في الأكشاك هذا الأسبوع

الله يرحم أيام زمان

منار رامودة. الأسبوع                        

   من منا لا يتمنى أن يعود به الزمن للوراء ولو لبعض اللحظات فقط؟ من منا لا يشعر بأن أيام زمان كانت أجمل وأبهى حيث الخير والبركة، وكما نقول بلغتنا العامية “الغفلة والنية”، والضحكة النابعة من القلب، حيث حب الخير ومساعدة الغير والاتحاد وحب البلاد والعمل الدؤوب الجاد، ومن منا لا يشعر بالأسى والأسف ويترحم كل يوم على أيام زمان؟

   إن التقدم والتطور والثورة التكنولوجية التي يعرفها العالم اليوم، وعلى الرغم مما تسديه للبشرية من خدمات لا تعد ولا تحصى، إلا أنها وفي نفس الوقت، دمرت الإنسان ودمرت جبلته وطبيعته الأولى.

   قديما، وقبل هجوم مختلف الوسائل التكنولوجية الحديثة على حياتنا ومنازلنا من كمبيوتر وهواتف ذكية وغيرها، كنت ترى في الناس ما لا تراه اليوم، كنت ترى الصبر والتريث، وكنت تشعر بأنك تعيش داخل عالم يشبهك وتشبهه، أما اليوم، فقد أصبحنا غرباء عن ذواتنا وعن أقرب الناس إلينا، إذ أصبحنا نعيش فراغا روحيا وعاطفيا والسبب انشغالنا الدائم والمستمر بأشياء صنعناها بأيدينا لكي تخدمنا وتسهل سيرورة الحياة علينا، لكن ما حدث للأسف، هو أن هذه الوسائل التكنولوجية التي ابتكرها عقل الإنسان، سيطرت عليه عوض أن يسيطر عليها، وليس هذا فقط، بل تسببت في جعل حياته حياة منصاعة لقيود وهم التطور، فما الذي فقدناه وافتقدناه حقا في حياتنا مع قدوم ثورة التكنولوجيا هذه؟

   الحقيقة، أننا فقدنا الكثير، فقديما كنا نمضي وقتا أطول مع من نحبهم، لم نكن في حاجة لاختراع مناسبات لكي نلتقي كما نفعل اليوم، قديما كان يوحدنا الحب والدفء العائلي فتجدنا نجتمع حول أكلة شعبية بسيطة أو نرتمي في أحضان أقربائنا ونستمع لهموم بعضنا البعض، نحكي، ونتحدث، ونتشارك مشاكلنا وأفراحنا الصغيرة، أما اليوم فجل مشاعرنا نحتفظ بها لذواتنا وحتى الابتسامة صرنا نتحفظ لمن نوجهها.

   قديما، كنا نصل الرحم ببعضنا البعض، فنزور جدتنا العجوز ونمضي اليوم برفقتها، ونستمتع أيما استمتاع بكلامها الحكيم، ونسافر معها عبر حكاياتها التي لا تنتهي وتجاربها التي ترتسم تجاعيدها على وجهها رافضة المغادرة، كنا نزور عمة مريضة وخالا يقطن بعيدا، ببساطة كنا أكثر إيمانا بواجبنا الإنساني تجاه من نحبهم ويحبوننا، أما اليوم، فأبناء العم وأفراد العائلة لا يلتقون سوى في جنازة أو في مصيبة ما، ولا حديث عن الأفراح، لأننا أصبحنا نتخلف عن حضور معظمها لأسباب جد تافهة، والنتيجة غياب صلة الرحم متناسين بأن قاطع صلة الرحم لا يدخل الجنة.

   قديما، كنت ترى عش الزوجية متناغما، وراضيا، وقنوعا، لا شيء يهدد استقراره ولا استمراريته سوى موت أحد العصفورين، فالشريكين يعملان على استمرار زواجهما بما يرضي الله، وإن حدث وتشاجرا، فسبب الشجار قد يكون تخلف أحدهما عن زيارة عائلية مهمة أو عيادة مريض، أما اليوم، فالشجار بين الزوجين يصل للطلاق والسبب إما عن المارد الأزرق، أي الحساب “الفيسبوكي” أو صور “الإنستغرام” أو حساب “التويتر” أو “السناب شات” أو عدد أصدقاء زوجته على “الفيسبوك” الذي يتعدى عدد أصدقائه وتفاهات كثيرة من هذا النوع.

   قديما، كان للحب طعم، فكنت تجد العاشقين في شوق لا يوصف لرؤية أو لمراسلة بعضهما البعض، كانت المشاعر صادقة وكانت الغاية نبيلة، أما اليوم، ومع كثرة الوسائل التكنولوجية وعلى رأسها الهواتف الذكية، أصبح الحب مملا، وبائسا، وعليلا، يشتكي كباقي الأمور الأخرى في عهد التكنولوجيا هذا من كساد سلعته، فكلمات الحب أصبحت مستهلكة والحب نفسه صار سهلا، وسريعا، فجل المشاعر تختزل في نص على “الواتساب”.

   قديما، كان الأطفال يصنعون لعبهم بأيديهم ويقضون وقتا أطول مع أصدقائهم وأبناء جيرانهم، فكان الطفل يكتسب مهارات عديدة ويعيش تجارب مختلفة وممتعة رفقة أصحابه، أما اليوم، فالطفل يملك هاتفا خاصا به ويحتج إن لم يمتلك كغيره من أبناء جيله هاتفا ذكيا.

   قديما، كنت تجد الناس في خدمة بعضها البعض، أما اليوم، فإذا شاهدنا أحدا ينتحر أو يغرق أو في شجار، أو يتعرض لاعتداء، فأول ما نقوم به هو التقاط صورة له، وقديما، إن صادفت أحدا مشغولا في الشارع، فستجده مشغولا بمطالعة كتاب أو قراءة جريدة ما، أما اليوم، فشغل الشباب الشاغل هو التقاط “السيلفي” وإخبار العالم بأسره بمكان تواجده، فغابت الخصوصية وغاب التواصل والتفاعل بين الناس.

 

 

 

error: Content is protected !!