في الأكشاك هذا الأسبوع

الحـقــيقة الضــــائعة | إنها الكارثة .. إذا كان “بن كيران” أصيب بآفة “باحماد”

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

      لو كنا نتكلم بالدارجة، كما أراد عيوش، لكتبت الصحف عندما قرر ملك المغرب، تزويد وزراء الحكومة الذين أصبحوا في خطر بحراس خاصين، بأن “سيدنا اعطى الزطاطة، للوزراء ديالو”.

ففي بداية القرن الماضي، كان الزطاط، هو المرافق الإجباري لكل من له منصب أو مال، أو يريد أن يتحرك، حين كانت في المغرب فوضى، لعلها بصدد العودة إلينا هذه الأيام، حيث كان الإنسان لما يريد أن يتوجه من فاس إلى مكناس، فإنه يحتاج إلى زطاط، يفتح له الطريق.

وعندما نقرأ موضوع الصحفي جلال رفيق في المساء، نكتشف أن سكان الحي الراقي بوركون في الدار البيضاء أصبحوا الآن في حاجة إلى زطاطين.

والذي يراجع تاريخ المغرب مليا، في فترة بداية القرن الماضي، يجد أن ظاهرة الزطاط، الذي يحافظ على سلامة الناس الكبار، تضخمت بتضخم نفوذ السلطان، حيث كان الرجل القوي، أو الزطاط الكبير، هو رئيس الحكومة، وكان يسمى وقتها باحماد، السلطان لا يعرف شيئا، وباحماد هو الذي يعرف كل شيء، والذي يقرأ تاريخ باحماد وكان رئيسا للحكومة مثل عبد الإله بن كيران اليوم، سيكتشف أن باحماد، كان أذكى بكثير من بن كيران، لأن باحماد كان هو الذي يقرر في شأن السلطان، في تحركه وفي سفره ((كان باحماد هو المبدئ والمعيد، والمصدر والمورد، لا تكون كبيرة ولا صغيرة إلا بإذنه، وكان أهله وإخوانه على كل الإدارات، ولكنه مع كل ذلك لا يظهر إلا بمظهر المنفذ)) (المختار السوسي. حول مائدة الغذاء).

ومرة أصيب هذا الرجل القوي بآفة غريبة.. نخشى أن يكون رئيس حكومتنا الحالية قد أصيب بها، وهي ظاهرة العمى عن خطورة بعض الأحداث، التي كان باحماد كما هو بن كيران يعتبر أنها أحداثا عابرة، كانت في أيام باحماد تسمى السيبة.. ونراها في عهد بن كيران تسمى التسيب، بينما التشابه بين التسيب في عصرنا والسيبة في عهد باحماد، متشابهان يصبان معا في استفحال الفوضى: ففي عهد باحماد كان الذبح وتعليق الرؤوس المقطوعة على بوابات المدن، أمرا شائعا.. وفي عصر بن كيران، أصبح كل مجرم يتولى ذبح من يريد، أو قتله بواسطة سيارة فارهة لا تتوقف في الضوء الأحمر، رغم أن الفرق الوحيد بين سيبة باحماد وتسيب بن كيران، هو أنه في عهد باحماد، لم يكن أحد يجرؤ على الهجوم على وزير أو ضربه بالحجارة، لأن الوزراء في عهد باحماد كانوا يستمدون قدسيتهم من قدسية السلطان، هو الوحيد الذي يمكنه أن يقطع رؤوسهم(…) لكنه يقطع رؤوس كل من يضرب الوزراء.

ولكن ظاهرة العمى السلطوي(…) التي أصيب بها بن كيران أصابت سلفه في رئاسة الحكومة، باحماد، بدفع ثمن خطئه غاليا، فيم يظن بن كيران، أن تمترسه خلف ظاهرة “عفا الله عما سلف”، ستنجيه من العقاب.

مرة، وقد تسابق مستشارو رئيس الحكومة باحماد، لاطلاعه على أخبار السيبة والفوضى وقطاع الطرق خاصة في مراكش والتي كانت تحت رحمة قبائل الرحامنة(…) فجمع باحماد أعوانه، وكان بينهم الصحفي الفرنسي “لوي أرنو” وقال لهم: ((أنا لا أعرف لماذا أنتم متذمرون، لماذا تشتكون من ظاهرة السيبة، إن داء بوكليب “وباء” موجود في كل مكان وقد وصل لمراكش، وأعتقد أنه يعمل لفائدتنا(…) لأنه سواء هناك أو هنا، لن يفلت من مصيره أحد)) (زمن المحلات. لوي أرنو).

بمعنى أن رئيس الحكومة، فرح بحلول هذا الداء الفتاك الذي كان شبيها بالكوليرا، سيقضي على الجميع وتنتهي المشاكل، ولكن الذي حصل من بعد، وحضر له هذا الكاتب الفرنسي الذي كتب ما شاهده:

((بعد أيام قليلة من هذا الكلام، انتشر الوباء فعلا، ومات به وزير الحرب، سعيد أخ الوزير الأول باحماد، ثم مات بعده بنفس الداء الحاجب الملكي إدريس، الأخ الثاني لباحماد، ومات بنفس المرض إدريس بلعالم قائد المشور، وأخيرا جاء دور باحماد نفسه ليعاني من المرض، ورغم حضور الدكتور “لينا ريس” والأجهزة الكهربائية للدكتور “ماجلان”، فإن باحماد مات بهذا المرض بعد أسبوعين، يوم 13 مايو 1910)) (نفس المصدر).

عندما تصاب أمة بداء، فإن الوباء لا يفرق بين القاصي والداني، ولا بين الحاكمين والمحكومين.

والمغرب هذه الأيام، أصيب بداء رهيب، سرى في أطراف المجتمع المغربي سريان الوباء، جحيم بلا لهب، وإنما ناره تحت الرماد، فقد استفحلت في المجتمع المغربي، ظاهرة أخطر من ظاهرة ما كان يسمى قبل الحسن الثاني بالسيبة، ليصبح المغرب موحدا في ظل سيبة تشمل الأثرياء والفقراء، والمثقفين والجهلة، وتعم وضعية من التفكك والانحلال، بعد أن أصبح الإحباط هو الصفة المميزة، للعنصر المغربي، وها هي القنوات الإخبارية الإلكترونية المغربية عنوان الحضارة والتطور، وقد أصبحت رويدا رويدا، تتخصص في منطق الفساد والفجور، والكلام السفيه، في تناسق مع أخبار الحوادث الإجرامية التي تغطي على الصفحات الأولى للجرائد، والشاشات المشعة للقنوات التلفزيونية.

وبعد أن انعدمت إرادة العمل، عند المشتغلين والعاطلين وأصبحت العائلات الميسورة، تتسابق على العاملات الفليبينيات، والسنغاليات، وأصحاب المصانع والمعامل الصغيرة، يشغلون المهاجرين الأفارقة، لأن المغاربة أصبحوا رافضين للشغل، مهما ارتفعت الأجور المعروضة عليهم، فإنهم لا يشتغلون، وأصحاب الضيعات، في أغلب الجهات، يقفون على أبواب الإفلاس، لانعدام الراغبين في العمل. وقد صدرت الإحصائيات مؤخرا بأن ارتفاع عقود الأجراء الأجانب بالمغرب ارتفع لأول مرة بنسبة 35 في المائة لتؤكد وزارة التشغيل، أنه في سنة 2012 تم تشغيل 5193 أجنبيا وفي سنة 2013 تم تشغيل 5670 أما الذين لا تعرفهم وزارة التشغيل فإنهم عشرات الآلاف، ممن يشتغلون بدون عقود، بينما المغاربة يتظاهرون في الشوارع مطالبين بالشغل، ولكنهم يرفضون الشغل، ويريدون المناصب في الإدارة العمومية.

ظاهرة أكثر خطورة هو هذه الجمعيات الحقوقية التي تتبارى لمنع تشغيل صغار السن، مهددة بمعاقبة كل من يشغل طفلا أو طفلة، وإدارة الضمان الاجتماعي تهدد كل من يشغل أحدا دون أن يدفع له الحقوق لتهدد المشغلين، بالعقوبات الصارمة، بواسطة إعلانات مذاعة على أمواج الأثير، فإن المستقبل إذن لا يبشر بخير، وقد تمنع الجمعية الحقوقية بنت الست عشرة عاما من الشغل والأكل والمبيت في بيت العائلة المحتاجة لها، فإنه لن يمنع أحد تلك الفتاة، من النزول إلى الشوارع بعد مغرب الشمس لتمارس الصنعة المعلومة(…)، ويصبح في كل بيت، بنت فاجرة، تناقضات تنذر بمستقبل قبيح جدا، لتكون النتيجة الأولى هي التي كشفت عنها دراسة فرنسية منشورة مؤخرا عن حقيقة أعمى الله عنها عيون النواب البرلمانيين والمعلقين الحزبيين، تتمثل في ارتفاع عدد أطفال الشوارع، وبنات الأزقة، اللواتي ارتفع عددهن من 11 في المائة سنة 2009، إلى 27 في المائة سنة 2013، وأن عدد أطفال الشوارع المتسكعين في أحياء الدار البيضاء وحدها، بلغ ثمانية آلاف وفي مناطق أخرى بلغ 30 ألفا.

وعلى مستوى أرقى، يهدد دكاترة عاليو المستوى وزيرا بالضرب، لأنه قرر النقص من أثمان الأدوية، ويرشق وزير آخر بالحجارة، ليكون التدخل الملكي ذا طابع أمني صرف، قد يؤدي إلى مرافقة حراس شخصيين، لكل شخصية مهمة تكريسا لظاهرة أقطاب المافيا.

وعلى مستوى أدنى، يصدم أولاد الكبار بسياراتهم الفخمة، عابرين وعابرات للشوارع فيقتلوهم، لتتدخل الوسائط والإكراميات، لمنع المتابعات والمحاكمات، كما طويت قضية صدم ابنة الحاج أحمد بلافريج وهي لازالت بين الحياة والموت، في عيادة فرنسية بتدخل ملكي، دون أن يكون هناك تدخل قضائي لمعاقبة المجرم الذي صدمها.

ويكتفي صحفي، بأن يكتب: ((إن أي غفلة لأسباب سياسية أو عقدة(…) اجتماعية تسوغ العنف كتعبير، هي مغامرة غير محسوبة العواقب، وإيجاد لمسوغات لأسلوب حجري(…) هو تمهيد للطريق نحو حرب أهلية، إذا تحلقنا حول النار نرقص فرحا بجرح الخصوم)) (نو الدين مفتاح. الأيام 23/11/2013).

الحرب الأهلية.. وربما نحن في خضمها.. وربما يتساقط هذه الأيام في المغرب، ضحايا، أكثر مما يتساقط خلال حرب أهلية عادية(…).

((انفلات أمني بمدينة الرحمة بالبيضاء، والمشروع الملكي تحول إلى بؤرة للجريمة)) (الصباح. 24/1/2014).

لنفهم من خلال هذا الاستنتاج الخطير ما نراه وما نسمعه يوميا، لأن الانفلات الأمني ليس هو الذي رأيناه في حي الرحمة، وفي داخل المتجر العالمي بشاطئ البيضاء، ماروكو مول، حيث تدخل رجال الأمن لوضع حد لشبه ثورة تخريبية، قام بها عدد من الأطفال، الانفلات الأمني، رأيناه في برشيد، حيث استولى مدير البنك، على ما في صندوق البنك وهرب. فقد كان رجال أمن برشيد مشغولين باعتقال المجرم الذي كان منهمكا في قطع رأس، ابن عمه بدوار الفقرا ببرشيد.

وصراع بين مروج مخدرات بحي يعقوب المنصور بالرباط ينتهي بذبح صديقه “ولد حادة”، في دوار الكرعة.

وتهافتت أجهزة الإعلام الفرنسية، لنشر خبر قتل المتقاعد الفرنسي في الحي المحمدي بأكادير، من طرف فتاة مغربية، عمرها 25 سنة، لأنه رفض الزواج بها(…) رغم أنه سنه خمسة وستون عاما.

وكان عدد من سكان العرائش قد أخرجوا مقاولا معروفا من قبره، ليمثلوا بجثته على طريقة همجية.

وفي إطار انتهاء ظاهرة رضى الوالدين، والجنة تحت أقدام الأمهات، اهتزت ساكنة السبيطات بضواحي سطات، عندما أقدم رجل متزوج على ذبح أمه التي تعيش معه، ذبحها تحت أنظار أولاده وأولادها، وشهرا من بعد أقدم شاب في المدينة القديمة بالدار البيضاء، على طعن أمه بسكين في صدرها أرداها قتيلة وهي في سن السبعين من عمرها.

ولا توجد جريدة إلا وتكتب عن خوف رجال الشرطة من المجرمين، وعن الأحياء الكبيرة التي لا يستطيع رجال الشرطة دخولها.

وإذا كانت الأمم تعيش بأخلاقها، فأية حياة بقيت للمغاربة، بعد أن أصبحت الأخلاق منعدمة، لتلك الدرجة التي جعلت رواد المكتبة الوطنية بالرباط – يا حسرة – يفاجؤون وهم يقضون حاجاتهم بمراحيض المكتبة، بصفحات مكتوبة بخط يد طالبات.. كل واحدة تكتب: ((أنا فتاة أبلغ من العمر 22 سنة، أحب رجلا متزوجا، وأنا فتاة أعاشر رجلا مطلقا له أبناء، وأخرى تكتب أنا فتاة أعاشر رجلا يكبرني بعشرين سنة.. فهل هذا معقول في القرن الواحد والعشرين، داخل فضاء أكاديمي)) (الأحداث المغربية. 28/11/2013).

أي مغرب هذا يا ترى.

أم حقيقة أن الأمر يتعلق بمخطط(…)، لإغماض العين عن هذا الانهيار الأخلاقي والاجتماعي، ليشتغل المغاربة في مشاكلهم(…) ويتركون الأمور تسير بعيدا عن فضولهم.

2 تعليقان

  1. فعلا انوها حقيقة ضائعة لانعطيها اي اعتبار في الوقت الذي يستوجب علينا ان نجلس ونضع رؤوسنا بين ارجلنا لكي نتاملها ونفك طلاسيمها……لقد حان الوقت لمراجعة نفوسنا وكل ما يدور في فلكنا
    تحياتي لقيدوم صحافتنا ونبراس ومراة حقيقتنا وواقعنا

  2. السلام عليكم

    لا أعرف متى سيتم وضع حد للاجرام المثمتل في قطع الطرقات وفي انتشار ظاهرة حمل السيوف والخناجر من طرف المراهقين والشباب واستعمالها في تهديد حياة بناتها وزوجاتنا وامهاتها. متى سيتحدث ممثلوا الامة تحت قبة البرلمان عن هذه الآفة ويشرعون لها القوانين للحد من شيوعها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!