في الأكشاك هذا الأسبوع

خاص | هل سيقبل المغاربة بالعفو على معتقلي “داعش” في السجون المغربية؟

مخاطر رفع ملتمسات العفو مباشرة إلى الملك

الرباط. الأسبوع

“بعد تقبيل أعتابكم الشريفة، وتقديم ما يليق بمقامكم السامي، من فروض الطاعة والولاء والإخلاص، يتقدم خديمكم المطيع، عبد الكريم الشاذلي، أصالة عن نفسه، ونيابة عن مجموعة من المعتقلين السلفيين، وأبنائهم وأفراد عائلاتهم المفرج عنهم سابقا بموجب عفوكم السامي، طالبين مني أن أبلغ جلالتكم، شكرهم الجزيل وامتنانهم بمكرمة العفو الذي شملتهم به، والذي جعلهم ينعمون بالحرية، ومرة أخرى، ألح علي عدد من المعتقلين السلفيين بسجون المملكة، أن أرفع شكرهم واستعطافهم إلى مقامكم السامي، بعدما أكدوا لي توبتهم، ورجوعهم إلى الطريق السوي وتمسكهم بأهذاب عرشكم المنيف، راغبين في عفوكم، إسوة بأصدقائهم الذين تمتعوا بعفوكم السامي”.

الفقرة أعلاه، هي مقتطف من ملتمس للعفو الملكي، تم رفعه باسم بعض الموجودين بالسجن، المعتقلين على خلفية قضايا “إرهابية” أو قضايا لها “علاقة بتنظيم داعش”، من طرف عبد الكريم الشاذلي، وهو الوجه السلفي الذي تم الترويج له بشكل كبير في الفترة الأخيرة، كأحد الملتحقين بحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، التي يرأسها عرشان، بل إن الشاذلي، المعتقل السابق في قضايا لها علاقة بالإرهاب، لم يفرج عنه إلا سنة 2011 بمقتضى عفو ملكي، وهو نفسه الذي تعمد في أحد الاجتماعات التي عقدها عند التحاقه بحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية رفقة إدريس هاني، متزعم التيار الشيعي في المغرب، ورفقة عبد الكريم فوزي المقرب من عبد الكريم مطيع زعيم الشبيبة الإسلامية، (تعمد) تقديم سيرة ذاتية مثيرة للجدل أمام الحاضرين، أبرز فيها بشكل غير مفهوم، “أنه كان يشتغل من 1989 إلى 1992 مسؤولا بالمديرية العامة للدراسات والمستندات (لادجيد)، وأنه عمل موظفا ساميا بإدارة الدفاع الوطني بالرباط بين 1989 و1992 في قسم التعاون الدولي والعلاقات العسكرية المغربية الأمريكية، بالإضافة إلى عمله في قسم التجهيز بإدارة الدفاع الوطني والمديرية العامة للدراسات والمستندات (لادجيد)” حسب ما نشرته بعض المواقع.

مبادرة الشاذلي للعفو عن “الداعشيين” المعتقلين، تطرح أكثر من علامة استفهام حول الجهة التي أشرت للشاذلي، بجمع التوقيعات من أجل رفع ملتمس للملك بموافقة الرئيس الفعلي للحزب، الكومسير السابق، محمود عرشان، غير أنها تفسر أن الملتحقين بحزب عرشان من السلفيين، كان لهم هدف واحد هو الحصول على العفو، بعد التنسيق بين من هم داخل السجن وعائلاتهم خارج السجون، وربما تأتي خطوة الشاذلي لتأكيد عمله في هذا الاتجاه(..) بعد تزايد الضغوط عليه(..).

ولا تنظر عدة أطراف مغربية بعين الرضى لخطوة محتملة من هذا القبيل، إذ صرح القاضي المعزول الناشط، محمد الهيني، بهذا الخصوص لوسائل الإعلام، أنه: “لا عفو عن الدواعش، وأن العائدين من سوريا والعراق تدربوا على الحرب والقتال، وأن تطبيق القانون في حقهم، حماية للوطن والمجتمع”.

   وكانت مسألة العفو عن “الدواعش” قد أثارت جدلا كبيرا في بعض البلدان، ووصل الأمر إلى حد تنظيم مسيرات احتجاجية ووقفات كما حصل في تونس خلال شهر دجنبر الماضي عندما دعى ائتلاف المواطنين التونسيين لتنظيم مظاهرات تحت شعار: “لا لعودة الدواعش”، هدفها التصدي لمقترحات السماح بعودة المتشددين التونسيين الذين كانوا يقاتلون ضمن تنظيمات متشددة في الخارج، وبينما توجد وزارة الداخلية التونسية في قلب الجدل، بعد رفضها نشر قوائم العائدين(..)، لم تفصح أية جهة رسمية مغربية على سبيل المثال، عما وصلت إليه المفاوضات مع بعض الدول التي تحاول إغراق المغرب بالمهاجرين المطرودين بدعوى أنهم مغاربة، فمن جهتها، تحاول ألمانيا منذ مدة، إعادة عشرات المغاربة إلى المغرب تحت عدة ذرائع، علما أن ذلك قد لا يكون سوى جزءا من “محاولة إغراق المغرب بالإرهابيين” (انظر الأسبوع عدد 29 دجنبر 2016/ “هل سيقبل المغاربة بعودة بقايا داعش إلى المغرب؟”).

   بغض النظر عن ملتمسات العفو، والطريقة التي قدمت بها، فإن الأكيد أن محاولة إخراج “داعش” من السجن، أو استقبال أعضائها من دول القتال، علما أن المغرب واحد من الدول المصدرة للمقاتلين “الداعشيين”، يطرح أكثر من علامة استفهام، بخصوص طريقة التعامل معهم في المستقبل، لا سيما بعد ضلوع بعض المعفى عنهم في عمليات إرهابية جديدة.

   كيف يمكن التعامل مع “الداعشيين المغاربة”؟ والحال أن مجرد جولة في القنوات الإلكترونية، كافية للوقوف عند بعض “نجوم” القتل في الجبهات المضطربة وهم مغاربة، “كيف يمكن التعامل مع هؤلاء العائدين، أو الذين يطمحون إلى العفو، ومنهم من صوروا أنفسهم وهم يتجولون بكل حرية في إقامات بشار الأسد وقد تم تصويرهم وهم يهددون النظام المغربي بلهجة مغربية واضحة، انطلاقا من الخارج وهم يحملون السلاح؟ كيف يمكن الوثوق في مقاتلين خاضوا حرب الشوارع ضد نظام بكامله في سوريا؟ “تصوروا أن رجلا قضى جل حياته في السجن دفاعا عن مشروع جهادي، دخل إلى سجن غوانتانامو، ثم سجن عكاشة والزاكي، ثم عاد إلى السجن بتهمة الإرهاب، وبعد هذا المسار، يذهب إلى الجهاد في سوريا، هل من سبيل للحديث عن الثوبة في هذا المجال، خاصة وأن المعني بالأمر حاول دعوة إخوانه، عن طريق الفيس بوك إلى الالتحاق به في جبهات القتال” (تفاصيل في عدد الأسبوع. عدد 29 دجنبر 2016).

   يقول إدريس الكنبوري، الباحث في الحركات الإسلامية، في تصريح لجريدة “آخر ساعة” التي نشرت ملتمس العفو الذي تقدم به الشاذلي، “إن الحوار مع هؤلاء، يجب أن يكون مسبوقا بجلسات حوار رسمية معهم داخل السجون، حتى يتم التأكد من مراجعة قناعاتهم”، داعيا إلى “تبني التجربة الفرنسية التي تقوم على إجراء هيئات رسمية لحوارات ومراجعات فكرية مع معتقلين إسلاميين”، بينما يقول الناشط الهيني لنفس الجريدة: “على الدولة أن تتعامل بحذر مع ملتمسات العفو التي توجه إليها من طرف المعتقلين المحكومين في قضايا التطرف والإرهاب، عندما يكون ضمنهم دواعش حتى تتأكد عن طريق خبرائها بشكل رسمي، من تشبثهم بثوابت الأمة ومقدساتها، وبالمؤسسات الدستورية، ومراجعة مواقفهم وتوجهاتهم الفكرية، ونبذهم للتطرف والإرهاب، ونيلهم شهادة حسن السيرة والسلوك طيلة مدة اعتقالهم” (تفاصيل: جريدة آخر ساعة عدد 20 فبراير 2017).

  سواء تعلق الأمر بملتمس الشاذلي، أو ظاهرة الدعوة إلى السماح بعودة المقاتلين في صفوف “داعش” بالخارج، فإن طلب العفو عنهم يطرح عدة إشكالات، فالأمر لا يتعلق هنا بأشخاص اعتقلوا بتهمة شيك بدون رصيد أو تهمة تبديد أموال أو ارتكبوا جرائم عن طريق الخطإ، بل يتعلق الأمر بأصحاب قناعات جهادية، ضد مجتمعات يعتبرونها كافرة، علما أن حصول بعضهم على العفو لا يعني عدم عودتهم إلى ارتكاب نفس الجرائم، حسب ما أكدته التجربة، غير أن دخولهم هذه المرة من باب العفو الملكي، يعني أن دخولهم في منعطف جديد قد يكون له ما بعده(..).

error: Content is protected !!