في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | بن كيران رفض دخول السياسي الاشكر.. والنحاس رفض خروج الراقصة سامية جمال

بقلم: مصطفى العلوي

   تبقى مصر سيدة العالم العربي، ورائدته لا في مجال الثقافة والفن فقط، وإنما أيضا في مجال السياسة والأحزاب.

   وقد بلغت النهضة الحزبية أوجها أيام الملكين فؤاد وفاروق، حيث كانت الحياة البرلمانية مدرسة تخرج منها العشرات من أقطاب الأحزاب في الدول التي كانت تناضل من أجل استقلالها، فعلال الفاسي تعلم السياسة في مصر، والحبيب بورقيبة التونسي ذهب بعيدا إلى حد التدخل في شؤون السياسة المصرية، والرئيس الجزائري بنبلة من خريجي جهاز المخابرات المصري، وأخيرا، ونحن نعيش غروب طلعة القطب عبد الإله بن كيران، نتذكر في ملامحه وفي طريقته في الكلام، وفي قفشاته وهمزاته ولمزاته ما يذكرنا بقطب حزب الأغلبية المصري، وكان اسمه عند المصريين، تسبقه عند النطق به، كلمة طلعة، التي تسبق الباشا، فيقال طلعة الباشا مصطفى النحاس رئيس حزب الوفد، مثلما ستطول محادثات المجالس وتتمدد حول الباشا عبد الإله بن كيران، الذي لا تجمعه بالباشا مصطفى النحاس، فقط، ميزة الرد السريع، والجواب البديع(…) بل الكثير من الجزئيات التي تستمد ضخامتها من صفحات التاريخ.

   وباستثناء أن حزب العدالة والتنمية المغربي، جديد نسبيا مقارنة مع الأحزاب التقليدية المغربية، حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، فإن حزب الوفد المصري، وقد تأسس سنة 1919، خرج من تفكير محرر مصر، سعد زغلول، الذي فتح عينيه على الشاب مصطفى النحاس، مثلما فتح الدكتور الخطيب عندنا، عينيه على الشاب عبد الإله بن كيران ((ومرة سأل الكاتب الخاص للزعيم سعد زغلول رئيس حزب الوفد، عن رأيه في الشاب مصطفى النحاس، فقال له مصطفى النحاس: قلب طيب، يميل إلى الثرثرة، ولكنه خفيف الروح به خفة ورعونة(…) يميل إلى الخيال، سريع الانفعال لا يتغير بتغير الأحوال، وطني مخلص، وفقير مفلس، ذكي غاية الذكاء)) (ذكرياتي في عهدين. صلاح الشاهد).

   وصف لا يختلف مغربيان، على أنه ينطبق على عبد الإله بن كيران، وصفات تميز بها مصطفى النحاس، لتؤثر عليه تأثيرا كبيرا، عندما أصبح رئيسا للحكومة، في دولة يرأسها الملك فاروق.

   وكان للملك فاروق صديق حميم ترجع صداقته معه إلى سنوات طويلة، صحفي رئيس تحرير في جريدة “المقطم”، اختاره الملك كاتبا خاصا له، لعب أدوارا كثيرة، وحصل على أسرار خطيرة، لم يعثر عليها إلا بعد وفاته سنة 1964، تولى الصحفي المقرب من قائد الثورة جمال عبد الناصر، الصحفي المستشار حسنين هيكل، طبع مذكرات الكاتب الخاص الملكي كريم ثابت لما تشمله من فوائد لعهد الثورة(…).

   وترجع بنا مذكرات الكاتب الخاص للملك فاروق إلى أيام رئيس حكومتنا(…) عبد الإله بن كيران، لتقرب الجزئيات، ما بين دفتي التاريخ.

   وإذا كان ليس سرا عندنا، أنه حتى قبل الأحداث المزعزعة في 20 فبراير 2011، نصح الأمريكيون ملك المغرب بأن يسند الحكومة إلى الحزب الإسلامي العدالة والتنمية، تفاديا لتحول هذا الحزب إلى منظمات معارضة تطمح إلى قلب النظام، وكان الأمريكيون قد مهدوا لهذه النصيحة(…) سنوات من قبل، وبالتحديد في سنة 2006، حين استدعوا الأمين العام وقتها لحزب العدالة والتنمية، سعد الدين العثماني(…) لتوشحه المؤسسة الحقوقية CSID بوسام “الإسلامي الديمقراطي”، لتنشر المؤسسة الأم، كارنيجي، في شتنبر 2006 تقريرا على هامش هذا التكريم عنوانه: ((المغرب من أسفل سافلين، إلى الخطو نحو الديمقراطية)).

   أما العديل المصري لرئيس حكومتنا السابق عبد الإله بن كيران، وهو مصطفى النحاس، فلم تكن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي نصحت ملك مصر بإسناد رئاسة الحكومة إليه، ففي أيامه وأيام الملك فاروق، كان الإنجليز يفرضون سياستهم على مصر، وهنا يكشف الكاتب الخاص لفاروق، في مذكراته: ((لقد كان الكاتب الخاص ثابت يعتبر أن أكبر إهانة وجهت إلى الملك فاروق، هي حينما فرضت عليه قوات الدبابات، أن يعين مصطفى النحاس رئيسا للوزارة)).

   رئيس حكومتنا عبد الإله بن كيران بنصيحة من الأمريكان، ورئيس حكومة مصر، مصطفى النحاس بضغط من الإنجليز.

   ولكن دهاء النحاس، الذي يضاهي دهاء عبد الإله بن كيران، جعل رئيس الحكومة المصري، يتعامل مع الملك فاروق، بالكثير من المجاملة(…) وحيث أنه يعرف أن الملك فاروق، محبوب عند المصريين، ووضعيته كملك، تفرض الاحترام في حقه، إلا أنه وفي سنة 1950، سمعت الحاشية الملكية أن رئيس الحكومة النحاس، يريد تنصيب أحد معارضي النظام، وخاصة في مجال التعليم، الدكتور طه حسين وزيرا في حكومته، رغم أنه لم يكن منتميا لحزب النحاس، ليبلغ الكاتب الخاص للملك، رئيس الحكومة النحاس بأن جلالته يعترض على تسمية الدكتور طه حسين ويكتب النحاس لرئيس الديوان الملكي، أن الحكومة لن تتشكل إذا لم يكن فيها طه حسين وزيرا.. وأخيرا أبلغ الملك رئيس الحكومة بقبول التعيين.

   ولكن حرب الأعصاب بدأت بين المحيط الملكي ورئيس الحكومة النحاس، لكن في إطار الاحترام التام، حينما بلغت الأزمة أوجها في صيف 1951، وكان الملك سيقوم برحلة إلى فرنسا، ويخطط ديوانه لحفل ساهر في قصر “دوفيل” بباريس، لتحيي الراقصة سامية جمال حفلا من ليالي ألف ليلة وليلة في العاصمة الفرنسية، وتفاجأ الراقصة بوزير داخلية النحاس، يرفض التأشيرة لها، لمنعها من السفر، وقال وزير الداخلية فؤاد سراج الدين للمبعوث الملكي: إن في التصريح لهذه الراقصة مساس بالعرش، لترفع الراقصة دعوى إلى القضاء ليعلن القضاء المصري، رفضه لسفر الراقصة.

   وكان رد الفعل مباشرة، أسبوعا من بعد، حين علم رئيس الحكومة النحاس بتواجد أم زوجة الملك ناريمان في المستشفى، فشحن رئيس الحكومة سيارته بالورود وتوجه لزيارة الأم المريضة، لولا أن الحراس أخبروه بأن الأوامر صدرت من طبيب المستشفى لمنع الرئيس النحاس من زيارتها، لينقض الملك على مبدإ المصالحة، ويتوصل النحاس باستدعاء من طرف الملك للاجتماع به في غرفة السيدة المريضة في العيادة، حين انقض رئيس الحكومة على يدها تقبيلا، ويحكي الشاهد صلاح، في مؤلفه أن النحاس وهو خارج، انحنى احتراما للملك، وقال له: إني بعد هذه القبلة نسيت الإساءة التي صدرت في حقي من الطبيب الذي منعني، ونسي أنه من حقي التفتيش المفاجئ لكل المستشفيات.

   ليضع الملك بتصرفه المجاملاتي الذي امتاز به، يوما بأن توصل رئيس الحكومة النحاس، بسلل من الفواكه المجنية من ضيعات الملك، ومعها ورقة مكتوب عليها: هدية من جلالة الملك لرفعة النحاس باشا بمناسبة عيد ميلاده، ليتفاجأ النحاس بعلبة فوق الفواكه، فتحها ليجد بها خاتما من الزمرد، ليمسك به النحاس، ويقول: هذا خاتم للحريم، أو للرجالة، وكانت زوجة النحاس سيدة مشهورة في المجتمع المصري، واسمها زينب الوكيل انشرحت طبعا بهذا الوضع الجديد، بين الملك وزوجها رئيس الحكومة.

   وقال الكاتب الخاص كريم ثابت في مذكراته أنه استقبل رئيس الحكومة النحاس في قصر عابدين، وكتب عنه “برأسه الناشف”، حين انحنى وقبل يد الملك وعلق الكاتب الخاص في مذكراته: ((إن هذه القبلة من المواقف التي تحتاج التأمل والدرس، لأن النحاس باشا، رجل صلب في مواقفه السياسية، وإنما أراد بهذه القبلة أن يريح كل الأقربين، ويثبت أنه وصل إلى نهاية الشوط، والواقع كما فهم الكاتب الملكي أن رئيس الحكومة النحاس، أراد أن يبرهن أنه ليس العقبة وليس الحائل بينهم(…) وبين الحكم)) (كريم ثابت. فاروق كما عرفته).

   ترى، هل يصح هذا التأويل، في حق القبلة التي وضعها عبد الإله بن كيران، على يد رفيقه في الحزب الوزير مصطفى الرميد، أم أن مدلول القبل يتغير بتغير الظروف؟

   وقتها وفي أيام فاروق، كان رئيس الحكومة النحاس، يعيش متأثرا بتاريخ الطبقة السياسية في مصر، وكان يوما في محضر الملك فاروق يتذكر نموذجه في الحياة السياسية، نبراسه ورئيس حزبه سعد زغلول، الذي كان قبله رئيسا للحكومة، في عهد الخديوي عباس حلمي حينما غضب الملك على سعد زغلول، فضرب سعد زغلول على المائدة بعنف وقال: حزب الوفد باق يا جلالة الملك، ليصدر بعدها بلاغ بإقالة سعد زغلول.

   ((ومرة في القصر الملكي بالإسكندرية كان النحاس باشا ضيفا على مائدة الغذاء الملكية، وأخذ الملك يعلق على طرد النحاس لأحد أقطاب حزبه “الهلالي”، فقال له الملك ضاحكا: الحزب بيكش، يعني ينتهي، فأجابه النحاس بأن ضرب على المائدة مثل سعد زغلول، وصاح: الوفد يا مولاي ينظف.. الوفد باق، باق يا مولاي، ويقول له الملك: أنا لا دخل لي في الأحزاب، تطلع حد، ما تطلعوش هاذا مش شغلي، ليعيد النحاس على الأسماع الملكية، يا مولاي إن حزب الوفد باق لأن الشعب باق لا يموت)) (ذكرياتي في عهدين. صلاح الشاهد).

   لكن لا تمضي إلا شهور قليلة، أعلن فيها الملك إقالة رئيس الحكومة مصطفى النحاس، وتشكيل حكومة الأحكام العرفية برئاسة علي ماهر.

error: Content is protected !!