في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | بين الذين يهمسون في أذن الملك.. والورثة القاصرين(…) للأحزاب السياسية

بقلم: مصطفى العلوي

   وثق الإمام الطبراني ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: ((يأتي زمان على أمتي، لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، همهم بطونهم، وقبلتهم نساؤهم، ودينهم دراهيمهم، السنة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سنة، لا يعبدون الله إلا في شهر رمضان، فإن فعلوا ذلك ابتلاهم الله بالسنين، قالوا وما السنون يا رسول الله، قال: جور الحكام، وغلو المؤونة)).

   وكأن الرسول عليه السلام، يتكلم في حديثه عنا، وكأن عقاب السنين الوارد في حديثه أصابنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله رب العرش اللطيف بنا.

   تذكرت هذا الحديث النبوي، وأنا أتصفح هذه الأيام تفاصيل صراع بين المكونات السياسية لمجتمعنا، وليس في المتدخلين منهم من يراعي أصول الأخلاق المسطرة في القرآن، ولا ناه ولا منته من طرف العلماء ولا حملة القرآن.

   وقد كانت الشهور الأربعة الخالية، وكأن كل يوم فيها يكشف لنا ما كان مخفيا، وكأن كل لحظة من أيامها ولياليها تتولى الكشف عمن كان مختفيا.

   شهرا واحدا قبل ظهور نتائج انتخابات أكتوبر الشقية(…) كتب واحد من أجيال الصحفيين الجدد، وليس الصحفيون كلهم مكلفون بتقبيل أو رجم صورة رئيس الحكومة بن كيران، فهذا الصحفي كتب تعبيرا خليقا بأن يوصف بالحكمة، وكأن هذا الصحفي كان ينظر بعيدا، حتى قبل أن يكلف ملك البلاد، رئيس الحزب الفائز بالأغلبية عبد الإله بن كيران، بإشكالية تشكيل الحكومة، وكان الصحفي يضع الإطار الذي كان على السيد بن كيران أن يؤطر به حكومته، ولو فعل، لما انتظر خمسة شهور، أكتوبر، نونبر، دجنبر، يناير، وفبراير، وربما لشكلها في خمسة أيام لأن الصحفي تكلم عن: ((الخمسة أقطاب من هياكل الدولة، الذين يهمسون في أذن الملك)) (رضى دليل. مجلة إيكونومي أنتربريز، شتنبر 2016).

   ورحم الله القطب السياسي، والحكيم الملكي، عبد الهادي بوطالب الذي عندما غضب عليه الملك الحسن الثاني – كعادته – وسحب منه وزارة الإعلام، وأسندها للجامعي عبد الواحد بلقزيز، وأثناء خطاب تنصيب الوزير الجديد، قال بوطالب الوزير المنسحب: ((أتمنى من الله أن يحيط جلالة الملك بالرجال المخلصين)) فالإخلاص عند مساعدي الملك، لا يكون صفة لاصقة بأشخاصهم، ولا يمكن لمن يرضى عليه الملك، فقط لإخلاصه(…) أن يبقى مخلصا على الدوام، وقد كتب باحث آخر، جليل بناني: ((إن لهفة النفوذ تؤدي إلى الجنون السكيزوفريني(…) عند المغاربة.. لأن جنون العظمة قد يؤدي إلى الجنون الحقيقي)) (تيل كيل. 29 أكتوبر 2015).

   فالحذر كل الحذر، من الثقة العمياء، والتفويض الأبدي(…) فمنذ أيام الخلافة النبوية، كتب أحد المؤرخين: ((ركبوا المراكب، واغتدوا زمرا.. إلى باب الخليفة، حتى إذا ظفروا بما طلبوا من الحال اللطيفة، باعوا الأمانة بالخيانة، واشتروا بالأمن خيفة)).

   ولنتذكر نموذج الملك الحسن الثاني، الذي لجأ في آخر أيامه إلى حكومة التناوب الحزبي، بعد أن عانى إلى درجة التهديد بالموت، من خيانة وغدر رجال ثقته، صديقه الحميم رضى جديرة، الذي هرب من قصر الصخيرات، بمجرد انطلاق الرصاصات الأولى للمهاجمين يوم عاشر يوليوز 1971، والجنرال المذبوح الذي تحالف مع حزب المهدي بنبركة، وناب عن المناضلين الاتحاديين في الهجوم على القصر الملكي بالصخيرات، والجنرال أوفقير الذي قبل أيدي ملكه عند توديعه قبل السفر إلى فرنسا، ليعترض طائرته عند الرجوع، بالصواريخ، والجنرال الدليمي الذي كان نموذج الوداعة والإخلاص في انتظار إتمام بناء القصر الجمهوري في طريق زعير، وهو القصر الذي حوله الخلف محمد السادس إلى أكاديمية للمملكة المغربية.

   وعل هذا القصر الجمهوري الذي تحول إلى أكاديمية يذكر الناس بقاعدة عدم الثقة الأزلية حتى في أولئك الذين قال الصحفي، إنهم يهمسون في أذن الملك.

   طبعا، تبلورت مع هذه الأيام المواكبة لصعوبات تشكيل الحكومة، ظاهرة صحفية أخرى تعطينا فكرة عن هؤلاء الهامسين(…) بعد أن أصبحت القاعدة العصرية، هي التحول الزمني الذي جعل المتهافتين على القصر الملكي، لا يلبسون الجلاليب والسلاهيم والشواشي، من أجل غاية الغنى وكسب المال، نتيجة قربهم من الأعتاب الشريفة، بل أصبح التهافت حول القصر وإليه، من خصال كبار رجال المال والأعمال الطامحين إلى تنمية ثرواتهم وحفظها، وهي الظاهرة التي لا تخلو من خطورة على الاستقرار الاجتماعي، والشكر مرة أخرى إلى الصحافة التي تزعج الكثيرين(…) وتتعرض للانتقاد من طرف المستفيدين(…) من قبيل الضرب الموجع في الافتتاحيات الموجهة(…) والذي تعرضت له الصحفية عائشة أقلعي، وقد أثارت موضوع واحد من هؤلاء الهامسين(…) المقربين، بعد أن قدمت بلدية الرباط شكاية بخساراتها للملايين نتيجة هيمنة إحدى شركات الهامس المقرب، على سوق الإعلانات العمومية، فاختارت مقولة توجز فكرة الغاية التي تبرر الوسيلة: ((مستشهدة بقول الباحث الخبير العالمي في شؤون الاقتصاد السياسي “جاك ولد وديع” الذي قال: عندما يستغني أحد من أي وطن بفضل قربه من مصدر النفوذ، بدل الانطلاق من الجهد الشخصي المبذول، فإنه مؤشر على الابتعاد عن قاعدة التنمية. وعلقت الصحفية: إنه من الظاهر الجلي، أن أسلوبنا الحالي في الحكم(…) يحول بيننا وبين التنمية الاقتصادية في هذا الوطن)) (تيل كيل. 17 فبراير 2017).

   مرة أخرى ها هو القلم الصحفي، يؤشر إلى مواقع الخلل الذي يوجع الشعب ويجعل رئيس الحكومة بن كيران يذكر النواب بقول الشاعر الشابي، إذا الشعب يوما أراد الحياة.. لأن الحكومة التي يحتاجها المغرب ليست متعلقة فقط بمراعاة ظروف الشقاق والنفاق(…) بين أقطاب لم يستطيعوا تسيير شؤون أحزابهم، المحلولة المنحلة(…) والذين لم يستطيعوا الحفاظ حتى على أصوات أحزابهم، الاستقلال وقد كان يوما أقوى أحزاب المغرب، وقد شطبه شباط(…) من النخبة المفكرة وحتى من حكيم الحزب الفقيد امحمد بوستة الذي رثاه الدبلوماسي المغربي جمال بن عمر من مقر الأمم المتحدة، وقال عنه: ((إنه الرجل الذي قال لا.. لأن الشعب الذي ليس فيه من يقول لا شعب ميت، وأضاف: إن المغرب يحتاج إلى قادة سياسيين يقولون لا.. قادة يكونون رجال دولة دون أن يكونوا خدما لها))، والاتحاد الاشتراكي الذي كان ذات زمان حزب التقدميين برئاسة المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد، فلم يحصل إلا على 20 مقعدا في البرلمان الأخير. والحركة الشعبية التي كان عدد نوابها دائما لا يقل عن الثمانين، فأصبحوا سبعة وعشرين، والأحرار الذين كانوا أغلبية أيام عصمان، وأصبحوا أقلية في عهد الوزير الأنيق، مزوار، والدستوريون الذين رافق حزبهم زعيمهم المعطي بوعبيد إلى مثواه الأخير، ويريد ورثة هذه الأحزاب أن يرثوا ماضيها ليحكموا المغرب، بينما كثير من الورثة يفرض عليهم القانون العدلي أن يخضعوا إرثهم لزمام التريكة وقد نسوا أن القرآن قال عنهم: إن الأرض يرثها عبادي الصالحون(…) وقال إمامنا مالك في حقهم:

   ويحصل الميراث حيث حتما

   بفرض أو تعصيب أو كليهما

   وعلى هؤلاء الذين تلاعبوا بإرث الأحزاب الوطنية الكبرى أن يحالوا شرعا على القاضي المكلف بشؤون القاصرين(…) لتصفية التركة، ورحم الله الشاعر أحمد شوقي الذي قال في حقهم:

                                إن اليتيم من انتهى أبواه من

                                                           هم الحياة وخلفاه ذليلا.

error: Content is protected !!