في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | تدمير مكة المكرمة و80 في المائة من أرض الحرم في ملك الولايات المتحدة الأمريكية

مسح 1400 سنة من تاريخ الإسلام بأوثان تجارية

إعداد: عبد الحميد العوني

   في الثاني من شهر مارس الجاري، عنونت جريدة “الإيكونوميست” البريطانية مقالا لها، بـ “تدمير مكة”، أكبر مشروع للبناء يمسح 1400 سنة من تاريخ الإسلام، مؤكدة، في صرخة موقعة من السعودية، أن ما عانته المدينة القديمة في أبها، انتقل منذ 2007 إلى مكة المكرمة، وتغيرت أرض الحرم حين تم تدمير المسجد الكبير الذي يعود بناؤه إلى الفترة العثمانية، وانتهت آخر معالم التاريخ الهندسي لمكة والمدينة حسب قناة “سي. إن. إن”.

   ولا يختلف هذا التدمير، حسب القناة الأمريكية، عن حريق المخطوطات في تامبوكتو بدولة مالي، إنها مجزرة ثقافية و”حالة بربرية”، حسب وصف وزير الثقافة التركي السابق، استيمحان طالاي عام 2002، حين احتجت أنقرة بشكل قاس، على تدمير “الجياد” التي تعود إلى القرن الثامن عشر على ربوة مكة.

   وبعيدا عن دفاع الأتراك عن الآثار العثمانية، وإيران عن معالم آل بيت رسول الله والموقوفة لهم منذ عهد النبي، فإن انتفاضة الإعلام الغربي أحيت حق الإنسانية في الحفاظ على تراث خالد صانه المسلمون لمئات السنين، تقول المؤسسة الأمريكية لشؤون الخليج: “إن 95 في المائة من المساكن التاريخية التي يصل عمرها إلى ألف سنة، انتهت في مكة”.

المخطط بدأ في 1980 بتحويل بيت خديجة زوج الرسول (ص) إلى مستشفى، وبيت ميلاد محمد (ص) إلى متجر لحوم ومجزرة واستقر أخيرا في مكتبة، وحاليا يتحول بيت عثمان بن عفان إلى عمارتين، فما الفارق بين حرق كتاب مقدس مطبوع على ورق صناعي حديث (القرآن) وبين من يدمر أماكن مقدسة، يتساءل موقع “ذي بليز”؟

   تقول “الإيكونوميست” البريطانية(1): “إن مجموعة من العائلات المكية استثمرت ملايين الدولارات لبناء عمارتين من خمسين طابقا على منزل عثمان بن عفان، ثالث خلفاء النبي، محمد، وأصبح بيت خديجة، ومهد نشر الوحي السماوي منذ 1980، مستشفى، فيما بيت ميلاد الرسول (ص) تحول إلى متجر للحوم ومجزرة قبل أن يستقر الآن، في مكتبة”.

   وانطلق هذا المسلسل في 1925، عام تدمير متحف “البقيع” المرتبط بمسجد النبي في المدينة(2)، وعوض أن يتمثل المسلمون تواضع نبيهم، انفصلوا عنه في مشاريع إسمنتية ضخمة تحيط حجهم، فيما سماه البعض تهديدا لأقدس مدينة في تاريخ الإسلام، بتكلفة بدأت بـ 26 مليار دولار، بدون احتساب العقار الذي يصل ثمنه إلى 35 مليار دولار.

   وسيتم افتتاح أكبر فندق في العالم هذه السنة (2017) بـ 10 آلاف سرير على أنقاض تواضع رسول الإسلام والعالمين محمد (ص)، الذي لم يبت دينار في بيته، ولقي الله بعد أن تصدق بآخر قطعة مال.

   وفي صدمة واسعة للمسلمين المعتنقين لدينه من الغربيين، فإن الرسول (ص) الذي خدم العمران النفسي للإنسان، يتعرض تراثه ومساره الذي شرع له الحج، لحالة تدمير، فيما المرافق الصحية في مكة ضعيفة أمام هذه المنشآت الفرعونية، فمستشفى المستعجلات في أجياد بـ 52 سريرا فقط، ومستشفى “النور” على بعد 4 أميال من الحرم، وليس هناك بنك للدم(3)، وفي حال حدوث أي حريق، تأتي المساعدة من مدينة الطائف بتأخير يصل إلى ساعة كاملة، ويبقى الحس الإنساني ومواجهة كل طارئ، ضعيف إلى أقصى الحدود في أحوال الحج.

   وينتهي في هذه القفزة العمرانية، كل ما يتعلق بحياة محمد (ص) إلى درجة تفاعلت معها، شارونا بليز بالقول: “إن إسرائيل أجلت وعالجت مرارا موضوع باب المغاربة في القدس(4) حفاظا على التراث، فيما دفنت الجرافات في مكة  95 في المائة من الآثار المحمدية لتبني أبراج هيليوتون مكة ومطاعم الفيحاء ومنشآت التسوق”، وهذا المسلسل الذي بدأ في 1925 وبقيت منه الكعبة التي تمثل آخر 5 في المائة من “التراث المادي للحج”، انتهى في أقل من 600 متر عن الحرم، وعلى جبل عمر، بمركز للأعمال والصفقات ومركز للتجميل والترفيه تحت رقم 21955.

“هيلتون أوتلز كوربوريشن” المعروفة بـ “هيلتون وورلد وايز” شركة أمريكية عامة، بما يجعل الحرم المكي من أملاك الولايات المتحدة

   تقول “وول ستريت جورنال” في مقال لريشار روبن وليز هوفمان: “إن شركة (هيلتون) شركة عامة، وهذه الصفقة شاملة لكل ما تملكه خارج الولايات المتحدة بعد المرحلة الثالثة التي قررتها الشركة مؤخرا(5)، بما يجعل فنادقها في مكة مملوكة قانونا لدولة الولايات المتحدة الأمريكية، ويرفع سيطرتها على الحرم إلى ثمانين في المائة عبر جوانب أخرى”.

   وهذه المناورة قديمة، دقيقة وممنهجة، خطط لها المؤسس ـ هيلتون ـ الذي انتمى للماسونية، وقبل وفاته في 1979 عن سن 91، قال عن الفرصة التي منحتها الثورة الإيرانية ذات التوجه الشيعي في إيران: “هي الفرصة لامتلاك الحرم وتدمير السنة والشيعة بسحق رموزهم”، وهي الخطة التي أعيد نقاشها مجددا في 1987 غداة إعادة تبني وصية هيلتون بإعادة استعمال اسمه من طرف شركة الترفيه البريطانية “ليدبروك”، وفي عام 1999، وغداة الاجتماع الماسوني في تركيا، أكد البريطانيون الذين واكبوا محمد بن عبد الوهاب، أن “الأهداف هي نفسها، لكن لابد من هامش جديد للمناورة”.

   وفي 2001، وافقت شركة “هيلتون” على بيع “الأسد الأحمر”(6) المعروف بماسونيته الواضحة إلى “ويست كوست أوسبيتاليتي” وهي التي مولت مشروع تحت رقم “005” المعروف بتغيير آثار الرسول (ص) إلى آثار “المشركين” عبر أركيولوجيا ما قبل الإسلام، لكنها رأت أن تمويلا موجها إلى فرنسا كفيل بفصل الخطة على أن يلتزم الشركاء الجدد بالبنود الثلاثة في اتفاق 2006.

   وانتهت المرحلة بإعادة تعميد “هيلتون” في بريطانيا بـ “لاند بروكز”، حيث ارتفعت الأسهم بـ 32 في المائة بدعم حركة مالية من 72 عملاقا اقتصاديا للوصول إلى الأهداف المرسومة.

   وتمثل دعم إسرائيل والغرب لهذه الخطوة، في الوصول إلى “شراء الحرم المكي” كإحدى الأهداف الماسونية المرموز لها بـ “المثلث والقوس إلى يمينه” كما حددته كل المحافل دون تفسير واضح للأمر، وتقدمت شركة “الحجر الأسود” لعزل “الحجر الأسود” في الكعبة، وشراء “تجارة الحج” قبل إعادة توجيه الأهداف.

شركة “الحجر الأسود” العالمية التي أهلها تأسيسها الماسوني لمواجهة واحتواء “الحجر الأسود” في الكعبة بالحرم المكي

   تغيرت الخطة “التجارية” في 3 يوليوز 2007 وفي الملحق الثاني للاتفاق المالي، بـ 26 مليار دولار، وأصبحت “هيلتون” في 12 دجنبر 2013 شركة عامة(7)، واحتفظت شركة “الحجر الأسود”، إلى الآن، بـ 45.8 من الشركة الأم، وما حول “الحجر الأسود” بمكة، تمتلك منه شركة “الحجر الأسود” حوالي النصف منذ 2013.

   وحسب مقال “وول ستريت جورنال”، يكون شهر فبراير 2016، قد تحول فيه قسم كبير من أراضي الحرم الشريف إلى ملك الشركة لدخولها نظام “أي. أر. إس” المحمي من الجيش الأمريكي، والمارينز تحديدا.

   يقول إشهار “هلتون” إن عنوانها: “إبراهيم الخليل، أي الكعبة؟”، وتقترح على عشرة آلاف مصل داخل فنادقها، أن يصلوا على صوت إمام المسجد دون الذهاب إلى الصفوف، وفي نفس الفندق، 10 أصناف للبوذية يمكن أداؤها في ساحة الحرم تحت علامة الشركة، ويقترح مركز “ريفليكسولوجي هيلث” هذه الخدمات.

   لا أحد يجادل في “الولاء والبراء” في الأموال التي يمكن فيها لأي شخص ومن أي ديانة أن يمتلك أرض الحرم وتجارته، وقد تحول إلى تراب أمريكي بمنطوق القانون، بل إن الأصنام “التجارية” صبغت ألوانها بشكل معاصر في “هيلتون مكة” أو “هيلتون أبراج مكة”، وتقدم كل الخدمات على الطريقة العالمية، وقد تآخت في افتتاح فندق “روزفلت” بالماسونية سنة 1943، وشجعت “الشركة” ومولت هذه الخطط منذ 1955 بتركيا، وقد تقرر أن يخوض هؤلاء دعاية مفادها أن العلامات “التراثية” للمسلمين “شركية” (بكسر الشين وتسكين الراء) وتكون العلامات الغربية “تجارية”.

   يقول رئيس الشركة، كريستوفر ناسيت في 7 فبراير 2015: “إن قدرة هيلتون في مكة، تساوي قدرة أمريكا على رسم خارطة الشرق الأوسط، ولا يقف تأثير واشنطن على شركة هيلتون التي حولت جزءا كبيرا من أرض الحرم المكي إلى أرض أمريكية، بل عملت ماكدونالدز أيضا على الوصول إلى نفس الأهداف”.

حرف “الميم” في ماكدونالدز التي تعني “مريم العذراء”، وقد شملت صلاتها الأخوين اللذين انطلقا في هذا المشروع لأول مرة، رفضت المساس برمز الثالوث في مقدمة مقرها الاجتماعي بـ “أواك بروك” في ألينوي الأمريكية، بل قيل في اجتماع عام 1943: “ليس هناك مشكل مع مريم العذراء لأن الصليب سيكون قريبا في حرم المسلمين”.

   “الميم”، من “ميري” أو “مريم”، اختارها الأخوان، ريشار وموريس في كاليفورنيا قبل أن يبيعها الأخوان ماكدونالدز إلى كروك بـ 2.7 مليون دولار، على أن تحافظ العائلة على “الميم” لبركة مريم، و0.5 من الأرباح السنوية، بما يوفر لها 100 مليون دولار سنويا، لكن “انتصار العائلة” المتدينة، في وصول رمزهم الديني إلى مكة السعودية.

   ونجح “الساندويش” أول مرة في سينسناتي في أوهايو، لأنه حي كاثوليكي، ولأن “ميم” ماريا أو مريم في كل جمعة، يسهل توزيع الساندويش، ولأن الجمعة العظيمة عيد المسلمين أيضا، كانت الفرصة لأول مرة، سانحة للتفكير في الوصول إلى مكان الذبح المقدس، لأن مكة تعني في العبرية “يوم المذبحة”، ولا تزال هذه البقعة تحيي بالملايين  شعيرة إبراهيم فداء لابنه الذي أنزل له الرب كبشا ليذبحه عوض أن يسيل دم الإنسان.

   هذا التوجه الآخر من تبرير وصول الأمريكيين إلى الحرم المكي، جعل “هوفنغتون بوست” تطرح، بعد التئام البروتستانت والكاثوليك الأمريكيين للوصول إلى مكة، سؤال: كيف وصلت العولمة إلى مهد الإسلام(8)؟

   هناك الحج الذي “تعولم” ووصلت تجارته إلى ما يتجاوز بيع النفط في السعودية، وتصل التقديرات بأعداد الحجاج في 2025، إلى 17 مليون حاج، وتغاضى المتدينون عن نهي النبي عن البناء العالي، وقد أحاطوا الحرم بناطحات للسحاب.

   وفي هذه الدائرة المجنونة التي حولت بيت الرسول إلى متجر، قبل أن يؤول، بفعل الضغوط، إلى مكتبة، لاحظ الجميع كيف تسيطر الولايات المتحدة على المباني وتهيمن الصين على شراء ذكريات الحج من طرف القادمين بمليار و330 مليون دولار.

   كل شيء في مكة على نسق “وول ستريت”، وفي سماء الحرم المكي رمز العذراء “الميم” يبرق في عيون المصلين، طلبا لسد جوعهم بماكدونالدز، التي رأت أن احتفاءها بـ “مكة” يعود إلى 1987 في منطقة ميلووكي، وفي هذه الرقعة التي تسمى “مكة”، كانت التدخلات لوصول الشركة إلى “مكة” الشرق الأوسط، وقامت الصلاة مرتين بـ “هليلويا” لبلوغ هذا الهدف. 

   رمز “ماكدونالدز” وخدماته في ثلاثة شوارع، طريق المزدلفة، وفي العزيزية وقريبا من الكعبة بالشوقية، وأساءت هذه الشركة للرسول (ص)، حسب موقع “كيرمالكم” حين حفرت ما يشبه كتابة اسم محمد في غطاء بلاستيكي(9)، وذكرت جريدة “ذي صن” البريطانية قراءها في السنة الماضية، بالحادث(10).

“هيلتون” و”ماكدونالدز” و7 شركات أخرى تضع “صندوقا أسود” لعملها في مكة

   أضافت “ماكدونالدز” 3 أو 7 في المائة إلى معاملاتها في مكة المكرمة لما تعنيه المدينة لها، كي يكون لها هدف “عقاري” تماما كما في حالة “هيلتون”.

   وتتعاون 9 شركات أمريكية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في العمل لأهداف “مدروسة” في مكة، وتورطت “ماكدونالدز” في فضائح مالية (تهريب ضريبي ب 2.2 مليار دولار في أوروبا وحدها)، وتعمل لصالح لوبيين إسرائيليين في المدينة المقدسة للوصول لما يسمى “الأهداف المرسومة لـ 2006″، وتحملت “هيلتون قيادتها في مكة.

   وحسب الوثيقة المسماة “كروك”، فإن “ماكدونالدز” عملت لأجندة “حمراء خارجية”، وفي الملف المالي لسنة 2001، كشفت مواده هذا التقييد الموجه إلى مدينة مكة ضمن رأسملة معروفة وصلت 93 مليارا و354 مليون دولار، وقد سمت أراضي الحرم بـ “البنيات الخالصة” للشركة والبالغة في مجملها، 11 مليار و630 مليون دولار، ومعروف عن رئيسها، دون ثومبسون، التقدير الواعد لمكة كما تحدث به جهرا في السنة الماضية.

   ولم تتنازل الشركات الأمريكية عن “معاييرها التجارية” تحت أي ظرف في الحرم المكي بعد تزويد “هيلتون” مكة بمركز للصفقات والأعمال في أرض الحرم، وإلى جانبها مراكز التجميل والترفيه، وبكل ما تعرفه هذه السلسلة في باقي العالم.

   وتشتهر “هيلتون” في مكة بمراكزها، بما يفقد كل معنى لهذه المدينة المقدسة، يقول مؤسس “مركز أبحاث الحج”: “إن مكة من دون هوية، من دون تراث، وبدون ثقافة، وأيضا بدون محيط طبيعي، ولا يتنفس الحجاج هواءً صحيا، لأنه لا شجرة في مكة، وهذه الحياة الصماء لا تقتل علاقة الحاج بالخلق، بل أيضا بسلوك الحياة الرسالية لمحمد (ص)”.

   ومن الصادم أن يكون “بيرغر كينغ” فوق بيت أبي بكر (رض).

الرسول (ص) الذي رفض في حياته أن يكون ملكا يسود في جنبات بلدته، (مكة)، التي أحبها “ملك البرغر” والرفاه “الأرضي”، فيما جاءت دعوته للحقوق في الأرض وصلاحها بغية “رفاه” السماء

   يبحث اليهود، في كل يوم، عن أثر لتقريبهم من دينهم من خلال الحفريات، وفي الجانب الآخر، يحفر المسلمون بأيديهم لدفن “آثارهم” في مكة والمدينة، أقدس الأرض إلى الله، وفي مكة، لا شيء محمدي سوى الآذان والكعبة، والباقي رفاه العصر وصفقاته، فمنذ 2012، كل المتناقضات تحيط بطريقة تدمير المسلمين لتراثهم.

   يقول محمد جمعة، من مجموعة “بن لادن” التي تشارك في هذا المشروع، ومنها بن لادن الذي دمر أبراج نيويورك، كل شيء يدور مع الحجاج، إنها تجارة الحج وسياحته، فهل المسألة لا تتعلق إلا بـ “بيزنس”، والإجابة في “هيلتون مكة”، حيث المراكز المتخصصة للأعمال وتسجيل العقود.

   من جهة أخرى، تخطط اللوبيات كي يكون الإسلام “بلا آثار وبلا أركيولوجيا”، ولا شيء يميز هذا الدين سوى حداثته وحفاظه على خصوصياته، والنبي الوحيد المعلوم دفنه هو محمد (ص)، ولابد من إلغاء هذا الامتياز، فالكل يشكك في وجود أي نبي، لأنه بلا قبر، أما مدفن محمد، فيشهد الجميع عليه.

   ويريد جزء من المسلمين، بعد تدمير مكة، تدمير قبر هذا الرسول، خوفا، بل “فوبيا”، من الشرك الذي يسمح بحضور كل رموز العصر في الحرم دون حضور الآثار المادية للإسلام”.”

   ووصل تمويل القضاء على الآثار التاريخية لدين الإسلام إلى 7 مليارات دولار، دعما مباشرا لشركات دولية تمتلك رؤية في العمل أو تمتلك أراض في الحرم المكي أو النبوي، لكن ساكنة المدينة، بإجماع الدوائر الغربية، أقل تعاونا، مما يعرقل الوصول إلى “الأهداف المتوسطة المدى” كما في “خطة 2006”.

   ومن الصادم، أن يعرف المتابعون، أن الخطة تسير باتجاه سلخ الحرمين عن بعضهما البعض، فقد تمت السيطرة أرضا وحركة على الحرم المكي، فيما يمكن للحرم النبوي أن يدمره تحريم الصلاة فيه خوفا من الشرك، لوجود قبر الرسول.

سلخ الحرم النبوي عن المكي، وتحويل قبر الرسول إلى “مزار لا تجوز فيه الصلاة” خوفا من الشرك، ضمن الأهداف المسطرة، حيث يمكن تعزيز “فوبيا” الشرك و”فوبيا” الطائفية للوصول إلى ما تم الاتفاق عليه في 2006

   تكاد خطة تدمير مكة وإنهاء أي “هوية أركيولوجية” للإسلام أن تنجح بنسبة عالية، لأن سلخ الحرم النبوي عن المكي يجري دعائيا وعمليا، وتحويل قبر الرسول إلى “مزار لا تجوز فيه الصلاة” مقولة تسود في أوساط جماهير كثيرة، بل إن تدمير مكة، له صدى في مصر، ويدافع أنصار السنة المحمدية في القاهرة عن هذه السياسة حسب “سي. إن. إن”.

   ويدافع هؤلاء عن ساعة تزيد سعتها عن “بيغ بين”، وعلى بناية من 120 طابقا تعتبر ثاني أعلى بناء في العالم، عوض التمسك ببيت الرسول أو بيوت صحابته.

   وتم سحق 14 مكانا تاريخيا حول مكة، بما يؤكد صدق التقرير الماسوني لـ 23 يناير الماضي الذي قال: “إن الإسلام دخل مرحلة الأرض المحروقة، إنه يحرق جذوره إلى الأبد”.

   وتتحرك “الأركيولوجيا” من جهة ثانية، وبدعم من نفس الجهات، للكشف عن هوية الجزيرة العربية قبل الإسلام(11)، يقول مقال لأرييل دفيد، قبل سنة، بـ “اكتشاف أقدم أثر عربي يعود إلى سنة 470 للميلاد، قامت به بعثة آثار فرنسية ـ سعودية جنوب المملكة، في بير هيما مائة كيلومتر عن مدينة نجران”.

   وفي 100 صفحة الصادرة عن أكاديمية المخطوطات والفنون الجميلة في فرنسا، فإن الخط العربي معتمد قبل الإسلام بـ 150 سنة.

   ورأى المؤرخ الفرنسي كريستيان روبان، “أن مملكة حيمر، عرفت شكلا من أشكال اليهودية، وعاصمتها، صفر، وسميت إحدى الشهور الهجرية بهذا الاسم بعد انتقال دعوة رسول الإسلام من مكة إلى المدينة التي وصل المكون اليهودي فيها إلى 99 في المائة”.

   وركزت الكتابة المكتشفة في مارس 2016 عن الصيغة “السبئية” القديمة، ومنها جاء اسم الله (الرحمان) المكرر في كل افتتاح للكلام أو العمل أو كتابة المسلمين تماما كما في ثمان منحوتات يطلق عليها “صخرة ثوبان بن مالك” .

   وتعود المنحوتات إلى سنة 522 للميلاد، وعرف الإسلام ما عرفه من قبله في ثمانية أشياء: الصلوات اليومية والختان والوضوء والحج والزكاة وتحريم الصور والتماثيل وتحريم أكل لحم الخنزير.

   وتؤكد الجريدة الإسرائيلية،”هآرتس”، “أن الأركيولوجيا تنتصر لحق اليهود في شبه الجزيرة وفي يثرب ومكة، فيما تدعم هذه الدوائر تدمير كل أثر مادي لمحمد وصحبه، إلى الدرجة التي قيل فيها: إن المسيح في السماء، ويبحث اليهود عن أنبيائهم، وليس في قبر معلوم سوى محمد، وهذا التميز يجب أن يدمر نهائيا، كي تعود كل الأديان إلى تجريدها، يقول التقرير الماسوني لـ 2006”.

   ولا يمكن حسب الحاخام، لوزين فليبس، إطلاق نهضة يهودية دون سقوط الأثر المادي والأركيولوجي لرسول الإسلام (ص).

   وفي حضوره لصلاة “مكة” اليهودية في منهاتن(12) قال: “يجب تدمير مكة لإعلان المذبح الإبراهيمي وتجاوز الرسول محمد (ص) نهائيا”.

   وذكر العهد القديم “التوراة”، لفظ “مكة” في سفر “صموئيل” (الإصحاح الرابع الآية 8)، وفي سفر “أشعيا” (الإصحاح العاشر الآية 26)، وأيضا في سفر “أرمياه” (الإصحاح 15 الآية 18)، وهو السفر الذي قال بخروج 75 ألف يهودي من فلسطين واستقروا في شبه الجزيرة العربية، وتحديدا في اليمن(13)، ويعيد الإمام الطبري أصول يهود الجزيرة العربية إلى فارس، نازحين من بابليون (بابل).

   ويرى موشي جيل(14)، “أن هناك قبائل يهودية تعربت وقبائل عربية تهودت”، ويذكر أن قبائل “بنو أوس” انتقلوا من سوريا إلى يثرب، وإلى جانبهم، بنو حارث، وبنو شريح، وبنو نجار، وبنو جشم، وبنو غفار، وبنو قينقاع ، وبنو ساعدة ، وبنو شطيبة، وبنو كنانة، وبنو زريقة، وبنو قضاعة وبنو قريضة، بما يجعل كل من أسلم من الأنصار “يهودا”، ويقول باتصال بنو حيان بيهودا، وحكموا عبر الإمارة الحميرية “بدو النبط”، أي باقي العرب، وبنو أوس وبنو خزرج حكموا يثرب، وأسلموا في أغلبهم.

   وفي إعادة كتابة التاريخ الذي يدمر مكة، يستقر على نصرة اليهود للإسلام في يثرب، وحكموا باسمه قبل أن يعيدوا العاصمة إلى الشام، فسار قوة غازية طردت البيزنطيين وردت انتقام “الساسان” الذين استعبدوا “جزء يهودا في العراق”.

   وسارت فئة من المسلمين إلى ما قال به “كعب الأحبار”، فكانت مكة رواية، فمكة حولت اليهودي إلى الإسلام كما فعلت مع “محمد أسد” في القرن الماضي، أو تحول المسلمين إلى مجرد رواية أقرب إلى التوراة في قراءة الوحي المحمدي، عقيدة ومنهجا ومقاصدا ومآلا، بل إن “دراسة كين بلادي” أعادت أصول من حكم الحجاز إلى هذه الأرومة المنتصرة للملكية كما حكم بها الملك الحميري، اليهودي طوبا أبو كريب أسد كميل، في سنة 400 للميلاد، وانتصرت على نظام الخلافة في أقل من 40 سنة من وفاة رسول الإسلام.

   وفي كتاب “الأمم اليهودية”(15) ما يقرب أن الإسلام طبعة “يهودية” لقبائل جزيرة العرب.

   وبمنع المحمديين من تراثهم، يتحول الإسلام إلى ما يعتقده كين بلادي في أن محمدا أتى بمذهب وقراءة أخرى.

   وتذهب هذه الخطط بعيدا بمنع الإسلام من أي “جوهر تاريخي” أو مادي، وأي جوهر ذاتي، كي يكون نحلة أو طائفة بعد تكفير الطوائف لبعضها البعض، وعلى هذا الأساس، يكون الإسلام بلا هوية.

   وبتدمير مكة، ربح خصوم الإسلام كما يقول تقرير 2011 لماسونيي روما: “لن تكون هناك هوية بصرية للإسلام أو علاقة للمسلمين برسولهم، فالحج يتحول إلى رمز واحد، وهو لإبراهيم ومجرد جولات حول حجر الكعبة، وهو ما يضعف هذا الدين في مشاعر حامليه”.

   وفقد المسلمون منذ عام 1925، ما يصل إلى 432 علامة أركيولوجية تخدم حجهم وارتباطهم بنبيهم غير خارطة العالم القديم.

   يقول حكيم صهيون، “إن المسألة أبعد من تخطيط اليهود للوصول إلى مكة والمدينة(16)”، فدولة إسرائيل سمحت بتوزيع “مكة كولا” في إسرائيل، وقد أنتجه البعض ضد الكيان العبري(17) كي يؤكد للعالم كما يقول حاخام تل أبيب أن: “إسرائيل تعشق مكة كما تعشق القدس”، وأن مجرد أن يكون المشروب يحمل هذا الاسم، يسمح لنا، حسب تعبيره، “بأن نشربه نحن المؤمنون بإسرائيل الكبرى”.

تدمير مكة انتهى بفقدان الإسلام لهويته الأركيولوجية

   لم تبق للإسلام صلة “أركيولوجية” بالرسول محمد (ص) أو بحياته “الحقيقية في مكة أو المدينة”، وقد دعا الناس للحج إليها، وباستبدال المقام المحمدي بالإبراهيمي، تكون الكعبة أو ما تبقى من 5 في المائة من الآثار، لا تعود لمحمد بالمطلق، وتشترك الأديان الشرق أوسطية، وأولها اليهودية في كل ما هو إبراهيمي، بما يجعل مكة حاليا يهودية (إبراهيمية) فقط.

   هذه القصة فشلت مع الأمويين والعباسيين، وسبق للقراطمة أن نقلوا الكعبة خارج البيت لعقود، لكن الحج ساندته معطيات أركيولوجية تربط الحج بمحمد (ص) وبحركته الدنيوية، واليوم، لا يمكن للحج أن يكون مؤثرا بالنسبة للحجاج لو تكرر عمل القراطمة، لأن الحج عاد سلوكا في مسجد واسع لا يتمتع بالحياة.

تدمير مكة “عمران نفسي” لوحدة الأديان

   تقول فقرة من “تقرير 2006” للمجمع الماسوني: “بعد تدمير مكة، كل الأديان السماوية ستكون متساوية، لأن ما تميز به المسلمون في وجود مدفن لرسولهم ولمسار واضح لحياته في مكة انتهى”، ويمكن أن تكون مكة “إبراهيمية” وليست لها هوية “محمدية”، فهي مذبح الصلاة الأولى ولابد من تحويل “القربان” كي تكون “الأضحية” جزءا من الوحدة الدينية لأبناء إبراهيم.

   وخسر المسلمون بتدمير “مكة”، الدليل المادي الذي يفيد الأجيال الجديدة للمتدينين، وقد تمسك المسلمون بتدمير تراثهم المادي في مواجهة بقاء دعوتهم لعصور أخرى.

   وتخوف المسيحيون من هذا الزواج الجديد بين اليهودية والإسلام انطلاقا من الجزيرة العربية والوحدة “السامية” التي تجمعهم، وقد رأوا أن النسخة الحديثة “صهيونية” انطلاقا من اللغة “الآرامية” (العبرية).

   وبنفس الثقل، تحاول دولة إسرائيل بإمكانياتها، أن تصنع تاريخا جديدا لها انطلاقا من قراءة التاريخ المشترك لدول الشرق الأوسط.

   والواقع، أن اليهود، تمكنوا من عزل القراءة الصليبية عن الإنجيل، وتجاوزوا خيانتهم للمسيح، وقتل أنبياء من جلدتهم، والآن يصنعون نسخة تصالحهم مع الدين المحمدي.

   وحولت اليهودية في قراءتها للمسيحية، “القدس” (أورشليم) إلى مدينة الله التي لا تتصل بتراب أرضي، وهذه هي فكرة القدس أو أورشليم في المسيحية المعاصرة، وينتقل هذا السيناريو إلى علاقة المسلم ليس بالقدس فقط، بل بمكة التي لم تعد لها هوية ترابية أو تاريخية، كما يتفق مدمروها على رفض اعتبارها مكانا، بل مقاما روحيا فقط، وفي المقابل، يبحث العبريون في حفرياتهم على ما يربطهم “ماديا”، وعبر الآثار، بالقدس، كما يريدون ربط مكة والمدينة بأجدادهم.

   وانتهى تدمير مكة إلى فرحة واسعة، ففي أكتوبر  الماضي، وبعد خمس دقائق من افتتاح المحفل الماسوني، كانت الكلمة كالتالي: “حاليا انتهى محمد أركيولوجيا، وسينتهي روحيا في نفوس الكثير من المؤمنين به، ونزع القداسة عن مدفن ومزار محمد، هو ما يجب التنصيص عليه، فكما لم يكن أحد في 12 سنة، يحلم بهذا الإنجاز، بعد عشرين سنة، سأترك مكاني لمن يقول نفس الخلاصة؟

   وفي كل الأحوال، يصعب على عموم المسلمين قبول هذه النتائج على الأرض”.

هوامش :

1_ The destruction of Mecca, the Economist, 2/3/2017.
2_ MECCA, Redevlopment sparks heritage concerns, by Tim Hume, CNN 7/2/2013.
3_ The destruction of Mecca, how Saudi Arabia’s construction rampage is threatening Islam’s holiest city, by Mustapha hammed, Sep 22, 2015 (sur net).
4_Where’s the outrage? Saudi Arabia bulldozing Islamic holy sites and Muslim world is silent, Saharona Schwartz, the blaze, Nov 9/2012.
5_ Hilton to spin off hotel properties into real – estate  investment trust, Liz Hoffman and Richard robin, wall street journal, 16/Dec/2015.
6_ hilton sells red lion , select doubl trees to west coast , hotelleinteractive .com (retrieved 23/3/2008)
7_ Hilton World Wise holdings inc, schedule 14 A securities and exchange comission, 8/4/2014.
8_ How globalization reached the cradle of Islam, Omar Sayfo, the Huffington post (retrieved 4/3/2017).
9_ Al kanz.org  (30/5/2012).
10_ Neymar posters advertisie MC Donald’s removed from city of Mecca for violating religious sanctity, toby gannon,  the sun, 11/2/2016.
11_ before Islam when Saudi Arabia was a Jewish kingdom, Ariel David, haaretz, 15 march 2016.
12_ Harlem’s new Jewish renaissance, the times of Israel, 18 Oct/ 2016.
13_ journey to Yemen and its Jews, Shaom Seri and others, Eeleh be Tamar publishing, p: 43.
14_ Jews in Islamic countries in the middle age, Moshe girl-Brill (Leiden – Boston) 2004.
15_ Jewish communities in exotics places, ken blady, Jason Aronson. p: 32.
16_ Elder of Zinon, Jews are planning to take over Mecca and medina (sur net).
17_mecca cola now available in Israel – Jewlicious, the Jewish blog,  31/4/2004 .
error: Content is protected !!