في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | كواليس التحضير لدخول حزب الاستقلال إلى الحكومة وتعيين نزار بركة أمينا عاما

نزار بركة: أنا جاهز لقيادة حزب الاستقلال من أجل المصلحة الوطنية

إعداد: سعيد الريحاني

   عندما كان الموكب الجنائزي الرهيب للزعيم الاستقلالي المراكشي، امحمد بوستة يتجه نحو المقبرة، كان بعض الاستقلاليين المطلعين على ما يجري ويدور بين شباط وخصومه(..) يتمازحون في ما بينهم حول الحكومة التي سيشاركون فيها باعتبارهم مرشحين للاستوزار، ليجيب أحدهم، ساخرا: “إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه، أعتقد أننا سنشارك في حكومة منفى”، فضحك البعض، بينما نأى آخرون بأنفسهم عن هذا الحوار، لأنهم يعرفون أن حكومة المنفى هي الحكومة التي يؤسسها معارضو النظام في الخارج(..)، وغير بعيد عن مقبرة “ابن العريف” بالمدينة القديمة والقريبة من ساحة جامع الفنا، كان هناك حضور لافت لرئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، نزار بركة، هذا الأخير كان يتلقى التعازي بطعم التهاني، حيث أن جل الذين اقتربوا منه هنؤوه مسبقا على عودته للظهور من جديد في المحطات الحزبية لحزب الاستقلال، بل إن هناك من هنأه على ترشحه لمنصب الأمين العام مسبقا، والواقع أن نزار بركة، ابن العائلة، هو صهر عباس الفاسي الأمين العام السابق، وهو آخر أمين عام من “آل الفاسي”، سقط بشكل مدو أمام حميد شباط دون أن يبوح إلى حدود اليوم بأي سر من أسرار سقوطه، رغم أن الاستقلاليين يعرفون سلاح شباط في مثل هذه المعارك(..).

   في مراكش، عبر رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي لبعض مقربيه عن استعداده لتولي مهمة الأمين العام لحزب الاستقلال إذا اقتضت المصلحة الوطنية ذلك، “نحن رهن الإشارة وفي خدمة الوطن دائما”، هكذا تحدث نزار بركة دون أن يقدم أي توضيحات في مراكش، ولكن الذي أعطى الانطباع بتحركه للعب دور جديد، هو المقال الذي نشره على غير عادته، قبل يومين من ظهوره في مراكش، والذي يقول فيه وكأنه يرشح نفسه قبل المؤتمر المقبل لمنصب الأمين العام: “.. بعد أن تدرجت في عدد من المهام والمسؤوليات الحزبية منذ 35 سنة.. نحن مدعوون جميعا إلى جعل المؤتمر المقبل لحظة مصالحة بامتياز وتوطيد الثقة، ولحظة التئام وحدة الصف كما كانت دائما داخل حزب الاستقلال، ولحظة استشراف المستقبل بما نتقاسمه من قيم مشتركة ومن آمال وطموحات لوطننا ولمواطنينا.. ولنجعل من المؤتمر المقبل محطة لإرساء تعاقد جديد لاسترجاع تلاحم وقوة وإشعاع حزب الاستقلال، والتعبئة والدفاع عن القضية الوطنية وراء جلالة الملك، واستكمال الإصلاحات الهيكلية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الضرورية لبلادنا” (المصدر: جريدة الصباح عدد 17 فبراير 2017/ رؤية أمل، بقلم نزار بركة).

   نزار بركة إذن، يعرض نفسه كحل في أفق المؤتمر المقبل لحزب الاستقلال، وربما تلقى الإشارة ليقوم بذلك، بعد أن نجح أنصار شباط في إبعاد خصومه، ياسمينة بادو وعبد الكريم غلاب وتوفيق احجيرة، من المنافسة على منصب الأمين العام، ليبقى لجوؤهم إلى القضاء للحيلولة دون تطبيق عقوبة التوقيف عليهم (تم تخفيظها إلى 9 أشهر) رغم الترويج الإعلامي، غير ذي قيمة قانونية، لأن القضاء غير مختص للبت في القضايا التنظيمية الداخلية للأحزاب(..)، أما تعليق شباط على خطة “اللجوء إلى نزار بركة”، فقد اختصره في جملة واحدة، ساخرا: “لقد رأيتم كيف جلبوا أخنوش إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، إنهم الآن بصدد تحضير أخنوش جديد” (المصدر:  Tel quel/ 3 مارس 2017).

   “نزار بركة، ورغم عدم تصريحه الرسمي بالترشح لمنصب الأمين العام للحزب إلى حدود اليوم، إلا أنه ترشيح مؤكد”، يقول عبد الله البقالي، رئيس اللجنة التحضيرية لمؤتمر حزب الاستقلال المزمع انعقاده يوم 31 مارس (نفس المصدر) إذا لم يحصل أي تغيير، بعد أن تحولت اجتماعات اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال إلى اجتماعات يتم النقاش فيها عبر التراشق بالكراسي(..)، علما أن قبول ترشح نزار بركة، رغم أنه عضو بالمجلس الوطني، يحتاج إلى “تعديل الفصل 54 من القانون الداخلي والذي يضبط شروط الترشح للأمانة العامة، حيث يؤكد أن المرشح لهذا المنصب، يجب أن يكون قد قضى ولاية على الأقل داخل اللجنة التنفيذية، وهو ما ينتفي في حال ترشح نزار بركة، عضو المجلس الوطني للحزب فقط، ولم يسبق له شغل مهمة داخل اللجنة التنفيذية” (المصدر: موقع فبراير/ 26 فبراير 2017).

   وكانت “وصفة التهدئة” التي بدأت ملامحها تظهر منذ زيارة مستشار ملكي لبيت بن كيران، كما أشرت عليها جريدة “الأسبوع” في عددها الصادر بتاريخ 23 فبراير 2017، تظهر جزءا من المخطط يقضي بإبعاد شباط من الأمانة العامة إلى رئاسة المجلس، التي لا قيمة لها إلا كونها رئاسة الشرفية، وهي قيمة غير تنظيمية، لا تصلح إلا لزيارات المجاملة وتأبين الموتى وحضور الحفلات(..).

   صحيح أن المستشار الملكي الفاسي الفهري طالب بإبعاد شباط، بينما مهمة المستشارين الملكيين، هي العمل في صمت وسكوت(..)، وما يمكن أن يقوم به نزار يمكن أن يقوم به شباط، خاصة أن هذا الأخير أعلن عدم رغبته في الاستوزار، لكن أنصار شباط والمتزعمين للاتجاه المتحمس للحفاظ على حركية الحركة الوطنية(..)، يرون أن: “كل ما يحل بالحزب الآن سببه الرئيسي هو رفض الأمين العام، أن يسير على هوى من يريد تعطيل تشكيل الحكومة، أما الجهات التي تفعل ذلك، فهي معروفة ويعرفها المغاربة جميعا، وفي صلبها مشروع الحزب الأغلبي، وهو ما كان موضوع اعتراض حزب الاستقلال منذ 1963، وهي ظاهرة واكبت تاريخ المغرب ما بعد الاستقلال، ومن يقف وراء هذا المشروع، مركب مصلحي يختلط فيه الفعل السياسي بالاقتصادي، هذا المركب المصلحي يعادي ويخاصم الاختيار الديمقراطي الذي أضحى ثابتا من ثوابت البلاد مع دستور 2011، هذا التوجه يسعى في كل مرحلة إلى عرقلة أي تراكم نوعي في الإصلاحات الديمقراطية، لأن من شأن ذلك أن يمس بمصالحهم، وهذا الأمر أضاع سنوات من التنمية والعدالة الاجتماعية على أجيال من المغاربة”، هكذا تحدث عادل بنحمزة، الناطق الرسمي باسم حزب الاستقلال. 

   بالتزامن مع الصراع الطاحن داخل حزب الاستقلال، والذي اشتد أكثر مع دخول حمدي ولد الرشيد دائرة المنافسة، أو دائرة “التسويات” المطلوبة(..)، وبعد تأكيد شباط  بأن حزبه سيشارك في الحكومة، من أي موقع (ولو بالمساندة النقدية)، ورغم تدخل المستشار الملكي الفاسي الفهري لإبعاده(..)، اختار المقربون من عبد الإله بن كيران، توجيه إشارة سياسية لمن يهمهم الأمر بالتزامن مع عودة الملك من جولته الإفريقية عن طريق ترويج صور رئيس الحكومة وهو يحاول استبدال عجلة السيارة التي انفجرت في رمال الصحراء سنة 2009، عندما كان بصدد الانتقال من بوجدور إلى مدينة العيون لتأطير مهرجان خطابي، وقد سجل أخطر تعليق على هذه الصور من طرف سائق بن كيران الذي قال: “إنها صور معبرة على اللطف الإلهي”، ليطرح السؤال عن سبب سكوت حزب العدالة عن حادثة تعرض لها بن كيران سنة 2009 في الصحراء(..)، ليتم الحديث عنها سنة 2017 بالتزامن مع التوقف المؤكد للمشاورات الحكومية في انتظار عودة الملك.

   وقد كانت سنة 2009 هي السنة التي أعلن فيها حزب الأصالة والمعاصرة، التحاقه بصفوف المعارضة إلى جانب حزب التجمع الوطني للأحرار، احتجاجا على الوزير الأول الاستقلالي آنذاك، عباس الفاسي، وهي نفسها السنة التي انطلق فيها التنسيق بين الحزبين اللذين ينهلان من نفس المرجعية(..) وها هما اليوم، يعزفان على نفس الأوتار في مواجهة بن كيران المدعوم بالتعيين الملكي وبالنتيجة الأولى في صناديق الاقتراع، غير أن هذا الأخير “فشل” حتى الآن، في انتظار ما سيتقرر بعد عودة الملك، في ما يخص تشكيل حكومة، وقد كان بإمكانه تشكيل حكومة من أحزاب الكتلة وحزب العدالة والتنمية دون حاجة للأحرار أو حزب الأصالة، غير أن خلافا حصل بين لشكر وعبد الإله بن كيران عجل بإقبار فكرة تأسيس حكومة قبل الشروع في تشكيلها.

   يقول مصدر حضر إحدى اجتماعات مفاوضات تشكيل الحكومة بين إدريس لشكر وعبد الإله بن كيران، أن الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي اقترح على بن كيران تشكيل حكومة مكونة من أحزاب الكتلة وحزب العدالة والتنمية، غير أن بن كيران نصح المجتمعين بالتمهل إلى غاية التشاور مع عزيز أخنوش رئيس حزب الأحرار، ليقول إدريس لشكر للمقربين منه، “إن بن كيران يضحك علينا، نحن نتحدث عن تشكيل الحكومة وهو يريد طرق أبواب الدار الكبيرة (يقصد أخنوش)، فلماذا لا نذهب إليها نحن مباشرة”، ومنذ ذلك الوقت، ارتمى الاتحاد الاشتراكي في حضن الأحرار، بل إن حزب الأحرار أصبح يفاوض باسم الاتحاد الاشتراكي شأنه شأن الاتحاد الدستوري.

   سواء تعلق الأمر بأخنوش الجديد (نزار بركة)، أو أخنوش القديم، فإن حزب الاستقلال يوجد اليوم في قلب المعركة، من أجل حماية نتائج صناديق الاقتراع، والدستور، علما أن التمادي في الصراع، قد يؤدي إلى سقوط الحزب في يد متحكمين من نوع آخر لا تهمهم المصلحة الوطنية، والحزب الذي يلعب اليوم دورا في حماية القضية الوطنية، قد يصبح غدا ضدها بسبب عدم تحديد سقف المزايدات(..).

error: Content is protected !!