في الأكشاك هذا الأسبوع

حكاية التجارة بين المغرب والدول الإفريقية.. من كلميم والسمارة إلى تامبوكتو

الرباط. الأسبوع

   بعد قطيعة دامت أكثر من ثلاثة عقود، استطاع المغرب العودة من جديد إلى صفوف الاتحاد الإفريقي، وها هو الملك محمد السادس يجول داخل القارة الإفريقية شرقا وغربا، حيث يتم توقيع الاتفاقيات الاقتصادية المعززة لهذا التقارب، ليطرح السؤال عن أصل هذه العلاقات المغربية الإفريقية.

   يقول الباحث نور الدين بلحداد، “إن العلاقات والروابط مع إخواننا الأفارقة لم تكن لتتم، إلا عبر مسالك وشعاب الصحراء المغربية والتي كانت منفتحة على أسواق إفريقيا الغربية، وبواسطتها كانت تتم عمليات البيع والشراء مع باقي البلدان الإفريقية، بل كانت مسالك الصحراء المغربية تعتبر شرايين الحياة لكل المجتمعات القبلية التي سكنت ضفتي الصحراء”.

   نفس الباحث وهو أستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية في جامعة محمد الخامس بالرباط، يوضح أن هناك عدة مسالك تاريخية من الصحراء المغربية إلى إفريقيا من بينها، “المسلك اللمتوني”، الذي كان ينطلق من منطقة سوس من أغمات في اتجاه مملكة غانا عبر مدينة أودغشت، بالإضافة إلى “مسلك يربط الصحراء المغربية بدولة الجزائر” عبر مركز تندوف الذي ظل يشكل جزءا من السيادة الترابية والقانونية للمغرب إلى حين اقتطاعه من المغرب على يد الاستعمار الفرنسي، وقد لعبت قبائل تاجكانت وأولاد جرير وذوي منيع والقنادسة وغيرها من القبائل المغربية دورا هاما في نقل العديد من المواد التجارية، إما نحو أسواق إفريقيا الغربية، أو نحو أسواق المغرب في الشمال، ويكفي أن نذكر هنا، ذلك الدور الهام والريادي الذي لعبته أسرة ابن الأعمش في تنشيط الحركة التجارية التي كانت تتم بين أسواق المغرب ومدينة تامبوكتو عبر واحة تندوف التي كانت لها كذلك علاقات تجارية قوية مع مراكز الأطلس الصغير من درعة وطاطا وآقا وفم لحصن وكلميم، وذلك بسبب تميزهم بصون الأمانة وحماية القوافل التجارية وتوفير الأمن والسلامة في شعاب ومسالك الصحراء المغربية، يقول بلحداد، الذي خص “الأسبوع” بمقال حول هذا الموضوع.

   نفس الكاتب يوضح بأن السلطان العلوي مولاي الحسن الأول، قد أولى عناية خاصة بهذا المسلك التجاري وأمر القائد الحاج بومدين الزناكي برد البال لهذا المسلك التجاري وتوفير الأمن والسلامة لأصحاب القوافل التجارية التي تربط بين أسواق الجنوب المغربي وأسواق إفريقيا السوداء عبر شعاب وفجاج الصحراء المغربية، وبعث إليه برسالة هامة نقتطف منها هذه الخلاصة: “… ونأمركم بأن تجعلوا نزالة بالسيد سليمان بوسماحة للقبض من القوافل التي ترد من توات ووادي الساورة وغيرهم، وأخرى في ملياس بزناكة للقبض من قوافل تافيلالت وذوي منيع وأولاد جرير وأخرى في العرجاء للقبض من قوافل بني كيل…”، حسب نفس المصدر.

   نفس الباحث يؤكد “وجود مسلك تجاري آخر يربط بين مدينتي كليمين وتامبوكتو عبر مدينة السمارة، العاصمة الروحية للصحراء المغربية والمحضرة العلمية للنائب السلطاني الشيخ العلامة ماء العينين، الذي كان يستقبل بها آلافا من طلبة العلم والمريدين من مختلف الجهات وخاصة من دول إفريقيا الغربية للأخذ عنه علوم الفقه والتصوف والحديث، وبفضل هذه المعلمة العلمية التي كان للسلطان العلوي مولاي عبد العزيز فضل كبير في إنشائها وتجهيزها وبنائها، انتشرت الطريقة الصوفية المعينية والفاضلية عند العديد من دول إفريقيا الغربية وبفضلها توطدت الصلات والتحمت القلوب على ذكر الله، والإجماع على الدفاع عن الهوية الإسلامية والوحدة الترابية للمملكة المغربية، ويكفي أن نستحضر في هذا المقام تلك التجليات الدينية والروابط الأخوية التي كانت تجمع بين أحد أبناء الشيخ ماء العينين، وهو محمد الإمام، الذي وصل إشعاعه الديني والعلمي إلى أعماق إفريقيا الغربية”، يقول بلحداد، الذي قال إن الحسن الثاني كان له حدس كبير عندما قال في خطابه الموجه إلى منظمة الوحدة الإفريقية سابقا سنة 1984: “… إن التاريخ سيعيد في يوم من الأيام الأمور إلى نصابها.. في ذلك اليوم الذي سيعود فيه أولائك الذين تم تضليلهم إلى جانب الحكمة الإفريقية من تلقاء أنفسهم، فإن المغرب العريق في تقاليده وتاريخه، سيتذكر أن الحكمة تتغلب دائما على أخطاء الغير…”، قبل أن يأتي ابنه الملك محمد السادس ليقول اليوم: “ها قد حانت ساعة العناق بعد الفراق وها أنا أعود إلى إفريقيا التي هي بيتي”.

error: Content is protected !!