شخصية سياسية مستقلة ،هو امبارك البكاي، فـ “حين كانت الحكومة الفرنسية تريد التفاوض مع المغرب بشأن عودة محمد الخامس من المنفى وحصول البلاد على الاستقلال، بضغط من المقاومة وجيش التحرير، كانت ترغب في أن تكون على رأس حكومة التفاوض، شخصية مستقلة، لقد كان الهدف واضحا هو ضرب وحدة المعسكر الوطني الذي تشكل منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وهو الجناح المكون من الحركة الوطنية (الاستقلال) ومؤسسة العرش (الممثلة في شخص محمد الخامس)، وذلك من أجل الحيلولة ضد أي استقلال حقيقي للبلاد وتأخير جلاء القوات العسكرية للاحتلال (القوات الفرنسية والأمريكية والإسبانية)”.

   اليوسفي الذي أزيح من منصبه كما أزيح منه بن كيران اليوم، شرح فكرته لكي يتفهمها الجميع عن طريق قوله: ((لقد كان تعيين/فرض شخصية مستقلة على رأس الحكومة، يهدف في الواقع إلى خلق “قوة ثالثة”، ومن المعلوم أن قضية خلق “قوة ثالثة” قد ترددت في مجموعة من البلدان، إما لدوافع استعمارية جديدة أو لضرورات ترتبط بالحرب الباردة؟))، وهكذا أفضت عملية إنشاء “قوة ثالثة”، بالمغرب إلى جعل “الانتقال الديمقراطي” أصعب على الرغم من أن الحركة الوطنية، انخرطت في هذا الانتقال منذ تقديمها لوثيقة الاستقلال في 11 يناير 1944 بموافقة ومباركة المغفور له محمد الخامس، ولهذا السبب كانت إقامة الديمقراطية بالمغرب غداة الاستقلال ترتبط بإبعاد “القوة الثالثة” من مراكز القرار، ووضع حد لهيمنتها)) (المصدر: وثيقة محاضرة اليوسفي في بروكسيل سنة 2003).

   لاشك أن أوجه الشبه بين حالة بن كيران اليوم وحالة اليوسفي بالأمس، كثيرة، أقلها أن بن كيران قائد “التناوب الثالث”(..) بعد التناوب التوافقي الأول الذي قاده اليوسفي، وكلا التوافقين كانا بإشراف ملكي، بل يمكن القول، إن تحالف الملكية مع الحركة الوطنية ضد “القوة الثالثة”(..)، تم تعويضه اليوم بتحالف مع حزب العدالة والتنمية، ليطرح السؤال، ماهي هذه “القوة الثالثة”، التي جعلت “الملك محمد السادس يغير بن كيران بسعد الدين العثماني، دون تغيير حزب العدالة والتنمية، وهو الأمر الذي لا يعني فقط، احترام تنزيل الدستور، بل يؤكد كذلك احترام نتائج الانتخابات وإعادة تزكية حزب العدالة والتنمية، لقيادة تجربة أخرى؟

   قال اليوسفي: (( لقد بدأت “القوة الثالثة” في شغل جميع المناصب والوظائف حتى داخل القصر وفي كل دواليب الدولة، وهو الأمر الذي أدى إلى حدوث أزمة سياسية في البلاد، فاقمت خطورتها، بعض الأحداث المسلحة التي اندلعت هنا وهناك؟ كل هذا جعل محمد الخامس يفهم أن تجربة “القوة الثالثة” لم يكن بإمكانها أن تؤدي سوى إلى المزيد من تفاقم الأوضاع العامة وتدهورها؟)).

   خطورة “القوة الثالثة” واضحة في رسالة اليوسفي، ففضلا عن توغلها في مفاصل الدولة، فإنها لم تكن تشكل خطرا على الأحزاب الوطنية فقط، بل إنها تشكل خطرا على النظام نفسه، الأمر الذي كان يدفع الملكية إلى التحالف مع الأحزاب الوطنية، حتى لو كانت هذه الأحزاب على اختلاف كبير معها في ما يتعلق بالتصور السياسي، وبغض النظر عن التساؤل، أين توجد “القوة الثالثة” في عهد الملك محمد السادس؟ وبغض النظر عن حكاية الدولة العميقة والدولة السطحية(..)، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه هو لماذا الاستغناء عن بن كيران، طالما سيتم تعويضه بسعد الدين العثماني؟ أي “الإيهام بتغيير الشيء دون تغييره”، فبن كيران لم يكن يمثل نفسه، بل كان يمثل حزب العدالة والتنمية، وكان يرجع في كل قراراته إلى الأمانة العامة خلال المشاورات(..).

   إن تغيير مخاطب الملكية داخل حزب العدالة والتنمية دون الاستغناء عن الحزب بدعوى أنه فشل في تشكيل الحكومة وقيادة الأغلبية، دليل واضح على حاجة الملكية إلى الحزب الفائز في الانتخابات، بل إن سعد الدين العثماني، في أول تصريح له أمام أعضاء المجلس الوطني قال: ((إن الملك يبلغ لكم سلاما حارا، وأنه حريص على الاستمرار في العمل مع الحزب، وأنه يريد أن يتم الطريق معكم، لأنكم حزب وطني وله أهمية))، حسب قول العثماني (المصدر: موقع لكم 2).

   إذن ما هو الفرق بين سعد العثماني وبن كيران؟ ولماذا فضلت الملكية الأول على الثاني لمواصلة المعركة(..)؟ لا يمكن إيجاد جواب بعينه، لكن أقرب الأجوبة إلى المنطق، هي أن بن كيران جلب المتاعب لنفسه مع الملك بسبب سوء فهم تصريحاته، التي كانت تستغل من طرف خصومه، ضده وضد الملك(..) من خلال الدعاية لها على نطاق واسع، وها هو واحد من القياديين (عبد العزيز الرباح) يعترف لجريدة “لوموند” الفرنسية، بأن ((بن كيران استخدم في بعض الأحيان عبارات وصيغ يمكن أن تكون قد أحدثت سوء فهم..)) (المصدر: ترجمة موقع برلمان كوم)، نفس القيادي بدأ يتوقع انطلاق مسلسل تراجع بن كيران، ((فهو لن يكون وزيرا في الحكومة المقبلة(..)، ويصعب قيادة المرحلة المقبلة برأسين، رأس بن كيران في الأمانة العامة، ورأس العثماني في رئاسة الحكومة)) (انظر التفاصيل في حوار مع الرباح داخل هذا العدد).

   ويبقى أكبر ما يعاب على بن كيران، مما حتم تغييره، هو طريقته في تصريف المواقف، من خلال الإدلاء بتصريحات صدامية، تسبب سوء الفهم، فما معنى أن يقول بن كيران، وهو رئيس حكومة، بالتزامن مع الزيارة الملكية لدول إفريقية: ((..ميمكنش الملك يفرج كربات الشعوب الإفريقية، ونهينو الشعب المغربي.. هذه إهانة للشعب المغربي، إذا لم نحترم إرادته الحقيقية، ونخيب أمله في تكوين الحكومة.. لهذا يبدو أن المسار مازال طويلا، وربما تكون المرحلة المقبلة مرحلة صعبة، نتصرف فيها بما يقتضيه المسار الذي مشينا فيه إلى الآن حوالي 40 سنة، ولله الحمد جعلنا فاعلا أساسيا في الوطن؟))، ماذا لو وقفت الصحافة المخدومة(..) عند عبارة ((ويل للمصلين..))، ما معنى أن يقول بن كيران بشعبويته: ((الملك محمد السادس الله يحفظو.. وينصرو.. ويهديه؟))، ما معنى أن يقول أيضا: ((أنا بعدا ما مطلوبش مني رضى جلالة الملك.. أنا مطلوب مني رضى الله والواليدة ديالي؟))، هل يمكن الاستمرار في الحكومة دون رضى الملك؟ لا شك أن بن كيران يعرف اليوم الجواب، علما أن إحدى المؤاخذات عليه، هي تسريبه لأسرار الدولة: ما معنى أن يقول بن كيران للصحافة، ((إن الحكومة كانت على كف عفريت، بعد خروج حزب الاستقلال إلى المعارضة، وأن مزوار لم يكن يريد أن يتحالف مع العدالة والتنمية والعكس صحيح، لولا تدخل جلالة الملك؟))، أليس عيبا دستوريا، أن يعترف رئيس الحكومة بن كيران دون الحاجة إلى استنطاقه(..) بأن الملك هو الذي أقنع مزوار بالدخول للحكومة؟ ألم يكن دستور 2011، دليلا واضحا على الرغبة الملكية في الابتعاد عن الشأن السياسي الحزبي؟

   إن أخطاء بن كيران هي نفسها أوجه قوته، بتعبير القيادي الاتحادي، المقرب من حزب بن كيران، حسن طارق، الذي قال، ((إن الخطأ الأول لبن كيران، هو تمرده على الصورة النمطية للنخبة بمعايير جون واتربوري، واحتفاظه بنمط حياة شكل لوحده، أزمة ضمير أخلاقي لدى النخب المخملية السعيدة بهكتارات الريع ومنافع خدام الدولة ومزايا الريع، والأرصدة السمينة بالداخل والخارج، أما خطؤه الثاني، فهو تملكه لكاريزما سياسية استثنائية داخل محيط يعج بأشباه السياسيين من فاقدي القرار، بشكل أصبح معه شخصية لا يمكن التعامل معها بحياد أو عدم اكتراث، ذلك أن حضوره يستدعي بالنسبة إلى العموم، ضرورة اتخاذ موقف إيجابي أو سلبي، بالإضافة إلى تحوله إلى حالة تواصلية غير مسبوقة، بخطاب قوي مختلف عن المعجم الباهت والخشبي للتواصل السياسي المألوف، وبنبرة خاصة وشخصية استطاعت أن تخلق تواطئا حقيقيا مع جمهور المواطنين عبر شبكة من الرموز والاستعارات والتعابير، ثم خرقه لقاعدة الكتمان التي تحكم منطق الولوج إلى المسؤولية، وقيادة بن كيران للعدالة والتنمية نحو ثلاث نجاحات انتخابية متتالية”، أما خطؤه الكبير، حسب حسن طارق، فهو: تمسكه بثوابت البلاد ومؤسساتها، وعلى رأسها المؤسسة الملكية، واعتناقه خيارا إصلاحيا، ونهجا توافقيا وخطا معتدلا مع ترجيح محسوم لمنطق العمل المؤسساتي)).

error: Content is protected !!