في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | هل تحضر “حكومة الملك في إفريقيا” لإسقاط حكومة بن كيران في المغرب؟

الأمن الملكي يحمي رئيس الحكومة و”الشعب” يهتف: “عاش الملك.. عاش بن كيران”

إعداد: سعيد الريحاني 

    كانت الساعة تشير إلى حوالي الساعة الحادية عشر صباحا يوم الأحد الماضي، عندما اكتضت شوارع المدينة العتيقة بمراكش بالحشود البشرية التي تدفقت إلى مسجد بن يوسف غير بعيد عن ساحة جامع الفنا وقريبا من منزل الزعيم الاستقلالي الراحل امحمد بوستة، وكان للشرعية التاريخية أثرها في تفسير كمية الحضور(..)، قبل أن تنطلق مراسيم تشييع جنازته، بحضور ولي العهد مولاي الحسن والأمير مولاي رشيد، حيث شوهد أخ الملك محمد السادس وهو “المكلف” بالعناية بتحركات ولي العهد الذي يسمى اليوم مولاي الحسن، وسيسمى غدا الحسن الثالث، يقود سيارة الميرسيدس (مولاي رشيد) بشكل انسيابي مخترقا الأمواج البشرية التي تدفقت على الأزقة الضيقة، حيث كان يتبادل التحية مع المعزين من مسافة لا تزيد عن 30 سنتمتر في بعض الحالات.

 و   كان بن كيران قد حظي بدوره باستقبال شعبي كبير، يعكس تعاطف المراكشيين مع رئيس الحكومة، الذي وجد نفسه محاصرا بالهتافات، و”القبلات” تنهال على رأسه وكتفيه من كل جانب، وشوهد بعض المراكشيين وهم يرددون، “أملنا فيك آ السي بن كيران”، بينما قال آخرون: “عاش الملك محمد السادس.. عاش بن كيران”.

   التعاطف الشعبي مع رئيس الحكومة في مراكش، والذي شوهد تحت حماية في مراكش، كان يوازيه حضور مكثف من لدن عدد كبير من الشخصيات السياسية، التي اضطرت إلى التخلي عن البروتوكول الرباطي (نسبة إلى الرباط)، والاندماج بشكل تلقائي مع الجماهير، حيث لم يكن صعبا على الحاضرين، ملاحظة حضور كل من الجنرال حسني بنسلميان، ووزير الداخلية محمد حصاد، والوزير المنتدب في الداخلية الشرقي الضريس، وإدريس جطو رئيس المجلس الأعلى للحسابات، ورئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي نزار بركة، ومجموعة من الاستقلاليين على رأسهم حميد شباط ومحمد الوفا وعباس الفاسي وامحمد الخليفة، الذي كسب بعض النقط في رصيده، بعدما تم تكليفه بقراءة نعي الراحل يوم الأحد، كما تم تكليفه بقراءة التعزية الملكية في اليوم الثاني(..).

   ورغم حالة “البلوكاج” السياسي في مفاوضات تشكيل الحكومة المعبر عنه إعلاميا، بينما لا يوجد في الدستور ما يمنع من استمرار الوضع على ما هو عليه، طالما أن الملك احترم الدستور بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الأول، استطاعت جنازة بوستة، أن تجمع جل الأطراف السياسية، حيث شوهد بن كيران قريبا من الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة إلياس العماري، وغير بعيد عنهما، شوهد امحند العنصر الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، والكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي إدريس لشكر، ومحمد ساجد الأمين العام لحزب الاتحاد الدستوري، بالإضافة إلى عدد من الشخصيات المراكشية، من بينهم والي الجهة عبد الفتاج لبجيوي والعمدة الحالي للمدينة العربي بلقايد، والعمدة السابقة فاطمة الزهراء المنصوري، والعمدة الأسبق عمر الجزولي.

   صورة بن كيران وهو ينتشي بهتافات الجماهير، التي خصصت أيضا استقبالا حارا للأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط، الذي وجد صعوبة كبيرة في مغادرة المكان، بعدما تحلق حوله تجار المدينة القديمة، كانت تقابلها إذاعة أخبار التحركات الملكية في إفريقيا، والتي يغيب عنها بن كيران(..)، بل إن الظروف شاءت أن يتم تسريب صورة الوفد المغربي، الذي رافق الملك في جولته الإفريقية، وكان يظهر بمثابة حكومة حقيقية ضمت كل من المستشار فؤاد عالي الهمة، ووزير الخارجية والتعاون صلاح الدين مزوار، والوزير المنتدب ناصر بوريطة، ووزير الصحة الحسين الوردي، بالإضافة إلى المسؤولين عن الجانب الأمني وفي مقدمتهم ياسين المنصوري المدير العام للمخابرات الخارجية (لادجيد)، والأمير مولاي إسماعيل.

   إذن في مراكش كانت الجماهير تمني النفس بحكومة محركها الأول بن كيران بينما محركها الثاني هو حميد شباط الذي تحول إلى رمز جديد للمعارضة الكبرى(..)، غير أن صورة الوفد المغربي في إفريقيا، وتغييب أي إشارة لبن كيران، الذي التقطت منه بعض المواقع، عبارة مسيئة للزيارة الملكية لإفريقيا، دفعت المتتبعين إلى طرح السؤال حول ما إذا كانت “الحكومة المغربية في إفريقيا” تحضر لنهاية “حكومة بن كيران في المغرب”، بل إن بن كيران نسب إليه القول: بأن “الملك يفرج كربات الشعوب الإفريقية والشعب المغربي يهان..”، وقد كان لهذا التصريح أثره البالغ، رغم تكذيبه من طرف بن كيران الذي استغل وجوده في المنتدى البرلماني الدولي الثاني للعدالة الاجتماعية الذي انعقد يوم الإثنين الماضي، ليهاجم ما أسماه “الصحافة الرديئة”، “فعندما ترى صحافة تأول كلام رئيس الحكومة في حق مكانة جلالة الملك وتدعي أشياء غير صحيحة، تفهم بأنه توجد الرداءة في الصحافة”، يقول بن كيران.

الصحافة بنوعيها الرديئة وغير الرديئة، أو الصحافة التي يتم التعامل معها بشكل عدائي من طرف المسؤولين عن الصحافة بأطراف القصر الملكي(..)، غابت عنها عدة صور لتحركات الوفد المغربي في إفريقيا، لولا أن الرؤساء الأفارقة اختاروا نشر صور زيارة الملك محمد السادس لبلدانهم على صفحاتهم “الفيسبوكية”(..)، وقد غابت أي إشارة لبن كيران في موضوع إفريقيا، التي شهدت معركة حقيقية توجت بدخول المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، وهي المعركة التي قادها الملك محمد السادس شخصيا، بعد أن حصل على مصادقة البرلمان بغرفتيه على قوانين الاتحاد الإفريقي.

   الحكومة التي قادت انتصار الملك في إفريقيا، والتي سمتها جريدة “لوموند” الفرنسية، بـ”فريق الأحلام”، توجد اليوم في وضع مريح، بينما أقطاب التحالف الذي يفترض أن يقوده بن كيران توجد في موقع الزلازل، وها هو بن كيران يخرج من زلة لسان ليقع في أخرى، فبعد تصريحه حول إفريقيا، قال بن كيران: “إنه ينتظر عودة الملك من إفريقيا ليناقش معه موضوع الحكومة”، الأمر الذي يفهم منه أن المفاوضات توقفت بشكل نهائي، لولا أن مقربا من رئيس الحكومة حاول تدارك الهفوة ليشرح: “إن حديث بن كيران واضح ولا لبس فيه، وهو يفيد أن هذه المشاورات مسقفة زمنيا بعودة جلالة الملك من جولته الإفريقية، مؤكدا أن المسؤولية تقتضي ألا يستمر رئيس الحكومة في مسار قد لا يبقى منتجا، وفي الارتهان لمنطق بعض الفاعلين الحزبيين الذين يريدون مزيدا من إهانة الشعب المغربي بفرض حزب على رئيس الحكومة، لسان كاتبه الأول مع الحكومة وسيفه عليها.. وأكد نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، أن رئيس الحكومة قدم ما يكفي من التنازلات وأبدى ما يكفي من المرونة والتوافق، مردفا “فهل هو وحده من ينبغي عليه ذلك؟”، ثم لماذا “لا يقتسم الآخرون الصبر معه؟” (المصدر: موقع فبراير/ 20 فبراير 2017).

   يذكر أن التعاطف الشعبي مع بن كيران والذي ظهر جليا خلال مراسيم تشييع جنازة الزعيم الاستقلالي بوستة، تزكيه بعيدا عن التأويلات، تحركات حزب الاستقلال، الذي وضع قدمه الأولى للمشاركة في الحكومة، بغض النظر عما إذا حصل على حقائب وزارية أم لا، وهذا الوضع يزكي في حالة بقاء شباط على رأس حزب الاستقلال (له حظوظ كبيرة في البقاء أمينا عاما بعد المؤتمر)، صعوبة إسقاط بن كيران بغض النظر عن طريقة تشكيل الحكومة، ذلك أن أقصى ما يقترحه الاستقلاليون اليوم، هو احتلال موقع المساندة النقدية لبن كيران.. “نحن قررنا المشاركة في الحكومة، وإذا تعذر أمر دخولنا لحكومة بن كيران، فسنساند الحكومة من خلال البرلمان عندما ستتشكل” (يقول شباط، في حوار مع الأسبوع/ الخميس 16 فبراير 2017).

   يذكر أن الأزمة التي مهدت لإبعاد شباط من الحكومة، قد بدأت مع افتعال أزمة تصريح ضد موريتانيا، حيث قال شباط إن موريتانيا مغربية(..)، غير أن الأزمة من وجهة نظر الاستقلاليين والمتعاطفين مع “الخط الشباطي”، يعتقدون أن الأزمة مفتعلة، “نعتقد أن موقف حزب الاستقلال القاضي بالمشاركة في الحكومة، هو الذي خلق لنا بعض المشاكل، ونحن كقيادة ملزمون باحترام قرارات المجلس الوطني للحزب”، هكذا يتحدث شباط، الذي بات في مرمى وزارة الداخلية منذ الانتخابات الجماعية والجهوية(..).

   ما معنى أن يقول الملك محمد السادس أنه “يطمح لتأسيس حكومة ذات بعد إفريقي”، بل إن عباراته كانت واضحة جدا وهو يلقي خطابا للشعب المغربي من العاصمة السنغالية دكار: ((وإننا نتطلع أن تكون السياسة المستقبلية للحكومة، شاملة ومتكاملة تجاه إفريقيا، وأن ننظر إليها كمجموعة، كما ننتظر من الوزراء أن يعطوا لقارتنا نفس الاهتمام الذي يولونه في مهامهم وتنقلاتهم للدول الغربية. إن المغرب يحتاج لحكومة جادة ومسؤولة، غير أن الحكومة المقبلة لا ينبغي أن تكون مسألة حسابية، تتعلق بإرضاء رغبات أحزاب سياسية، وتكوين أغلبية عددية، وكأن الأمر يتعلق بتقسيم غنيمة انتخابية. بل إن الحكومة هي برنامج واضح، وأولويات محددة للقضايا الداخلية والخارجية، وعلى رأسها إفريقيا. حكومة قادرة على تجاوز الصعوبات التي خلفتها السنوات الماضية، في ما يخص الوفاء بالتزامات المغرب مع شركائه. الحكومة هي هيكلة فعالة ومنسجمة، تتلاءم مع البرنامج والأسبقيات، وهي كفاءات مؤهلة، باختصاصات قطاعية مضبوطة. وسأحرص على أن يتم تشكيل الحكومة المقبلة طبقا لهذه المعايير، ووفق منهجية صارمة. ولن أتسامح مع أي محاولة للخروج عنها. فالمغاربة ينتظرون من الحكومة المقبلة أن تكون في مستوى هذه المرحلة الحاسمة)).

   ما معنى أن يقول الملك كل ذلك، ويطالب في وقت لاحق بتسريع مشاورات تشكيل الحكومة، بينما يقوم وزير الفلاحة عزيز أخنوش (وجه من وجوه الحكومة الإفريقية) بفرض شروطه على بن كيران الحاصل على المرتبة الأولى في الانتخابات، بدعوى أنه يريد حكومة قوية، لماذا يوقع أخنوش بيده اليمنى على الاتفاقيات في إفريقيا، بينما يعارض تشكيل الحكومة في المغرب، أليس أخنوش هو المطالب الأول بالسهر على تنفيذ الالتزامات الإفريقية، التي أوصى بها الملك، أي مصداقية هذه أمام الدول الإفريقية؟ ألا تكون الحكومة قوية إذا كان فيها حزب الاستقلال؟ لماذا يريد أخنوش مشاركة الاتحاد الدستوري؟ الحزب الذي بات يلعب دور الملحقة، بينما تفترض الحكومة القوية وجود أحزاب قوية، إن أقصى ما يهدف إليه “البلوكاج” هو تأسيس “حكومة وحدة وطنية”، والحال، أن هذا النوع من الحكومات يساهم في إضعاف الأنظمة وليس تقويتها، لأن الأحزاب التي لم تتفق في ما بينها على تشكيل حكومة، لا يمكن أن تنجح في تسيير شؤون بلد، إن أقصى ما يمكن أن تفعله هو الاحتكام للملك، بينما الملك نفسه يدفع في اتجاه تشكيل دولة مؤسسات وليست دولة أشخاص، لحماية المغرب من الأطماع الخارجية(..).

error: Content is protected !!