في الأكشاك هذا الأسبوع

الحـقــيقة الضــــائعة | الاتحاد الاشتراكي يرحب بعضوية فؤاد الهمة

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

            ((لنتوقف عند حالة المستشار “طاليران” حين قال له نابليون: أريدك أن تعدني، بأنك لن تخونني يوما.. فأجابه طاليران بقوله: مولاي، أعدك بأنني سأحذرك من ذلك ليلة وقوعه)) (الحسن الثاني. مذكرات ملك).

وكان الملك الذكي، قبل حكمته هاته(…) مسترسلا في مو      ضوع صديق الملك، أحمد رضى جديرة، الذي قال عنه أحرضان في مذكراته، “إن جديرة الوزير المستشار المقرب، قال له يوما في اجتماع عام: بقلمي هذا يمكن أن أزيح السلطان عن عرشه”. رغم أن الحسن الثاني، كان يعاني أيضا(…) من أطروحة أنه هو الذي شجع وأعان جديرة لتأسيس حزب الفديك، فأقحمه كاتب المذكرات “إيريك رولان” ولازال حيا، وقال للحسن الثاني: هل حقا أنت الذي أسست الفديك، فأجابه ((لست غبيا، لو أردت أن يحصل على الأغلبية.. لحصل عليها، ولكني أعرف أن أي حزب لا يمكنه أن يخلق في ثلاث سنوات(…) ليحصل على الأغلبية. فهذا شيء غير منطقي.. لقد تركت الأمور تسير.. وأنا أقول لنفسي، إنهم سيكسرون كمارتهم se Casser la Figure لأن حزبا.. لابد له من جذور وأسس، لأن الحزب يجب أن يكسب الانتخابات، وتكون له صحف)) (الحسن الثاني. مذكرات ملك).

ولاشك أن الحسن الثاني وجديرة نفسه، ومعه الرأي العام المغربي، قد نسوا أن حزب جديرة، قد كسر كمارته وأصبح قاعا صفصفا.. ولكن جديرة بقي وزيرا، ثم مستشارا للملك، إلى أن كان حاضرا في مجلس وزاري بمحضر الملك الحسن، وقدم الوزير الأول مشروعا، عارضه جديرة، الذي كان يجهل رغم قربه، أن الملك كان متفقا مع وزيره الأول(…) على تقديم ذلك المشروع فقال جديرة: ((مولاي مع احترامي، فإني لا أقبل هذا المشروع، فقلت له: صديقي العزيز(…) نحن نتعارف منذ سنة 1945، ولن أقبل أن يكون بين مساعديّ(…) ناس يقبلون ما هو ضد ضمائرهم، وإذا أردت.. فإنك حر)) (نفس المصدر).

صادف هذا الحوار الساخن، الذي انتهى بإبعاد الملك الحسن الثاني لصديقه الحميم الذي كان يتفق معه على أن يلبسا نفس الكسوة في نفس اليوم، حتى نشرت جريدتي “أخبار الدنيا” صورة للملك وصديقه جديرة يلبسان نفس الكسوة، وكتبت تحت الصورة: من فيهما الملك.

صادف هذا الحوار إذن، نية الملك الحسن الثاني في تعديل الدستور، في السنة العاشرة لتربعه على العرش 1971، مثلما قرر ولده محمد السادس، في السنة العاشرة من تربعه على العرش سنة 2011، هو أيضا تعديل الدستور.

ورغم أن الحكمة تقول: إن الله يسخر لكل أمة على رأس كل مائة سنة، من يصلح لها أحوالها، فإن التقليد الملكي في المغرب، ربما على رأس كل عشر سنوات يسخر للملك أن يغير سياسته، كانت التجربة عشر سنوات مع جديرة، وها نحن بعد مضي عشر سنوات، من عهد الملك محمد السادس، نرى ونسمع المواقع والصحف تتحدث عن تجريد الصديق المستشار القوي فؤاد الهمة ((الهمة لم يعد الرجل القوي لأنه لم يعد يتحكم مباشرة في الجهاز الأمني)) (الصحفي مصطفى السحيمي).

قد تكون القاعدة، هي ما كتبه منذ القدم صاحب كتاب “الآداب السلطانية” (المارودي) الذي قال ((ليس للملوك أصدقاء بل للملوك رجال ثقة، يساعدونهم)) ويأتي يوم تنتهي فيه الحاجة إليهم.

لولا أن عهود الآداب السلطانية، انتهت بانتهاء السلاطين، وها نحن نعيش عهد الويب والأنترنيت، والتصنتات التلفونية، العهد الذي أصيب فيه البشر بآفة الاطلاع.. وهو ما لا يمكن أن نضاهي فيه أقطاب هذه الوسائل الجهنمية في سبقهم للمعلومات(…) وتعمقهم في الخبايا، ومعرفتهم بمركبات نقص السادة الكبار، ليحضروا لكل واحد منهم الحقنة المناسبة.

ففي يوم 22 نونبر من السنة الفارطة، وعندما دخلت الليموزين الملكية بوابة ساحة البيت الأبيض ونزل منها الملك محمد السادس، في إطار البرنامج البروطوكولي المتأصل، واعترضته مديرة التشريفات لإدخال العاهل المغربي عند رئيس أكبر دولة في العالم، كانت هناك في الباب الجانبية من الجهة الأخرى، الغير معرضة لكاميرات التصوير، سيارة أخرى نزل منها المستشار فؤاد الهمة، الذي أدخل – على غير المعهود – من الباب الخلفية ليحضر من بعيد، مقابلة أوباما مع ملك المغرب، تلك المقابلة التي ظهر فيها أوباما يتكلم بالفم والإشارة كثيرا، والملك محمد السادس يصغي كثيرا.

ومن ملامح الشريط المصور، تظهر خطورة المواضيع التي تم التطرق إليها، الحروب الناتجة عن ربيع العالم العربي، وحتمية إعطاء الأسبقية للجدية والحزم، وضرورة مراجعة المواقف، لحد أن البلاغ النهائي، يتحدث عن ضرورة تعيين مسؤول مغربي متخصص في شؤون العلاقات المغربية الأمريكية، لأن الأمريكيين يعرفون التفاصيل والجزئيات، ويستندون مواقف التنظيمات المغربية التي تعتبر منظمة العدل والإحسان، الممنوعة في مقدمتها، والأخطاء الجانبية الأخرى، فإن الملك محمد السادس وحده، الذي عرف ما يطلبه الأمريكيون من المغرب.. وهم الذين لا يرضون على النفوذ الفرنسي الكبير، وعلى الرضى الذي أعرب عنه الفرنسيون على حكومة بن كيران، عندما صرح وزير خارجية فرنسا الأسبق “آلان جوبي” بثقته في حكومة العدالة والتنمية ((إن حزب بن كيران لم يحصل على الأغلبية في البرلمان ولكنه حزب يتمتع بالوسطية المعتدلة(…) ولا يتعدى الخط الأحمر الذي رسمناه نحن في إطار الحرية وإقامة دولة القانون)) (آلان جوبي. لوبران 30 نونبر 2011).

بينما الأمريكيون الذين يعتبرون المغرب، منطقة نفوذ لهم(…) يريدون مسابقة الفرنسيين، وإزالة العوائق التي تحول دون دمقرطة المغرب، على ضوء الصور الملونة، للأقلام المسجلة(…) عن مظاهرات 20 فبراير.

لنفهم بسرعة، هذا التسلسل العلني والسري لأحداث تراكمت، بعد رجوع الملك من أمريكا، وتسابق لبعض المصادر الصحفية، لإرسال الأضواء الكشافة، على أحداث مطبوعة بالمفاجأة، وخاصة في إطار تجريد الرجل القوي، فؤاد الهمة من نفوذه الكبير، وتدخله السابق في بعض الملفات، بشكل يكاد يوهمنا، لضخامة تلك القرارات، بأن هذا الرجل البشوش الوحيد في المحيط الملكي، أصيب وحده بالمصل الأوباماوي(…) أو بما يسميه الأمريكيون Political Contamination، التي لا تسمح بالقوة إلا للقانون، في تفسير لقرار إحالة صهر فؤاد الهمة بلقايد على التقاعد، الجنرال الذي كان مرشحا لخلافة الجنرال حسني بنسليمان في رئاسة الدرك الملكي، وعجز الرجل القوي، عن إنقاذ صهره المنصوري من أيدي الشرطة القضائية التي أمسكت به بعد أن قدم به وزير الصحة شكاية ضد تهجمه عليه.

وكان بإمكان وزير الصحة حسب المعهود، أن يسحب دعواه لولا أنه زاد في الطين بلة وفي التصريح توضيح(…)، عندما صرح للصحفيين وكأنه خاف(…) من سوء فهم مقصوده فقال: ((كنت أحس بنوع من الخوف(…) بعد الاعتداء علي(…) لكن المبادرة الشخصية(…) للملك، شجعتني وبددت مخاوفي)).

ويأتي صديق الصديق الهمة، ولا ندري هل لازال صديقا للهمة، ليسابق إلياس العمري الأحداث، وهو بين الهروب والاختفاء(…) وكأنه.. يعرف ما لا نعرف، ليقول هنا: لم تعد علاقتي بالهمة بنفس الحرارة، مضيفا في موقع آخر: بأن الحزب قادر على الاستمرار بدون فؤاد الهمة، ليغطي هذا التلميح، على الواقع الملموس، لما يعانيه هذا الحزب، من أخطار تهدد بنهايته، حين أقدم واحد من أركان الحزب، الوديع الآسفي على الانسحاب، كما انسحب رئيس قطب تنظيم الحزب عزيز بنعزوز، وإدريس بلماحي وحسن بنعدي، والحبيب بلكوش.

ومادامت الأحداث أهم تأثيرا من الأشخاص، فإن حدث الموسم، هو ما سمي الغضبة الملكية، على محتل منصب كاتب الدولة، العضو الذي أدخله فؤاد الهمة للديوان الملكي، كريم بوزيدة، الذي أكدت المصادر الصحفية أنه عاد لمكتبه في الشركة التي يملكها فؤاد الهمة، شركة مينا ميديا، التي كانت في الأساس منطلقا لتعيين بوزيدة في المنصب السامي بالديوان الملكي، وها هو يغادره بعد شهور قليلة من الممارسة، إثر غضبة ملكية – كما نشر وكما لم يكذبه أحد – رغم أن هذا العفريت الإعلامي لم يظهر له أثر أثناء الزيارة الملكية للولايات المتحدة.

فهل كان في هذه القرارات التقويمية لوضع الرجل القوي في الديوان الملكي، أثر مباشر على البيت الأبيض الأمريكي، ومن يدري، بداية لتنفيذ رغبات أوباما، ومن يدري، وها هي شركة المصالح الملكية س.ن.إي، تنشر حتى في الصحف الخارجية قرار تخلصها من امتياز التجارة في السكر.

على أية حال، هذا مؤكد وصحيح.. ففي خضم ما تنشره الصحف والمواقع عن زعزعة عرش القوة، من تحت مقعد أحد كبار أقطابها، سارع أوباما إلى الاستجابة بشكل لم يسبق له نظير(…) لدرجة جعلته يتناسى عبارة ((إمتاع الشعب الصحراوي بحقه في تقرير مصيره)) الواردة في البلاغ المشترك 22 نونبر، ليفرض أوباما رسميا على الكونغريس الأمريكي ((تخصيص ميزانية لدعم المشاريع التنموية في الصحراء المغربية(…) في إطار قانون مالية 2014)).

ربما لا يكون فؤاد الهمة، من الأهمية، لدرجة ربطه بميزان العلاقات المغربية الأمريكية، ولكنه كان نبراس القوة المتعارضة مع الممارسة الديمقراطية، لدرجة أن يصبح تجريده من سلطات النفوذ الأمني والسياسي، هو الثمن الذي دفعه المغرب، من أجل الرجوع إلى جادة الصواب الأمريكي، ما يجعل فؤاد الهمة يبقى المواطن النموذجي الخليق بالتقدير. وهي الشهادة التي ربما فطن لها حزب الاتحاد الاشتراكي لإدريس الاشكر، الذي أعرب عن استعداده لتقبل فؤاد الهمة – ومن يدري – عضوا في حزب المهدي بنبركة، وها هي جريدة هذا الحزب تذكرنا بأن ((الكثيرين لا يعرفون بأن هذا الرجل، فؤاد الهمة، نشأ في بيت مناضل نقابي، مقرب كثيرا(…) من الاتحاد الاشتراكي، لأن أباه، أحمد عالي الهمة كان صديقا للمناضل الاتحادي إدريس أبو الفضل عضو المكتب السياسي للحزب)) (الاتحاد الاشتراكي. 7 فبراير 2014).

الجريدة الاتحادية، ذكرتنا بالخصال الحميدة لفؤاد عالي الهمة، بعد أن صبغته بألوان الاتحاد والنقابة الوطنية للتعليم حيث كان أبوه المرحوم مناضلا، مذكرة أن جده رحال عالي الهمة كان قاضيا ومضيفة ((شخصية فؤاد الهمة لمسها كل رفاقه، بصمة تحققت في صفتين راسختين(…) هما البساطة في السلوك والتعامل والذكاء في المعرفة والتصرف)).

طبعا صفات تتناقض مع القوة، التي كان الجميع بما فيهم الأمريكيون يتصورون أنها من خصاله.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!