في الأكشاك هذا الأسبوع

أبعاد توجه المدرسة المغربية نحو التكوين المهني

محسن زردان. الأسبوع

   لم يعد يقتصر تأثير أرباب المقاولات ورجال الأعمال على السياسة وحدها، بل تعداه إلى المدرسة من خلال فرض تصوراتهم حول المهمة الجديدة لوظيفة المدرسة، لتصبح أداة في يد الاقتصاد وسوق الشغل لقولبة المتعلمين وفق متطلبات مهنية صرفة، ففقهاء الاقتصاد والمؤسسات المالية، صارت لهم اليد الطولى في توجيه سياسات النظم التعليمية، فنقلوا معادلاتهم من جبر وهندسة لصياغة نظريات اقتصادية ذات طبيعة تقنية صرفة، تستجيب لمهن سوق مصانع السيارات والطائرات والطاقات المتجددة(…).

   يبدو واضحا اليوم، أن سوق الشغل، أصبح مؤشرا قويا في اقتصاديات الدول الحديثة، فقطاعات كالصناعة والفلاحة والتجارة والخدمات في سباق محموم مع الزمن لخلق أكبر عدد من فرص العمل لشعوبها، لعلها تبعد عنهم شبح البطالة، الذي يولد البؤس والثورات، ويسقط الأنظمة السياسية من عرينها، وبالتالي، فالكل أصبح خاضعا لتلبية حاجيات هذه السوق.

   إذا كان التعليم والمعرفة قديما، يلامس أكثر شريحة النخب المثقفة والميسورة، حتى أن الحرف كان ينظر إليها بازدراء، كما هو الشأن في فترة الحضارة الإغريقية، حيث أن الحرف كانت مرتبطة بشريحة العبيد، في حين أن الاشتغال على المعرفة والتأمل كان حكرا على علية القوم من النبلاء، غير أن هذا الوضع بدأ يأخذ منحى مؤسساتيا رسميا، ليشمل قوانين وأنظمة المؤسسات التعليمية التي بدأت تتخذ من المهن كوسيلة للخلاص بالنسبة للمتعلم، وبلادنا، بدورها انخرطت في ذلك تدريجيا، فقد أُدمجت وزارتي التكوين المهني والتربية الوطنية، في بوتقة وزارة واحدة، كمكون مشترك، يؤدي إلى توحيد الرؤية في المدخلات والمخرجات.

   هذا الأمر برز جليا في مقتضيات رؤية الإصلاح الاستراتيجية في أفق (2015-2030)، من خلال دمج التعليم العام والتكوين المهني في مختلف المستويات التعليمية للاندماج بسهولة ويسر وفق حاجيات سوق الشغل المهنية، وسيبدأ من القاعدة بالتعليم الابتدائي عبر مسارات اكتشاف المهن عن طريق إدماج الأنشطة التطبيقية والمحتويات البيداغوجية الخاصة باكتشاف المهن في السيناريوهات البيداغوجية، مرورا عبر إدماجها بشكل تدريجي في مرحلة الإعدادي، وصولا إلى إرساء الباكالوريا المهنية بناءا على اختيارات المتعلمين لعديد التخصصات المرتبطة بسوق الشغل، مستعينة بمنظومة التوجيه التربوي التي تكرس جهدها لتوجيه المتعلمين بناء على خطة وطنية لدمجهم في التكوين المهني.

   قد يكون من حسنات هذه السياسة، خلق نوع من التنوع في مسارات التعلم، وتوسيع الإمكانات لدى المتعلمين لاختيار شعب مهنية وتقنية، خصوصا وأن نسبة مهمة من المتعلمين، قد لا تجد ذاتها ولا ميولاتها في التعليم النظري، فضلا عن التمكن من ربط المدرسة بمحيطها الاقتصادي، وهذا ما تجلى في عقد الباطرونا أو رجال الأعمال والمقاولات في المغرب لشراكات مع وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني من أجل خلق تخصصات معينة، يحتاجها سوق الشغل، علما أن مجموع الاستثمارات الأخيرة التي حطت بتراب المملكة، المتعلقة بالأخص بصناعة السيارات والطائرات، كانت بدورها من بين العوامل التي دفعت السياسة الحكومية في هذا الاتجاه.

   من جهة أخرى، يمكن القول، بأن وثيرة إنزال هذه الإجراءات في اتجاه دمج التعليم العام بالتكوين المهني، تبدو وكأنها سريعة، بل نزعم أنها متسرعة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مجال التعليم وحيويته الاستراتيجية التي تتطلب التشاور وإجماع  كل الفاعلين الأساسيين، من آباء وأولياء التلاميذ، والمشتغلين في القطاع، إضافة إلى خبراء التربية والاقتصاد والسياسة، لكون أي مشروع تعليمي تربوي، يتطلب استراتيجية مندمجة واضحة المعالم للبلد، حيث سيرهن مستقبل فلذات أكباد المغاربة وسيمتد تأثيره لعقود قادمة، وبالتالي، فهل سيكون فالمغرب مؤهلا لإنجاح هذه الاسترتيجية، بحيث وفر لها الإمكانات والبنيات التحتية والاقتصادية التي ستستوعب هذه الأفواج من الشباب المغاربة المتخرجين؟ ماذا لو انسحبت الشركات الاستثمارية الدولية من المغرب، تحت أي ظرف من الظروف؟ هل ستكون للدولة بدائل لتشغيل ذلك الشباب؟   

   نخاف أن تجد هذه التجربة الجديدة نفسها في دوامة أسئلة ذات أفق غامض، شبيهة بتجربة الثانويات التقنية، التي كانت تسعى مراميها في نفس الاتجاه، لكن إلى حدود الساعة، لم تشمل تجربتها سياسة تقويمية علمية في مدى نجاحها من فشلها، كما نخاف من أن يكون هذا التوجه الجديد، بوابة قد يدخل منها مناصرو التدريس بالدارجة، على اعتبار أن تدريس المهن لا يتطلب لغة عربية فصيحة، بل يتطلب لغة مبسطة أقرب إلى اللغة العامية المستعملة التي يتحدث بها عموم الناس، مما يجعل هذا التوجه حصان طروادة لهدم ما تبقى من لغة الضاد على حساب لغات أخرى.

 

error: Content is protected !!