في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | الرباط ستة شهور بين السجن المعنوي لبن كيران والسجن الفرنسي لسعد المجرد

بقلم: مصطفى العلوي

   عندما استقبل الملك محمد السادس، يوم 10 أكتوبر من السنة الماضية(…) رئيس حزب العدالة، عبد الإله بن كيران وكلفه بتشكيل الحكومة، اكتفى الرأي العام بالتصفيق سرا.. طبعا، وهو يجهل أن عملية ربط الحكومة الثانية لبن كيران أشبه ما تكون بزفافه إلى الزوجة الثانية، وأن بن كيران كجميع الأزواج، هو آخر من يعلم، وأن تعاقده هذا يحتاج ككل عقد، إلى موافقة الأحزاب، التي هي بمثابة الشهود لإتمام تحرير العقد، ليأخذ كل واحد من الشهود نصيبه من الصداق(…) أما أصحاب الكروش رواد المآدب والحفلات الذين ينتظرون العرس، للتهافت عليه، تهافتهم على موازين(…) ولماذا لا يحضره المغني المشهور سعد المجرد المشهور في أغانيه، باستعمال الكثير من قفشات العريس بن كيران.

   وكما كان الأمر سهلا، بالنسبة للسي بن كيران، بلاغ في بضع سطور، واستقبال في بضع دقائق وجميل التهاني الصادرة عن الشفاه الملكية، فإن جزئية تنشيط الفنان المجرد لزفاف بن كيران إلى الحكومة الجديدة(…) هي عملية بسيطة.. قرار ترونه بعيدا.. ونراه قريبا، لولا ذلك القرار الصادر عن وكيل الدولة الفرنسية، الذي اعتقل الفنان المجرد يوم 18 أكتوبر أقل من ثلاثة أسابيع، بعد الاتفاق على الزواج الحكومي، بين بن كيران والحكومة.

   وتظهر لنا الاهتمامات بالحدث، من خلال البيان الرسمي(…) الذي أصدرته وكالة الأنباء المغربية قالت فيه حرفيا: إن جلالة الملك تكفل بأتعاب المحامي الفرنسي الشهير، دوبون موريتي، ونصح عائلة المجرد بالاتصال بهذا المحامي الذي يضيف الصحفيون الفرنسيون إلى اسمه، وصف الوحش، لأن القضاة الفرنسيين، من خلال القضايا التي يترافع فيها يخشونه لأنه واعر.. ورغم أن موقع الفيسبوك نشر بعد هذا القرار الملكي بأن المغني المجرد يتوفر على حساب ضخم بالعملة الصعبة من تعاقداته مع الشركات الإعلامية، وأن منظمة حفله الذي كان مقررا في باريس، وألغي، إلهام بوزيد، تطالبه بـ 177 ألف يورو، حوالي مائتي مليون، وأن يرجع لها التسبيق الذي دفعته له 40 ألف يورو، فإن تحمل القصر الملكي لمصاريف الدعوى يثير الكثير من الاستغراب، وهذا لا يهم إذا كان المجرد، سيغني في حفل زفاف بن كيران إلى الحكومة، فالله ينعل بو الفلوس، كما يقول بن كيران.

   لكن الأيام الطويلة، ربطت الإعلان عن موعد الزفاف بموعد الإفراج عن المغني، وبقي الرأي العام المغربي، مقسما بين من يستعجلون سراح المجرد، للاحتفال بالحكومة، وبين من يتمنون تشكيل الحكومة، بمشاركة المجرد، وها هي الشهور الستة تمر، فلا احتفال بالحكومة ولا تقصيرة مع المجرد.

   وكما دخلت مشكلة المجرد مع القضاء الفرنسي، مرحلة الغموض لأنه ليس هناك خوف من المحامين الوحوش في فرنسا، لأن القضاء سيد البشر(…) وسيد الوحوش(…) “عم الغموض في المغرب أيضا مجال تشكيل الحكومة”، كما عنونت المساء، ورأى أحد صحفيي الأحداث، أفق الغموض هذا بأن وجدت مصدره(…) وذكرته بكل شجاعة: ((نيجريا توقف مشاورات تشكيل الحكومة)) لأن قطب القوة الثالثة الجديدة، أخنوش ينهي كل مفاوضاته مع بن كيران بقوله: نشوف سيدنا فنيجريا، نشوف سيدنا فزامبيا، نشوف سيدنا فساحل العاج.. حقا: ((إن هذا يجعل تشكيل الحكومة سخرية زرقاء)) كما عنونت إحدى الصحف.

   أما سعد المجرد فرغم أنه مسجون فعلا، في قفص من الوعود وهو قفص أكثر حدة(…) تصوروا والده البشير عبدو، يقول للصحفيين: ((إن القاضي لم يرفض إطلاق سراح ابني من الأساس، وإنما الأمر يستغرق وقتا لحين البت فيه))، جملة تتناسب تماما مع ما يقول الرئيس بن كيران، كلما واجه الصحفيين، وإن كانت التعبيرات التي تقال لبن كيران، أو يقولها بن كيران تسهل على الفرنسيين مهمة تطويل إقامة المجرد في سجن باريس.

   فالفرنسيون جميعا، ومن خلال ما قرؤوه وما سمعوه عن المغرب، ينظرون إلى المغاربة، على أنهم يهتمون بالنساء(…) والصديقات(…) على طريقة المجرد، بنفس الطريقة التي كان المغاربة يتصرفون بها مثلما وجدهم الفرنسيون عند احتلالهم الاستعماري لبلادهم، حيث كان الحريم(…) هو المؤسسة الأولى في البيوت البورجوازية، ليتوسع الضابط “أندري هاردي” الذي عايش المغاربة أجيالا بصفته منسقا للتواجد الفرنسي بالمغرب، في إعطاء نماذج عن الكبار الذي كان يرتبط بهم، ويجمع في كتابه “سيد الحاكم” ما يكفي لأن يصدق أي قاضي كل ما يقال عن المغربي وحريمه(…).

   وفي عصر الأنترنيت والفيسبوك مثلا، يتحدث رئيس الحكومة بن كيران عن “الصڭوعة” جمع “صڭع”، لينتقد بن كيران شخصيا هذه الطبقة من المنتقدين لتصرفات أصدقائه وليكشف في جوابه ما يبقى مبررا لكل تفسير(…): ((سيدة لا علاقة لها بحزب العدالة والتنمية، اختارها الوزير المنتمي لهذا الحزب مستشارة إعلامية له قبل أن تصعد نائبة برلمانية باسم الحزب)) (المساء. 24/10/2016) ويعلق في حديث آخر على الأسلوب الجاري به العمل: “وصي علي، ونوصي عليك”، ويكتب في نفس الجريدة أستاذ للعلوم السياسية، عن أبعاد المخطط الاجتماعي لبن كيران محللا(…): ((إن المفارقة القوية الموجودة هي أن منافسي بن كيران يركزون على ما يقوله، وليس على ما يفعله(…) مع مختلف الفئات.. الأطفال الشباب، النساء(…))) وتنشر أخبار رسمية في جميع الصحف المغربية التقرير الذي أصدرته وكالة الاستخبارات الأمريكية “ف. ب. أي” نقلا عن تقرير بريطاني: ((بأن ثلاثة آلاف مغربي متورطون في قضايا الابتزاز الجنسي عبر الوسائل الإلكترونية)) لنفهم لماذا تطويل ظروف البحث والاستنطاق والاعتقال، في حق المغربي سعد المجرد، وربما تسمع أجهزتهم للتصنت المجرد في زنزانته وهو يردد أغنيته: “أنا ماشي ساهل”، وكلما مرت فتاة من الحارسات قرب زنزانته، نقلت من شفاهه أغنيته “انتي باغيا واحد”.

   وتأبى الظروف السياسية في المغرب، إلا أن تربط بين المعلم بن كيران، والمعلم المجرد(…) الأول في سجن أخنوش المعنوي بالرباط، والثاني في سجن فلوري بباريس، لتدرك الأحداث أوجها، عندما استقبل بن كيران مفاوضه أخنوش في نهاية يناير 2017، وأخبره بأنه لن يقبل أبدا مشاركة حزب الاتحاد الاشتراكي في حكومته، ليعلن المحامي الاتحادي للمغني المسجون، الأستاذ إبراهيم الراشدي، انسحابه من هيأة الدفاع عن سعد المجرد، وابحثوا عن خبايا التضامن الاتحادي.

   وعندما يعلن بن كيران في الرباط بأنه “غادي يحط السوارت”، يجمع والد المجرد البشير عبدو، الصحفيين ويقول لهم: “نحن في أمس الحاجة إلى دعواتكم بالفرج القريب إن شاء الله”.

   وبينما لم تنظم في أية جهة بالمغرب أية مظاهرة للتضامن مع عبد الإله بن كيران، وهو في سجنه المعنوي، استغرب بن كيران يوما وهو في سيارته المحروسة بالدار البيضاء، بجموع الشبان والفتيات المغربيات، يتظاهرون في باب القنصلية الفرنسية بالدار البيضاء، وهم يحملون لافتات عليها اسم سعد المجرد ويهتفون مطالبين بإطلاق سراحه.

   بينما الاستنتاج الإيجابي، من هذه الأزمة المغربية الفرنسية(…) يكشف عن حقيقة مرة، وهي أن الأسلوب المغربي في التعامل مع القضايا الجادة، يكون دائما مسبوقا ومتبوعا بالأسلوب المغربي المغمس في التفاؤل.

   تصوروا محامي سعد المجرد يقول للصحفيين: إن المجرد كان ضحية كمين(…) نصب له بإحكام من طرف جزائريين، والبحث القضائي سيكشف أن الأمر مدبر، وقد تم إخبار السفير المغربي شكيب بنموسى بالنازلة، ويخرج مدير شؤون المجرد، رضى البرادي، عند الصحفيين بدوره، ليكشف لهم ((إن أسرة سعد المجرد تقدمت بطلب دعم إلى الملك محمد السادس، استجاب له في إطار قرينة البراءة(…) واحترام استقلالية القضاء الفرنسي)) (الأحداث. 2 نونبر 2016).

   وفي نفس الفترة بالتقريب، وبالمغرب طبعا يعلن عبر الصحف، أيضا: ((أن عملية تشكيل حكومة بن كيران الثانية سيخوضها حزب العدالة وأمينه العام، حربا ضروسا لا تقل شراسة عن حرب 7 أكتوبر(…) فهزيمة وتقهقر عدد من الأحزاب السياسية، سيما الحكومية منها، وعلى رأسها حزب الاستقلال، والتجمع الوطني للأحرار، والحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، ثم الاتحاد الدستوري المنضم إلى الجوقة التجمعية بقيادة أخنوش، قد لا يعني بالضرورة أنها ستدخل المفاوضات من منطلق الهزيمة مطأطأة الرأس)) (المساء. 15 أكتوبر 2016).

   تفاؤل من هنا، وعنترية من هناك، ليبقى مصير ملف المعلم المجرد، معلقا بالقرار السامي للقضاء الفرنسي، وتبقى قضية حكومة المعلم بن كيران، رهينة بالوضعية السياسية المغربية، التي أوجزها المعني الأول عبد الإله بن كيران، بحكمة عميقة بليغة، ربط فيها الحل برجوع الملك، وقال: ((من اللي يجي.. يحن الله)).

error: Content is protected !!