في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | إفلاس حزب الأصالة والمعاصرة وعودة العماري إلى بيع الورق

خلاصة التواطئ السياسي: “إذا التقى حزبان مخزنيان حذف الذي سبق”

إعداد: سعيد الريحاني

    بغض النظر عن حكاية “المخبر والصحافي” أو “الشفار والكراب” أو “البرلماني والحمار”(..)، وكلها تعليقات على وزن “الراقصة والسياسي”، جاءت على لسان الحزبيين المغاربة، تابع عدد من المواطنين باهتمام كبير ما قاله الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة دون الحاجة إلى كرسي الاعتراف، حيث قال إلياس العماري: ((بعد ما أثير حول علاقة المجموعة (يقصد المجموعة الإعلامية آخر ساعة) بالبام إثر تحملي مسؤولية الأمانة العامة للحزب، وتجاوبا مع ملتمس المساهمين باتخاذ الاحتياطات اللازمة لعدم تضرر المجموعة من التهجمات السياسية التي تستهدفني كشخص وكحزب، قررت بيع حصتي من الأسهم، وأنا اليوم لست مساهما في المجموعة، ولكن، وبطلب من المساهمين، لازلت أتولى مهمة الإشراف على المطبعة، بحكم تجربتي الطويلة في الميدان، وأنا أفكر بجدية في العودة للتفرغ للعمل في الطباعة بعد تحرري من المسؤوليات الحزبية)).

   العماري اختار مخاطبة متتبعي صفحته “الفيسبوكية” التي تحظى بمتابعة كبيرة مقارنة مع باقي صفحات زعماء الأحزاب السياسية الآخرين، خلال الأيام الأخيرة، ولم يكن الجديد في كلام العماري هو حديثه عن “الروابط التي تجمع بينه وبين مجموعة آخر ساعة التي قام بإطلاقها”، بل إن تلميحه بـ “الاستقالة” من خلال حديثه عن رغبته في “التفرغ” لوظيفة “المشرف على المطبعة”، يطرح أكثر من علامة استفهام، لماذا ركز إلياس العماري على “مهمته الحزبية” ولم يقل مثلا أنه يفكر في التفرغ من مهامه كرئيس جهة؟ ولماذا لم يقل أنه يفكر في الاستقالة من العضوية في جماعة النكور، التي مهدت له للوصول إلى رئاسة الجهة، ولماذا أصلا الحديث عن الرغبة في التفرغ، بالتزامن مع انطلاق موسم الهجرة في اتجاه حزب التجمع الوطني للأحرار، وبالتزامن مع الحديث عن كثرة الاستقالات من الحزب، وتبقى أقواها لحد الآن هي استقالة، رئيس فريق الحزب بمجلس النواب، عبد اللطيف وهبي، هذا الأخير قال للصحافة: ((إنه قدم استقالته من رئاسة الفريق بمجلس النواب بسبب خلافه مع الأمين العام للحزب إلياس العماري.. وعندما سأله الصحافيون عمن سيخلفه، قال بلغة النادم على كل شيء: يقلبوا علامن)) (المصدر: موقع سياسي/ الثلاثاء 14 مارس 2017).

   لم يوضح وهبي نوعية الخلاف بينه وبين أمينه العام، لكن المتتبعين يعرفون أن كليهما يسيران خلال الفترة الأخيرة في اتجاهين مختلفين، فبينما يقول إلياس العماري أن صياغة الفصل 47 من الدستور الذي أشرفت عليه لجنة ملكية، تمت بتواطئ مع حزب العدالة والتنمية، الذي حصر اختيار رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر نتائج الانتخابات، يقول وهبي: إن ((الفصل 47 من الدستور قام بصياغته الملك شخصيا من خلال خطاب 9 مارس2011، الذي تبنته الأطراف المشاركة في صياغة الدستور))، والمتتبع يمكنه أن يفهم أبعاد خلاف من هذا النوع (انظر تفاصيل أخرى في الصفحة 16 من هذا العدد)، وهو الخلاف الذي يؤكد الفرق الكبير بين مشروع حزب الأصالة والمعاصرة الذي أسسه فؤاد عالي الهمة، والمشروع الذي بات يقوده إلياس العماري، وتكفي العودة في هذا الصدد إلى تاريخ الحزب.

   بتاريخ 7 غشت 2007، أعلنت وكالة المغرب العربي للأنباء، عن إعفاء فؤاد عالي الهمة الوزير المنتدب في الداخلية آنذاك من موقعه الحكومي، بناءا على بلاغ صدر مساء نفس اليوم عن الديوان الملكي، جاء فيه أن ((الملك محمد السادس، وافق على الملتمس الذي رفعه الهمة، يطلب من خلاله الإعفاء من مهامه الحكومية))، ولم يقف البلاغ عند هذا الحد، بل إن أصحابه، قالوا إن الهمة سيترشح في الانتخابات، وبغض النظر عن الصحافة التي كتبت وقتها أن ((الملك أسس حزبه))، وهو الأمر الذي كذبه الملك محمد السادس في وقت لاحق عندما قال في خطاب رسمي أن ((حزبه هو حزب المغرب)) (خطاب العرش 2016)، فإن بعض الصحافيين اعتبروا دخول الهمة للسياسة، باعتباره واحدا من المقربين، أسوأ احتمال يمكن توقعه، فـ ((في ظل غياب المعطيات الدقيقة وصعوبة تطبيق آليات التحاليل العلمية على نظام له خصوصيات، أكثر من قواعد عامة تحكم سيره، نكتفي بالتركيز على أكثر الاحتمالات سوءا، والمتمثل في أن يكون وراء إعفاء الهمة، رغبة في تقدمه للانتخابات بغية الحصول على أغلبية تمكنه من أن يصبح وزيرا أول، وهذا الاحتمال هو أكثر الاحتمالات سوءا، لأنه يظهر بشكل واضح أنه ليست هناك إرادة سياسية للتقدم بهذا البلد خطوات إلى الأمام، كيف ذلك؟ فإعفاء الهمة من منصبه ودخوله للانتخابات، يعني أن كل شيء محسوم فيه، وأن المغاربة في غنى عن التوجه إلى صناديق الاقتراع بغية التعبير عن أصواتهم، لاختيار من يرونه صالحا لتمثيلهم في قبة البرلمان، كما يعني أن الهمة سيفوز بالانتخابات مهما كان حجم منافسيه ومصداقيتهم، وأن الحزب الذي سيترشح باسمه سيفوز بأغلبية الأصوات، وبمعنى آخر، كل شيء طبخ ولا ينتظر إلا التنفيذ)) (المصدر: جريدة الصباح/ عدد 9 غشت 2007).

   الصحافيون الذين توقعوا تعيين الهمة وزيرا أول، كذبهم الزمن، إذ أن الهمة الذي خاض الانتخابات التشريعية لسنة 2007، بلائحة مستقلة، تحت عنوان الكرامة والمواطنة، وجد نفسه “محاصرا” داخل حزب الأصالة والمعاصرة الذي سعى إلى تأسيسه، من طرف المجموعة التي اتضح فيما بعد، أنها تدين بالولاء لإلياس العماري وليس للهمة، ولعله من غرائب الأمور، أن بعض الصحافيين والمواقع والجرائد التي كانت تهاجم الهمة باعتباره “وافدا جديدا” على السياسة، لم تنتقذ بتاتا إلياس العماري، بل إن الهمة زعيم “حركة لكل الديمقراطيين” كان واضحا في الدفاع عما يسميه “مشروع جلالة الملك”، وكان يقول بأن ((المواطن المغربي صوت لفائدة أحزاب اشتغلت إلى جانب جلالة الملك في مشروع مغربي واضح المعالم))، وعندما سألوه (الهمة) عن مشروع جلالة الملك، قال: ((المغرب دخل الآن في حلقة مفتوحة على محاربة الأمية، ومحاربة الفقر، وعلى العمل.. هذا هو مشروع الملك محمد السادس، وهذا هو مشروع مغرب اليوم، أظن أن الرجوع إلى الأصل أصل، واليوم أقول لجميع الطاقات في جميع المناطق المغربية وخارج المغرب، أنه حان الوقت لخدمة وطننا..)) (المصدر: تصريح فؤاد عالي الهمة للقناة الثانية بتاريخ 10 شتنبر 2007).

   بمقابل وضوح الهمة في الدفاع عن الملك والمؤسسات الدستورية، يبدو إلياس العماري، وهو واحد من الذين لم يكونوا مع فكرة تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، أكثر وضوحا في انتقاد المؤسسات، بل إنه يقول بخلاف الهمة: ((إن حزب الأصالة والمعاصرة لم يسبق له أن أعلن يوما أنه جاء ليدافع عن المشروع الملكي، وإنما جاء للمساهمة من موقعه في تطوير البلاد.. ولأن الأمر كذلك، فقد أعلنا منذ البداية، أننا ضد خوصصة القضايا والثوابت المشتركة بين المغاربة)) (المصدر: تصريح إلياس العماري لجريدة المساء عدد 17 فبراير 2012).

   إذن، لا علاقة بين أفكار الهمة وأفكار إلياس العماري، فكيف لهما أن يكونا صديقين كما يتم الترويج لذلك، بل الحقيقة أن الهمة، كان دائما قلقا من جهة العماري(..)، وقد سألته إحدى الجرائد ذات يوم: ((واش درتي شي حاجة قلقات الهمة منك؟)) فقال: ((إيوا منعرف.. قبل أن يستطرد، أنا كندير باش يتقلق طبعا.. أنا الخدمة ديالي خاصني ندير السياسة باش يتقلقوا الحكام.. أنا مكنديرش باش الحكام يكونوا سعداء)) (المصدر: حوار في جريدة الأخبار).

   إن أقل ما يمكن أن يقال في هذا الصدد (بين الهمة وإلياس)، هو أن “حزب الأصالة والمعاصرة انحرف عن سكته”، وتعبير الانحراف موجود ومؤكد عليه في نص الاستقالة التاريخية للهمة من حزب الأصالة والمعاصرة، عندما قال: ((إن المشروع السياسي، الذي تم على أساسه بناء الحزب، قد تعرض لانحرافات كثيرة)) (المصدر: الاستقالة المرفوعة بتاريخ 14 ماي 2011).

   الهمة استقال من حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2011، ومنذ ذلك الوقت، تحاول المجموعة التي بقيت فيه، احتلال الموقع الأول في الانتخابات، لكن الظروف لم تسعف على تطبيق هذه الوصفة، بل إن خروج أخنوش إلى الساحة السياسية، يؤكد إبعاد الأصالة والمعاصرة، لتنطبق عليه القاعدة: “إذا التقى حزبان مخزنيان، حذف الذي سبق”.

   إن حزب الأصالة والمعاصرة اليوم، الذي بات يمثل “قاطرة تضم جل خصوم إمارة المؤمنين” (انظر الأسبوع عدد: 8 ماي 2014)، أصبح في مرمى اتهامات ثقيلة، وبشهادة أهله، بل إن كوثر بنحمو عضوة المجلس الوطني للحزب، وجهت شكايات ضد الحزب إلى كافة السلطات المختصة، تتراوح بين اتهام العماري بـ “انتحال صفة(..)”، وبين سعي الحزب إلى الإساءة للوحدة الترابية (قيد التحقيق)، وآخر هذه الشكايات، هي الشكاية التي رفعتها بنحمو إلى وزير الداخلية، محمد حصاد، تدعوه فيها إلى ((التدخل العاجل لإيقاف مهزلة المكتب الفيدرالي في تنظيم حزب الأصالة والمعاصرة لعدم قانونيته والحرص على ملائمة أجهزة تنظيم الحزب مع القانون التنظيمي للأحزاب ودستور المملكة المغربية، وفتح تحقيق بخصوص التمويل الأجنبي لإنشاء مكاتب فيدرالية وأحزاب جهوية في المغرب تمهيدا للفيدرالية المرفوضة من المملكة المغربية، ملكا، حكومة وشعبا، لأنها ضد الوحدة الترابية للمغرب))، وتوضح بنحمو لحصاد: ((رسالتي اخترتها أن تكون مفتوحة بعد أن رفض موظف مكتب الضبط بوزارتكم الموقرة تسلم الوثائق التي قررت أن أضعها بين يديكم الأمينة، وذلك بتاريخ 8 مارس 2016، لأن من شأنها أن تفيد التحقيق الذي طالبتكم بفتحه بتاريخ 23 أكتوبر 2015 بخصوص العلاقة بين مركز ابن رشد للدراسات وحزب الأصالة والمعاصرة وعلاقتهما بالتمويل الأجنبي المجرم بقوة الدستور والقانون التنظيمي للأحزاب طبقا للمادة 39 منه الذي ينص على أنه: “يجب أن تؤسس الأحزاب السياسية وأن تسير بأموال وطنية دون سواها ولا يجوز لحزب سياسي تلقي أموال أجنبية بصفة مباشرة أو غير مباشرة”)).

error: Content is protected !!