في الأكشاك هذا الأسبوع

المطالب السياسية التي تسببت في وقوع اصطدام بين الجيش وتلاميذ المدارس

     مازال هناك من يتذكر إلى حدود اليوم ذلك النشيد القائل، “اشهـــد يا حزيران (يونيو) في يومك العشريــــن.. وطني أنار الدرب والنصر مشتعل.. بيقظة الفلاح.. بصرخة العامل.. بثـــــــورة الجمهور… ذا شعبنـــا البطل.. سعيدة يا رحال.. دهكــــون يا زروال.. مواكب الأبطال بالوعد تتصل.. مدينة البيضاء يا درب من رحلوا.. أبنــــــاؤك العظمــــــاء اليوم قد نزلــــــوا”.

قد لا يكون هناك مجال لتكرار مثل هذه الأناشيد في مغرب العهد الجديد والدستور الجديد، رغم أنها قد تعزف في حالات نادرة خلال الاحتفالات النقابية، التي تؤرخ لتاريخ العمل النقابي في المغرب، ولكن الظروف سمحت بظهور نوع جديد من الأناشيد خلال المظاهرات الأخيرة ضد مقترحات “المسار” من قبيل ” اولاد الشعب فيناهوما.. فعكاشة راهوما”.

شتان بين تلاميذ الأمس واليوم، شتان بين جيل كان يكتب القصائد وبين جيل لا يعرف سوى “التغريد” على صفحات الأنترنت، في “الفيس بوك” و”تويتر” ولكن ذلك لا يكفي لحجب “المحطات المؤلمة في تاريخ المدرسة”.

——————-

15 ألف تلميذ في ملعب ثانوية محمد الخامس

سبق لأحمد العراقي، وزير البيئة السابق، في حكومة عبد الرحمان اليوسفي، أن حكى للصحفيين، بعض ما يتذكره من مشاهد ذلك الزمان عندما قرر التلاميذ التظاهر ضد سياسة وزير التعليم يوسف بلعباس، الذي قرر بشكل مفاجئ طرد مجموعة من التلاميذ لاعتبارات تتعلق “بسن الدراسة”(16 سنة)، سنة 1965، في تلك الفترة التي تميزت بقوة شوكة المعارضة، حيث كان حزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي يتربعان على عرش الحركات الاجتماعية(..) بشكل كان يمنحهما القوة لاتخاذ قرارات جريئة من قبيل مقاطعة الدستور(1962) وتقديم ملتمسات الرقابة لإسقاط الحكومة(1964).

يقول أحمد العراقي: “اجتمع قرابة 15 ألف تلميذ بملعب كرة القدم، في ثانوية محمد الخامس، وانطلقت المسيرات في اتجاه أكاديمية التعليم الجهوية.. يوم واحد بعد ذلك سيجد التلاميذ في استقبالهم، ادريس بنعمر عامل مدينة الدار البيضاء، “كان يحثهم على العودة إلى أقسامهم، ولكنهم خرجوا إلى الشوارع، نحو درب السلطان، وباب مراكش، باب المدينة القديمة، شارع الفدا، وعدد من الشوارع الأخرى، (شهادة العراقي: هسبريس 23 مارس 2013).

في ذلك الزمن لم تكن لتقبل إدارة الأمن الوطني “تجاوزات” من هذا النوع، ولكم أن تتصوروا ردة فعل المدير العام للأمن الوطني والذي لم يكن سوى “محمد أوفقير”، صاحب الأهداف المعروفة ضد النظام(..) ولعل هذا هو ما يفسر ذلك العنف الشديد التي تمت من خلاله مواجهة التلاميذ العزل ومن سار في ركبهم.

فمثل هذه المظاهرات لا يمكن أن تمر بسلام، حيث يتذكر العراقي مثلا أولئك “المرتزقة” الذين تسللو للمظاهرات، التي انتقلت إلى فاس، ومراكش، والرباط، بهدف القيام بأعمال الشغب، بهدف إعطاء فرصة للجيش من اجل التدخل، (المصدر نفسه).

المتسللون للمظاهرات مهدوا الطريق لتدخل الجيش، ولحسن حظ الدولة أن تلك الايام لم يكن هناك أي ربيع عربي، وإلا لكانت مشاهد العربات المدرعة التي تجوب الشوارع والرصاص الحي الذي لعلع في واضحات النهار، حطبا للقنوات التلفزية التي تصنع الاخبار والأحداث (..)، ويكفي في هذا الصدد الحديث عن عدد القتلى الذي يتراوح بين 5000 آلاف حسب تقدير العراقي، و1500 حسب شهادة قيدوم الاتحاديين، الحبابي.

—————-

عبد الرحيم بوعبيد في مواجهة المعطي بوعبيد

الدار البيضاء كانت دائما مسرحا لأحداث أليمة، لكن أكثر الحكايات ألما هي تلك التي كتبت بدماء التلاميذ، فليس هناك من شيء يؤلم الفؤاد أكثر من تصويب بندقية نحو تلميذ “طائش” يقف خلف سياسيون مقنعون(..).

سنة 1981 أيضا، سيسقط بعض التلاميذ ضحايا، في مجازر قوات الأمن، هم أيضا ينتمون إلى مجموعة “شهداء كوميرة” كما كان يسميهم ادريس البصري، وزير داخلية الملك الراحل الحسن الثاني، هذا الأخير كان يغضب أشد الغضب عند الخروج عن الأعراف المعمول بها في مجال التقاليد المرعية(..).

يوم 20 يونيو 1981 سيظل خالدا في الأذهان، عندما استجاب عمال وتجار وتلاميذ الدار البيضاء لدعوة الإضراب العام التي أطلقتها نقابة فتية، اسمها الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، فأصبحت الدار البيضاء مثل مدينة شبح خالية من الحركة، لكن “الدولة” قررت وقتها رفع حالات التأهب إلى أقصى درجاتها لمواجهة هذا التمرد الصامت، التي تزامن مع الفترة التي تلت أكبر عملية تزوير شهدها المغرب في نتائج البكالوريا(..).

قائمة الضحايا كانت طويلة جدا، بعد إطلاق الرصاص الحي، حيث يقدره البعض بـ600 قتيل، من بينهم أطفال، ولكن الرقم المضبوط لم يعرف إلى الآن هيئة الإنصاف والمصالحة لم تشتغل على هذا الملف، ليظل الرقم 673 قتيلا و637 جريحا، الذي أيده المحامي الفرنسي “مينار” والذي كلفته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتتبع الملف، هو الأرجح.

قد يتساءل البعض ما علاقة التلاميذ بأحداث 1981 التي تستند على معطيات اجتماعية، طالما أن الاحتجاجات كانت بسبب الزيادات في أسعار المواد الغذائية والتي تقدر ب 172 في المئة بالنسبة للسكر، و107 في المئة بالنسبة للزيت، و242 في المئة بالنسبة للزبدة، و185 في المئة بالنسبة للدقيق(..) هذه الزيادات كان لها انعكاس على تلاميذ المدارس الذين شاركوا في المظاهرات المقموعة، ويعتقد أن بعض هؤلاء التلاميذ حجزوا مقاعدهم في فضاء معرض الدار البيضاء حيث جرى احتجاز ما يناهز 10 آلاف شخص، بعد أن امتلأت مراكز الشرطة عن آخرها،

في ذلك الوقت حمل زعيم الاتحاديين عبد الرحيم بوعبيد المسؤولية للدولة في تطور هذه الأحداث، وأدان حكومة المعطي بوعبيد، غير أن وزارة الداخلية كانت لها رواية أخرى، بعد أن اتهمت كلا من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والكنفدرالية الديمقراطية للشغل بالوقوف وراء الأحداث، ولم يكن ذلك سوى منطلقا للمحاكمات السياسية ومنع الصحافة، بتواطؤ مع البرلمانين الخاضعين لأوامر وزارة الداخلية(..).

—————

عندما وصف الحسن الثاني “ريافة” بالأوباش

مشاكل منطقة الريف كبيرة، حتى وإن حاول السياسيون المتحدثون باسم الريف في الرباط التصغير من شأنها(..)، لكن مشكلة بعض “ريافة” هي أنهم لم يهضموا تلك الايام عندما كانت تطالهم “غضبات” المخزن.

أليس الحسن الثاني هم وصف “ريافة” بالأوباش في خطاب تاريخي تلاه يوم 22 يناير 1984، عقب أحداث ساخنة، أجبرت قوات الأمن والجيش على إطلاق الرصاص الحي.

قمة غضب الحسن الثاني تكشفها مقتطفات من هذا الخطاب الذي قال فيه الملك الراحل، “..هل أصبح المغاربة يا ترى طائشين حتى.. إذا أتت الرياح تعصف بنا، كريشة في مهب؟ فهل وصلنا إلى هذا الحد؟.. إما بواسطة الأطفال أو الأوباش، الأوباش في الناظور والحسيمة وتطوان والقصر الكبير… الأوباش العاطلون عن العمل الذين يعيشون بالتهريب والسرقة، واستعملوا في مراكش كما هو الشأن عند جميع المشاغبين، الأطفال الصغار في مقدمة المظاهرات، علما منهم أن الشرطة إذا كانت ستقوم بعملها أمام مظاهرة يصعب عليها ضرب الأطفال أو إلقاء القبض عليهم أو مهاجمتهم، فها أنا ذا أقول لكم، إن هؤلاء الأوباش تم اعتقالهم و يجب على الأطفال الطلبة والتلاميذ أن يعلموا أن المعيشة ارتفعت بسببهم..”، (مقتطف من خطاب الملك الراحل الحسن الثاني).

لم يتردد الملك الراحل في تحميل كل طرف مسؤوليته وكانت رسالته واضحة للتلاميذ والأطفال أيضا: “لأن الطفل المغربي منذ أن يولد، وينمو إلى أن يدخل المدرسة العليا وهو يتلقى تعليمه بالمجان، وإذا أردت أن أنقص ولو من نصف ميزانية التعليم، فأقسم بالله الذي لا إله إلا هو أنه يمكنني أن أخفض من أثمان المواد الغذائية”، هكذا كان يعتقد الملك الراحل الذي كان يعتبر أن التعليم يستنزف عدة ملايير لو تم توفيرها، لما بقي ثمن الزيت والسكر والخبز والدقيق مرتفعا.

بكل وضوح، قال الحسن الثاني: “أقول لهؤلاء الأطفال الصغار الذين يسيرهم غيرهم، يجب أن لا يعودوا للمزاح فالأمر قد أعطي لكي يطبق عليهم ما يطبق على الكبار”، وكان الحسن الثاني يقصد بالكبار الأساتذة، الذين طردوا من المدرسة ثم عادوا إليها في وقت لاحق(..).

في الريف دون غيره من مناطق المغرب تم جر التلاميذ إلى مساندة مطالب الطبقات الشعبية التي كانت تعيش من التهريب، حيث تم فرض ضريبة من أجل الدخول إلى مليلية المحتلة، تتراوح بين 100 درهم بالنسبة للراجلين و500 درهم بالنسبة لراكبي السيارات.

كان المدخل هو دفع التلاميذ والطلبة للاحتجاج على رسوم التسجيل التي بلغت 50 درهما بالنسبة للتلاميذ 100 درهم بالنسبة للطلبة الجامعيين، لكن الاحتجاجات اختلطت مع احتجاجات سياسية تروم رفض سياسة “التقويم الهيكلي” المجحفة، فتطور الأمر إلى مواجهات بين المظاهرات المختلطة وبين قوات الأمن فوقعت المجازر.

في الناظور ونواحيها بلغ عدد المحتجين حوالي 12 ألف محتج، تمت مواجهتهم بقبضة من حديد، أعادت إلى الأذهان سيناريو أحداث الريف التي شهدتها المنطقة في مطلع الخمسينيات، وكان هناك من صور للسلطات المركزية احتجاجات الريف بأنها “انتفاضة على النظام”(..)، مما مهد لتدخل الجيش مرة أخرى(..).

ورغم أن أحداث الريف بقيت “صندوقا أسودا” في تاريخ المغرب المعاصر، بتعبير مسؤولين في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سابقا، إلا أن ذلك لم يضع حدا لتداول بعض الأرقام عن تلك المرحلة الدموية، مثل القول بأن مدينة الناظور وحدها شهدت مقتل 40 شخصا، وأن 60 عائلة ظلت تبحث عن ذويها المفقودين، مقابل 16 ضحية فقط تم الحديث عنهم في تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!