في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | لعبة “الصحراء الغربية” وملامح الدور الأمريكي الإسرائيلي في الكركرات

لماذا لم تأمر الأمم المتحدة بانسحاب البوليساريو؟

إعداد: سعيد الريحاني 

   فوجئ عدد من أصحاب السيارات في الرباط صباح يوم الأحد الماضي، بمنعهم من الاقتراب من كل الطرق المؤدية إلى مركز المدينة حيث توجد عدد من البنايات الحساسة، مجلس النواب، مجلس المستشارين، محطة القطار، المحكمة الدستورية، وغير بعيد عن القصر الملكي، وكان جل السائقين قد اندهشوا للتواجد العسكري المدعوم بالدبابات وقوات المشاة “المستعدة لإطلاق النار” والحواجز الرملية.. ولولا وجود بعض عناصر الأمن الوطني التي كانت تنظم حركة السير والجولان، لاعتقد المواطنون أن الأمر يتعلق بانقلاب عسكري، شبيه بما وقع في عهد الكولونيل امحمد اعبابو والجنرال محمد المذبوح(..)، بينما الواقع أن الرباط شهدت يوم الأحد الماضي، تصوير مشاهد من فيلم صيني، تحت عنوان: “Desert Storm” “عاصفة الصحراء”، لكن السلطات أهملت الإشارة إلى مكان تصوير الفيلم عبر لافتات كما يجري في سائر بلدان العالم.

   في نفس اليوم، وبالتزامن مع التحركات العسكرية التمثيلية في الرباط، كان هناك تحرك عسكري مغربي حقيقي في الصحراء، وكانت الأوامر قد صدرت بالشروع في انسحاب أحادي الجانب من منطقة الكركرات، وهو التحرك الذي تم تأكيده عبر بلاغ صادر عن وزارة الخارجية في نفس اليوم، يقول بأن “الانسحاب، تم بناء على تعليمات الملك، وبهدف احترام وتطبيق طلب الأمين العام للأمم المتحدة  أنطونيو غوتريس (برتغالي)”، وبغض النظر عن كون البلاغ، صادر عن وزارة الخارجية وليس إدارة الدفاع، مما يعطيه طابعا دبلوماسيا وليس حربيا، إلا أنه أكد “أن المغرب، يأمل أن يمكن تدخل الأمين العام للأمم المتحدة من العودة إلى الوضعية السابقة للمنطقة المعنية، والحفاظ على وضعها، وضمان مرونة حركة النقل الطرقي الاعتيادية، وكذا الحفاظ على وقف إطلاق النار وتعزيز الاستقرار الإقليمي” (المصدر: بلاغ وزارة الخارجية الصادر بتاريخ: 26 فبراير 2017).

   ورغم أنه لم يصدر أي بلاغ عن المفتشية العامة للجيش، فإن الانسحاب الأحادي الجانب من الكركرات، يعد أول تحرك للجنرال دو ديفيزيون، عبد الفتاح الوراق الذي تم تعيينه خلفا للجنرال عروب الذي “أقيل” بشكل غامض من منصبه بعد أن قاد عملية تطهير جزء من منطقة الكركرات في “قندهار” التي يسميها الصحراويون “الحفرة”، ليطرح السؤال عما إذا كان لقرار إقالته علاقة بما يجري في الكركرات (الأسبوع عدد 19 يناير 2017).

   التحرك العسكري المغربي، في اتجاه المغرب وليس في اتجاه تندوف، دون انتظار موافقة البرلمان، لأن الملك يحمل صفة القائد الأعلى لأركان الجيش، لم تسبقه أية إشارة، ولم يحدد بلاغ وزارة الخارجية مسافة الانسحاب، إلا أن مواقع البوليساريو، قالت إن الجيش المغربي تراجع بضعة أمتار فقط(..)، وهي الأمتار التي استغلها مسلحو البوليساريو للاحتفال بما أسموه “الانتصار على المغرب بلغة الميدان”، ووثقوا ذلك بأشرطة مصورة، انتشرت على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي، والأخطر من ذلك، احتفى كتاب البوليساريو بما أسموه المناطق المحررة الجديدة(..)، ودعوا إلى الشروع في بناء المنطقة، وعلى سبيل المثال، فقد كتب أحدهم ويدعى سعيد زروال ما يلي: “قد يتفاجأ القارئ أن مساحة المناطق المحررة من الصحراء الغربية تبلغ أكثر من 71.000 كلم مربع، وهي أكبر من مساحة الكثير من البلدان ذات السيادة منها على سبيل المثال لا الحصر: إيرلندا التي تبلغ مساحتها 70.280 كلم مربع، إضافة إلى أكثر من 90 دولة معترف بها رسميا من قبل منظمة الأمم المتحدة، وإضافة لشساعة الاراضي المحررة، تتوفر هذه المناطق على إطلالة على المحيط الأطلسي تمتد من حدود جدار العار المغربي (بتعبير الانفصاليين) إلى غاية مدينة لكويرة وتبلغ 61 كلم، أي أنها أطول مرتين ونصف من شواطىء دولة الأردن المطلة على خليج العقبة، ما قد يشكل بيئة ملائمة للتفكير في إقامة مشاريع سياحية أو قرى للصيد البحري..” (المصدر: مواقع تابعة للبوليساريو).

   بلغة الميدان، لم تنسحب البوليساريو على غرار المغرب من منطقة الكركرات، والسؤال الذي يطرح نفسه، من أين جاءت البوليساريو بكل هذه الجرأة للبقاء في منطقة عازلة، وبتجهيزات عسكرية؟ هل يعقل أن البوليساريو تتحدى الأمم المتحدة بينما المغرب الذي يتوفر على جيش يعرف كواليس المنطقة، ينسحب استجابة لتوصيات الأمين العام غوتريس؟ هل يعقل أن المغرب الذي كسب مقعدا بصعوبة داخل الاتحاد الإفريقي يوم 31 يناير في القمة الإثيوبية، عبر معركة غامر فيها الملك محمد السادس شخصيا، سيأتي بعد أقل من شهر، لينسحب من جزء من الصحراء يوم 26 فبراير 2017؟

   بعض المحللين المدعومين بأموال أجنبية(..)، والذين تم تقديم تحليلاتهم للعموم، أكدوا على صواب خطوة الانسحاب، وصفقوا للمواقف الصادرة عن فرنسا وإسبانيا وأمريكا، والتي تشيد بالموقف المغربي القاضي بالانسحاب من الكركرات، بينما السؤال المطروح هو: لماذا لم تشر كل من فرنسا أو إسبانيا أو أمريكا، ولو بحرف واحد، إلى ضرورة انسحاب البوليساريو من الكركرات؟ لماذا لم يتحرك الأمين العام للأمم المتحدة غوتريس إلى حدود اليوم، لدفع البوليساريو إلى الانسحاب من منطقة الكركرات على غرار المغرب؟ ولمن لا يعرف المنطقة، فإن المسافة الفاصلة بين الكركرات والكويرة تقدر بـ60 كلم، أليست فرنسا وإسبانيا هما السبب في مشكلة الصحراء؟ إنها الأسئلة التي لم يجرؤ أي محلل على طرحها في القنوات العمومية إلا إذا كانت فرنسا وإسبانيا تعتبران أن انسحاب المغرب سيكون متبوعا بخطوات أخرى نحو قبول حل آخر(..).

مبعوثو ترامب للبوليساريو يؤيدون الاستفتاء

   هل يعلم المحللون ومن وراءهم، أن وفدا من الكونغريس الأمريكي حل يوم الأحد الماضي (بالتزامن مع التحرك العسكري المغربي)، بمخيمات تندوف، وحظي باستقبال من طرف رئيس الجبهة إبراهيم غالي، هذا الوفد يوجد على رأسه سيناتور يدعى جيمس إنهوف، قال: “إن زيارته للمخيمات مع زملائه في الكونغريس الأمريكي، تهدف إلى دعم حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وأن فريقه يود العمل مع الإدارة الأمريكية لإنهاء الصراع في الصحراء الغربية، عن طريق تنشيط عجلة المفاوضات بشكل يضمن للصحراويين اختيار مستقبلهم عن طريق استفتاء ديمقراطي” (المصدر: مواقع تابعة للبوليساريو)، فهل يعلم هؤلاء، أن الصحراويين في تندوف أصبحوا يحملون العلم الأمريكي أكثر من العلم الانفصالي، وأن أمريكا تشكرهم عبر سفارتهم في الجزائر (انظر الصورة)؟

   “الصحراء الغربية” كيان غير معترف به من لدن الأمم المتحدة، لكن لماذا لم يشرح أي واحد من كتيبة المحللين المدفوعين والمدفوع لهم(..)، ما معنى وجود ممثل لدولة غير معترف بها داخل الأمم المتحدة؟ أليس هذا دليلا واضحا على التناقض(..)؟ هل يعلم المحللون، أم أنهم يخفون (متواطئون) أن الوفد الذي مثل الكونغريس الأمريكي في زيارة تندوف يضم ممثلين عن بعض اللجن ومنها لجنة “توم لانطوس” الخاصة بحقوق الإنسان؟

   ولمن لا يعرف “توم لانطوس”، فهو عضو يهودي سابق بالكونغريس الأمريكي، اكتسب مكانة خاصة داخل هذه المؤسسة بعد حصوله على الجنسية الأمريكية ودخوله إليها في الثمانينات، وهو معروف بدفاعه عن إسرائيل، وقد سميت اللجنة الخاصة بحقوق الإنسان باسمه، وهي معروفة بدعمها أو تبعيتها لإسرائيل(..)، هذه اللجنة هي التي احتضنت النقاش الممهد لـ”المؤامرة الكبرى” على المغرب، حسب الهدف المعلن حتى الآن، وهو خلق آلية لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، وقد نجح المغرب في النأي بنفسه عن هذه الآلية، التي كانت ستنفذ بدعم أمريكي في الصحراء، تحت عنوان “توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان”، ولكن المغرب كان صارما مع البعثة الأممية، بل إنه طرد المكون المدني للبعثة في الصحراء(..).

وحزب الأصالة يسمي الصحراء المغربية بـ “الصحراء الغربية”

   ولكي نفهم أكثر: فـ”بتاريخ 23 مارس 2016 المنصرم، اجتمعت لجنة Tom” “Lantos التابعة للكونغريس الأمريكي، والمختصة في مجال حقوق الإنسان في مقر آخر غير المقر الرسمي.. والتقرير الذي أعدته لجنة (لانطوس) أسس على التقرير الذي أعدته الخارجية الأمريكية الذي تأسس أيضا بناءا على التقريرين اللذين أعدتهما المنظمتان غير الحكوميتين Human Rights Watch و Amnesty International بناءا على تقارير مزورة وغير نزيهة اشترتها المنظمتان من شركة تسمى ((مركز ابن رشد للدراسات والتواصل)) تم إنشاؤها في دواليب حزب الأصالة والمعاصرة، وهذا ما أكدته عضوة المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، كوثر بنحمو في الرسالة التي أرسلتها إلى (سارة لي ويتسون)  المديرة التنفيذية لمنظمة Human Rights Watch في شمال إفريقيا بتاريخ 13 نونبر 2015، تؤكد فيها على أن ((مركز ابن رشد للدراسات والتواصل))، هو شركة أسسها منجب المعطي وقياديي حزب الأصالة والمعاصرة، وحسب مصادرنا، بغية إعداد تقارير مزورة وبيعها لمنظمات حقوقية دولية في مقابل تلقي تمويلات أجنبية من منظمة Free Press Unlimited ومنظمات أمريكية أيضا، وهذا ما حدث فعلا” (المصدر: موقع لانكيط).

اتهام “البام” بالإساءة للوحدة الترابية من طرف كوثر بنحمو ليس جديدا، ومازالت شكايات حول الموضوع في طور التحقيق(..)، بل إن حزب الأصالة والمعاصرة في صيغته الجديدة يعد الحزب المغربي الوحيد الذي طالب بتسمية الأقاليم الجنوبية بـ”الصحراء الغربية”. 

   وبغض النظر عن الحالات الحقوقية التي شملها التقرير من خلال الإشارة إلى بعض الصحافيين بأسمائهم(..)، فإن اجتماع لجنة “طوم لانطوس” (المطبخ السري)، تضمن مداخلة لكيري كينيدي، رئيسة مركز “روبرت كينيدي” للعدالة وحقوق الإنسان، والتي تقدم نفسها كشاهدة على الانتهاكات المغربية لحقوق الإنسان، قالت فيه ما مفاده: “أنه ليس من حق المغاربة التظاهر ضد الأمين العام للأمم المتحدة بان كيمون، الذي وصف المغرب بـ-البلد المحتل-، وبأنه ينبغي محاسبة المغاربة وملكهم، كما قامت بتشبيه الملك محمد السادس بالرئيس العراقي صدام حسين الذي اجتاح الكويت، وبأن الوضع في الصحراء شبيه بالوضع في الكويت أثناء اجتياحها من طرف الرئيس العراقي، كما هاجمت كينيدي خلال نفس اللقاء، الرئيس الروسي فلادمير بوتين، وشبهت الوضع في الصحراء بوضع أوكرانيا بالنسبة لروسيا”.

   باختصار اقترحت كيري كينيدي في لجنة حقوق الإنسان الأمريكي، إلباس سيناريو العراق لروسيا والمغرب، وما يحدث اليوم، ما هو إلا تصريف لهذا القرار، وقد تفادى المغرب ذلك إلى حدود الآن، بعدم إعلان الحرب على “المليشيات” التي اعترضت سبيل الشاحنات المغربية التي كانت بصدد التوجه إلى إفريقيا بالتزامن مع تواجد الملك محمد السادس في دول إفريقية، بل إن إحدى الشاحنات المستهدفة، في الكركرات تعود ملكيتها لبعض المستثمرين الذين يرافقون الملك في جولته الإفريقية، وكان واضحا أن البوليساريو شرعت منذ مدة في التلاعب في المسافة الفاصلة بين النقطة الحدودية المغربية والنقطة الحدودية الموريتانية، لتوقف الشاحنات في منتصف الطريق، بينما يحاول المغرب إثبات التزامه باتفاق وقف إطلاق النار الموقع سنة 1991، ليطرح السؤال، ماذا سيفعل الجيش المغربي بعد هذا التحرك؟ ليجيب مصدر “الأسبوع” “إن تحركات الجيش سرية ولا يمكن الإعلان عنها، بل يتم تنفيذها مباشرة على أرض الواقع(..)”.

   يذكر أن الصفحة البيضاء، التي يريد المغرب فتحها مع الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، تأتي لتجاوز ما يمكن تسميته “تجاوزات” الأمين العام السابق بان كيمون الذي وصف المغرب بـ”البلد المحتل للصحراء” ولم يعتذر عن ذلك، ولم يسحب عبارته، باستثناء ما صدر عن المتحدث الرسمي باسم الأمين العام، استيفان دوغريك، الذي قال: “إن الأمين العام، يأسف لتداعيات سوء فهم استخدام كلمة احتلال للتعبير عن مشاعره الشخصية”، وقد كان واضحا أن مشاعره الشخصية تميل للبوليساريو، وهو ما يسعى المغرب اليوم لتفاديه، عبر تقديم “قرابين” للتعبير عن حسن النية إزاء الأمين العام الجديد، الذي يفترض فيه أن يعبر عن حسن نيته بالمطالبة بانسحاب البوليساريو أيضا من الكركرات، وكذا تخليها عن حمل السلاح في المنطقة العازلة، احتراما لاتفاق وقف إطلاق النار.

error: Content is protected !!