في الأكشاك هذا الأسبوع

الدار البيضاء.. مدينة الطوابير

محسن زردان. الأسبوع

   لم يعد المرء يستغرب من الطوابير الطويلة من الناس، التي أصبحت تؤثث فضاء أهم أحياء مدينة الدار البيضاء، ليس من أجل الحصول على تأشيرة السفر إلى الخارج، بل فقط لانتظار وسائل النقل التي ستقلهم إلى وجهاتهم، مما يكشف إلى أي حد، صارت أزمة النقل بمدينة مليونية كالبيضاء جد مستفحلة، فأسطول الحافلات المتقادمة والمتهالكة، لم يعد كافيا لا من حيث العدد ولا من حيث شروط السلامة والراحة التي تنعدم بشكل كلي، والمتنقلون عبرها بشكل يومي، يدركون حجم معاناتهم مع الاكتظاظ وانعدام النظافة وغياب الأمن، فضلا عن كون التسعيرة المعتمدة تعتبر الأعلى وطنياعلى صعيد الحافلات، ولا تعكس بتاتا جودة الخدمات المقدمة.

   منظر جموع المواطنين يصطفون لساعات طوال، يبعث إشارة إلى فشل السلطات العمومية المسؤولة عن تدبير شأن المدينة، على الرغم من وضع مخطط إدخال وسيلة نقل الترامواي، التي على أهميتها في التخفيف من أزمة المواطنين البيضاويين في تنقلاتهم اليومية، لكنها غير كافية لسد العجز في الخصاص من جهة، ومن جهة أخرى، فأشغال تهيئته كلفت انسيابية المرور في طرق المدينة غاليا، حيث ضاقت مساحات شوارعها الضيقة أصلا، وساهمت في استفحال الاختناق المروري للعربات بمختلف أشكالها، فضلا عن أن خدمات خطوط الترامواي لا تغطي أغلب أحياء المدينة.

   الانتظار في الطوابير الطويلة في الدار البيضاء، لا يهم فقط الراجلين، بل يشمل حتى السيارات والشاحنات والدراجات النارية، التي أصبحت من فرط تكاثر أساطيل العربات، تعيش جحيما من الانتظار في مواقف إشارات المرور وعلى المدارات، خصوصا مع ازدياد نسبة الحوادث، التي توقف حركة المرور بالكامل، وتخلق أزمة مرور حقيقية، تؤثر سلبا على وصول الناس إلى مقرات عملهم، ولقضاء حوائجهم.

   جميل أن نتحدث عن رغبة المسؤولين في تحويل مدينة من حجم الدار البيضاء، كمدينة ذكية تواكب تطورات العصر، لكنها للأسف مازالت شؤونها تدبر بطريقة أبعد عن الذكاء والحكمة بكثير، فالقطب المالي المزمع إنشاؤه بالمدينة، مازالت لم توفر له البنيات الطرقية المناسبة المسهلة لولوجية وسائل النقل للمستثمرين والعمال والموظفين في أحسن الظروف.

   من جهة أخرى، فالأحياء الجديدة المنشأة على ضواحي مدينة الدار البيضاء، كمنطقة الرحمة وبوسكورة مثلا، التي تشكل لوحدها مدنا قائمة بذاتها، لم تواكبها بنيات تحتية ولا مداخل طرقية كافية، ولم توفر لها وسائل نقل عمومية بالدرجة المنتظرة، خصوصا من صنف الحافلات الحضرية، فتصوروا معي أن مدينة الرحمة بزخم ساكنتها، لا توفر لها شركة “نقل المدينة”، سوى خط وحيد، لا يلبي حاجيات الناس.

   هذا العجز في تغطية خدمات النقل بالمدينة، فتح المجال لارتفاع وتيرة النقل السري، وكذا العربات الصينية ثلاثية العجلات (تريبورتور)، التي تضاعف عددها إلى أضعاف مضاعفة في السنين الأخيرة، حيث تشوه جمالية منظر المدينة، التي تشبه إلى حد كبير دور صفيح متنقلة عندما يتم تغليفها وكسوتها بالإطارات الحديدية، وهي تشكل خطرا على المواطنين، باعتبارها أكثر العربات عرضة لحوادث السير.

   أمام هذا الوضع، استغلت شركات جديدة يطلق عليها اسم “إيبير” (UBER)، وهي موجة عالمية تستخدم تطبيقات رقمية تكنولوجية عبر الهواتف المرتبطة بشبكة الأنترنيت، من أجل تقديم خدمات نقل للمواطنين، خصوصا للوجهات التي يرفض سائقو الأجرة الصغيرة نقل المواطنين إليها.

   إذا كانت المجالس المنتخبة من مهامها الأساسية، إيجاد الحلول المناسبة لمشاكل الساكنة، ومن بينها وسائل النقل، فإن مجالس البيضاء تغلب على أشغالها الصراعات الحزبية، فضلا عن محدودية المبادرة بالنظر إلى إشكالية استقلال القرار في علاقتها مع جهاز وزارة الداخلية المتمثل في الولاة والعمال.

error: Content is protected !!