في الأكشاك هذا الأسبوع

تقرير | محاولة خلق صراع بين الجيش والبرلمان والنقابات بالتزامن مع معركة “الكركرات”

لجان لتقصي الحقائق أم تنزيل خاطئ للدستور؟

إعداد: سعيد الريحاني 

   بالتزامن مع معركة “الكركرات”، وتأهب الجيش المغربي للحرب في الصحراء، وهو احتمال وارد في ظل الاستعدادات العلنية المعلنة من الطرف الآخر، اختارت لجنة تقصي الحقائق، المنبثقة عن مجلس المستشارين، عرض تقريرها “حول الصندوق المغربي للتقاعد” بتاريخ 13 مارس الجاري، الذي عزت من خلاله مسؤولية الإفلاس المحتمل لصندوق التقاعد، لمجموعة من “الخروقات”، وضعت على رأسها ما أسمته: “التسبيقات الممنوحة لنظام المعاشات العسكرية والأنظمة الغير مساهمة من فائض نظام المعاشات المدنية، في غياب رصيد احتياطي للمعاشات العسكرية”، وتعد هذه هي المرة الأولى في تاريخ تقصي الحقائق التي يتم من خلالها تحميل المسؤولية للجيش في موضوع صناديق التقاعد.

   اللجنة التي يرأسها عبد العزيز بنعزوز عن حزب الأصالة والمعاصرة، دعت في ذات التقرير، الذي خصصت جزءا منه للهجوم على رئيس الحكومة بن كيران، الدولة إلى “أداء ما بذمتها من متأخرات مستحقة لفائدة نظام المعاشات المدنية مع احتساب الفوائد والتسبيقات المحولة لنظام المعاشات العسكرية من فائض المعاشات المدنية”، أكثر من ذلك، دعت اللجنة المعنية إلى “تحديد حجم هذه المتأخرات في إطار الحوار الاجتماعي”، مما يعني أن النقابات التي لا ينتمي إليها أي “عسكري”، ستناقش موضوعا عسكريا(..) مع ما يعنيه ذلك من فسح المجال للمس بالجيش نتيجة حرارة النقاش النقابي، الذي قد يمتد في إحدى جولاته إلى الغرفة الثانية، لوجود ممثلين عن النقابات في مجلس المستشارين، وقد ينتقل للبرلمان نظرا لعلاقة التبعية التي تربط النقابات بالأحزاب، بينما لن يكون بإمكان الجيش الخوض في هذا النقاش، نظرا لبعده عن العمل السياسي، ليطرح السؤال عن الغاية من هذا التقرير الذي شابته هو الآخر خروقات، ويقول بعض المتتبعين: “إن تقرير لجنة تقصي الحقائق حول التقاعد، يحتاج إلى لجنة لتقصي الحقائق”.

   وكان بن كيران قد “نجى” بنفسه من هذا الموضوع(..) بعد محاولة توريطه في التقرير بالقول إن “الجيش من اختصاص الملك”، وقد كان واضحا أن رئيس الحكومة يحاول تجنب أي سوء فهم بينه وبين المؤسسة العسكرية التي يوجد على رأسها الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية(..).

   لجنة تقصي الحقائق المذكورة، هي أول لجنة تنجح في صياغة تقرير، وهي منبثقة عن دستور 2011 (هناك لجنة أخرى بمجلس النواب تم إقبارها تتعلق بفياضات الجنوب)، وتجد سندها القانوني في الفصل 67 الذي يقول: على أنه ((تشكل بمبادرة من الملك أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب أو ثلث أعضاء مجلس المستشارين، لجان نيابية لتقصي الحقائق يناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة))، وهو شرط سهل مقارنة مع الدستور السابق الذي يفرض توفر الأغلبية لتقديم طلبات تشكيل لجان تقصي الحقائق، غير أن طريقة عمل اللجنة تشوبها عدة ملاحظات من توقيت عرض التقرير، وطريقة عرضه، ومحاولة إقحام الجيش في موضوع حساس في ظرفية حساسة، فقد كان موضوع التقاعد سببا في تنظيم مسيرات احتجاجية، علما أنه يقدم ما كان منتظرا منه حسب ما كان يتم ترويجه إعلاميا، أين هي الصفقات التي استفاد منها مقربون من مسؤولين كبار في الصندوق، من بينهم أعضاء في المجلس الإداري للصندوق، والذين كانوا موضوع مساءلة من لدن اللجنة؟ وأين هي الوثائق التي تؤكد وجود صفقات بالملايير كما تم تسريبها للصحافة؟ وكانت المصادر الإعلامية قد تحدثت أيضا قبل صدور التقرير، عن معطيات وصفت بالخطيرة حول حالة تدبير نظام التقاعد بالمغرب، فأين هي هذه المعطيات، ولماذا سكتت عنها اللجنة؟ هل تم تحوير اتجاه التقرير، طالما أن المهمة الأساسية للجان تقصي الحقائق، هي تحديد المتهمين بتبذير الأموال العامة، وتحديد المبالغ المهدورة أو المسروقة بالأرقام، وليس تقديم الاستنتاجات والتصورات؟

   أكثر من نصف التقرير المسرب للصحافة، والمكون من 14 صفحة فقط، خصص للحديث عن منهجية العمل والمستجوبين، بل إنه يحتسب عدد جلسات العمل بالدقائق، حددها التقرير في 79 ساعة و28 دقيقة، بينما التدقيق، ينبغي أن يكون في المعطيات، علما أن أصحاب التقرير أعطوا بعدا سياسيا لمعطياتهم التي يجب أن تكون تقنية وواضحة من خلال حديثهم عن الإكراهات، مثل القول بأن “اللجنة اصطدمت بواقع حكومة تصريف الأعمال، بينما الجدل رافقها بين البرلمان والحكومة، بحيث امتنع عدد من المسؤولين عن الحضور لجلسات الاستماع، مما استدعى اللجوء إلى خدمات المفوضين القضائيين”، وكذا الحديث عن بن كيران (مع تغييب صفة رئيس الحكومة) كمعرقل للعمل، بعد الحديث عن “تسريب” جلسة الاستماع إليه بصفته رئيس المجلس الإداري للصندوق المغربي للتقاعد.

   ورغم أن اللجنة تعترف باشتغالها في ظروف غير مواتية، مما كان يحتم إلغاء التقيرير(..)، فإنها وصلت إلى عدة خلاصات، غير ذات الارتباط بالجيش، مثل الحديث عن وجود معاشات بدون سند قانوني، أو معاشات تحوم حولها الشبهات، لكنها لم تحدد عدد المستفيدين والأشخاص المقصودين، بالإضافة إلى اتخاذ قرارات إدارية أثرت على مسار الصندوق مثل عدم تنصيص القانون المنظم للمعاشات المدنية لسنة 1971 على مساهمة الدولة بحصتها كمشغل، والتي كانت محددة في 12 في المائة، وإصلاح 1990 الذي وسع وعاء احتساب المعاش ليشمل جزءا من التعويضات القارة، وإصلاح 2004 الذي رفع المساهمات من 14 في المائة، إلى 20 في المائة على ثلاث سنوات، وكذا تجاوز عمل اللجنة التقنية والوطنية من خلال اعتماد الإصلاح المقياسي لسنة 2016، دون الرجوع إلى توصياتها الرامية إلى تبني إصلاح شمولي لأنظمة التقاعد وإخفاء الحكومات المتعاقبة للقيمة الحقيقية للديون المستحقة على الدولة لفائدة نظام المعاشات المدنية(..).

  وفي الأخير، تطرح اللجنة عدة توصيات للخروج من الأزمة، وهو تصرف غير دستوري، طالما أن موضوع إصلاح نظام التقاعد من اختصاص الحكومة والبرلمان الذي صادق على خطة الإصلاح، من بينها، الدعوة إلى تجميد الإصلاح المقياسي (أي تحميل بن كيران مسؤولية فشل الخطة والتراجع عنها)، وتحديد حجم المتأخرات التي ينبغي أن تدفعها الدولة في إطار الحوار الاجتماعي، وتطوير الحكامة بالصندوق الوطني للتقاعد من أجل ضمان استقلاليته، وضبط البيانات المتعلقة بانخراطات الموظفين مع الخزينة العامة في كل مستوياتها مركزيا وجهويا ومحليا(..).

  يذكر أن ما يعرف بـ “خطة إصلاح التقاعد” بالمغرب، قد اجتازت مرحلة المصادقة في مجلس النواب ومجلس المستشارين، غير أن الأمر لازال يصطدم بدعوات لإلغاء هذا القانون، وقد تحول إلى موضوع احتجاجي تؤكده المسيرات والوقفات، التي تتخذ من موضوع التقاعد منطلقا لها، لكن اللافتات المرفوعة تمتد إلى مطالب أخرى على غرار كل التحركات الشعبية التي مهدت لما سمي “الربيع العربي”.

error: Content is protected !!