في الأكشاك هذا الأسبوع

متابعات | موظف “يصفع” وزير العدل داخل المحكمة

بقلم: عبد الرحيم التوراني

        وصل السيد وزير العدل، صباح يوم الاثنين 27 يناير 2014، إلى جليز حيث بناية محكمة الاستيناف بمراكش، في زيارة كانت مبرمجة لمختلف محاكم المدينة الحمراء، (الاستئناف، الابتدائية، الإدارية، التجارية)، زيارة رسمية تأجلت في السابق أكثر من مرة، وتأتي بعد إنهاء عمل لجن المفتشين، الذين كتبوا تقارير إيجابية عن سير العمل الطبيعي بمحاكم حاضرة يوسف بن تاشفين. هذه المحاكم التي تنظر يوميا في ملفات نزاعات وقضايا مختلفة، الغالب فيها هو قضايا النصب والاحتيال وخيانة الأمانة، العملة الرائجة بين المتقاضين في مراكش، من مواطنين ينصبون على مواطنيهم أو على الأجانب، أو أجانب من المستوطنين لمدينة “سبعة رجال” وصلوا إليها من أصقاع بعيدة، محملين بثقافة مافيوزية خطيرة  للاستيلاء على “رياضات” وعقارات السكان الأصليين بواسطة النصب والسرقة الموصوفة. وهذا موضوع آخر ربما عدنا لرصده في تحقيق خاص في الآتي من الأيام.

———————–

 صفعة للوزير

      ما أن ترجل المصطفى الرميد ومرافقوه حتى وجد في استقباله رئيس المحكمة والمسؤولين الجهويين لوزارة العدل بمراكش، وحاول بعض المتقاضين، الذين فاجأهم حضوره، السلام عليه وتسليمه ملفات شكاويهم ونزاعاتهم. أليس وزير العدل هو قاضي القضاة؟

كان الوزير يومها في أحسن أحواله وهو يطوف برحاب بناية المحكمة، موزعا ابتساماته بسخاء على موظفي العدل بمراكش، وكان الموظفون يبادلونه التحية بأحسن منها. وقد بدا في صحة جيدة بقامته الطويلة وهو يرتدي بذلة رمادية داكنة مع ربطة عنق من نفس اللون فاتحة. مضت الأمور بشكل عادٍ، إلى أن وصل المسؤول الحكومي أمام الموظف عبد الإله بن الرايس الذي رفض السلام على الوزير الرميد وترك يد الوزير ممدودة في الفراغ، ومحا بذلك أسارير البسمة من على الوجه الحكومي الأفطح المؤطر بزغب لحية مشذبة بيضاء، وكدر خاطر أحد صقور العدالة والتنمية، أو على الأصح أحد صقورها المروضة، كصقور منطقة “القواسم” بجهة دكالة التي يتحدر منها المصطفى الرميد.

في لحظة خاطفة أعاد ابن الرايس رسم ملامح قاتمة لمحيا الوزير وأرغمه على أن يبتلع عبارات المجاملة التي يحفظها ويكررها على مسامع مستقبليه. تغير “خاطر” الوزير، وخالجه إحساس مذل، كأن يدا صفعته، وسرى الغضب في أوصاله، وصدم الذين معه من مرافقيه. كيف يتجرأ موظف بسيط ويعامل كبير رؤسائه بمثل هذه المعاملة الرعناء؟

——————–

 … إلا قطع الأرزاق

     إن منصب وزير العدل لا يوكل لأي كان من الكفاءات الوزارية، ففي فرنسا  مثلا الاسم غير الرسمي لوزارة العدل لديهم هو “حارس الأختام للجمهورية” وهو المنصب الذي شغلته سليلة حي سباتة بالدار البيضاء المغربية الأصل رشيدة داتي في عهد الرئيس اليميني نيكولا ساركوزي، ومازال متصفحو موقع اليوتيوب يذكرون الفيديو الذي يظهر فيه ساركوزي وهو يقوم بجولة رسمية لمنشأة طبية، حينما أشاحت ممرضة بوجهها عن الرئيس ورفضت رد تحيته، فما كان من “ساركو” كما يناديه مقربوه، إلا أن تقبل الأمر ومضى لحاله. ولم يصل إلينا أي نبإ عن انتقام أو عقاب اتخذ في حق هذه الممرضة التي لا تحب ساركوزي، ولم تسأل عن أسبابها.

 لم تطل لحظة الصمت حين بددها سؤال الوزير عن اسم هذا الموظف “الداصر”.

 رد الموظف بكل ثقة في النفس: – ماذا يهمكم في اسمي سيادة الوزير؟

قبل أن يستدرك:

 – اسمي عبد الإله بن الرايس.

سأله السيد الوزير عن سبب يدفعه لهكذا تصرف.

رد عبد الإله بن الرايس بكل حزم:

– نعم لا يمكنني السلام على اليد التي تقطع الأرزاق.

استكمل السيد الوزير جولته على مكاتب المحكمة، ليس كما بدأها. وهو متوجس من أن يصادف نسخة أخرى من هذا “الداصر” الذي رفض مبادلته السلام بالسلام.  اختصر الوزير ما أمكنه جولته وفي ذهنه تجول هواجس حول ما صادفه قبل دقائق.

——————-

 إعادة تمثيل “الجريمة”

بعد ذلك سعى”وسطاء” إلى إقناع الموظف المتجرئ إلى الاعتذار للسيد الوزير، “إنه سلوك غير لائق، ومهما وصل الأمر بنا لا يجب أن نرد اليد التي تمتد إلينا بالتحية والسلام”.

أذعن الموظف وأحنى رأسه ومضى متجها صحبة “فاعلي الخير” صوب القاعة التي استضيف بها الوزير لتناول الحلوى والشاي مع المرطبات. تقدم عبد الإله بن الرايس نحو وزير العدل وفي مشهد شبيه بعملية “إعادة تمثيل الجريمة”. سيتكرر المشهد من البداية، لكن نهايته كانت مختلفة إذ أمسك بن الرايس بيد الوزير الممدودة، وظل ممسكا بها لحظات قبل أن يرخيها، مقدما ما اعتبره الوزير ومن معه اعتذارا، وما اعتبره بن الرايس تفسيرا وتوضيحا عن التعبير الاحتجاجي الذي قام به.

وعلى أي فإن السيد بن الرايس لم يرم الوزير ببيض فاسد من صنف البيض الذي يتلقاه وزراء البلاد المتقدمة، ولا بحجر مثل الذي تلقاه زميله نبيل بنعبد الله وزير السكنى، ولم يشد بخناق الوزير كما تعرض لذلك زميله الآخر في الحكومة السيد الوردي وزير الصحة، ولم يفه بكلام بذيء مثل الكلام الذي “شنف” المعطلون به أسماع رئيسه عبد الإله بنكيران، حينما وجد رئيس الحكومة نفسه محاصرا، غير بعيد عن مقر البرلمان، بجحافل المعطلين الذين شتموه وسياسته ووصفوه بأرذل الصفات والنعوت، ولم يخلصه من شرهم إلا قوات الأمن التي لم تتدخل، وظلت تتفرج حتى توصلت بإشارة إنقاذ رئيس الحكومة الشعبوي. الأمر الذي وصفته جهات بالبيجيدي بالمؤامرة.

———————

من أشكال القمع

 قال عبد الإله بن الرايس للوزير:

– إنكم يا سيادة الوزير اعتديتم على شغيلة العدل في ربوع المملكة حين عمدتم إلى الاقتطاع من الراتب عن أيام الإضراب، وليس هناك أي قانون يسند قراركم.

رد الوزير وهو يحرص على إبراز ملامح التسامح والأريحية:

– إن هناك مشروع قانون منظم للإضراب سيتضمن بندا يقنن الاقتطاع من الراتب بسبب الإضراب.

وظل عبد الإله بن الرايس متشبثا برأيه كون الاقتطاع من رواتب الموظفين بسبب لجوئهم إلى الاحتجاج بوسيلة الإضراب هو “شكل من أشكال القمع” كما يقول، ويؤكد.

كيف يطبق قانون لم يصدر بعد؟ قانون ما زال في كواليس الصياغة والتأمل؟

الجواب في رأس الرميد وحده.

عبد الإله بن الرايس هو المدير السابق للفرع الجهوي لوزارة العدل بخريبكة وهو نقابي ينتمي للنقابة الديمقراطية للعدل المنضوية تحت لواء الفدرالية الديمقراطية للشغل، وهو فاعل جمعوي لا ينتسب لأي حزب سياسي.

تركت حركة هذا الموظف إعجابا وتنويها من لدن زملائه في مختلف المحاكم، وقد تناقلوا خبرها فيما بينهم بالرسائل النصية في الهواتف المحمولة، ولم تتوقف مباركة ودعم المتصلين به من زملائه في قطاع العدل، الذين سمع منهم كلمات تشجيع وتضامن من قبيل: “لقد تصرفت نيابة عنا وتكلمت باسمنا”.

 —————-

حكومة المذلة والعفو عمن أذل

 ماذا يجري في حكومة هذا البلد الأمين الذي اسمه المغرب؟

وفضيحة “فاتورة الشوكولاتة” الضخمة مازالت حديث المجالس والصحف ومواقع الإنترنيت، والكلام لا ينتهي حول بطلها الوزير عبد العظيم الكروج رغم بيان النفي ومحاولة لملمة الفضيحة.التي قال عنها أحد الظرفاء ساخرا: “إن عائلة الكروج منذورة لتحطيم الأرقام القياسية في كل شيء”، وهو يغمز من قناة القرابة التي تصل الوزير بالعداء العالمي هشام الكروج محطم الأرقام القياسية في ألعاب القوى.

وها هو كاتب سيناريو وأديب مغربي معروف “يوسف فاضل” يدعو على وزير الاتصال مصطفى الخلفي جهارا في رسالة مفتوحة عبر فيها عن غضبه وألمه مما وصلت إليه أوضاع العاملين في مجال الإنتاج التلفزيوني والسينمائي في زمن تسيير مصطفى الخلفي لوزارة الاتصال. قال السيناريست للوزير: “سعادة الوزير لا أتمنى لك الذل الذي أغرقتنا فيه”.

وقد بلغني أن السيد الوزير الذي يرعبه فقر السنوات الخوالي، لم يتردد بعد قراءة رسالة يوسف فاضل في أن يرسل في طلب كاتب السيناريوهات واستقبله كي يحل معه المشكل ويقنعه بتغيير سيناريو دعائه من الذل إلى العز والمجد. ترى أي مجد أكبر يبحث عنه الخلفي بعد أن تقلد منصبا حكوميا لم يكن يحلم به حتى في أشد أحلامه تفاؤلا؟ الخلفي هو الوزير الذي ابتدع تصوير صلواته بمكتبه وبثها على مواقع التواصل الاجتماعي بالشبكة العنكبوتية. هل هناك من يشك في إيمان وإسلام الوزير المتأمرك؟ الذي قضى فترة بالولايات المتحدة الأمريكية ليطلع عن كثب على طرق التفكير الاستراتيجي الأمريكي وعلى الاستراتيجية الأمريكية في التعامل مع الحركات الإسلامية. وكانت خلاصة تربصه هي تشييد فيلا فاخرة بالعاصمة وفق البناء الهندسي الأمريكي.

وما زال في جراب هذه الحكومة المزيد من الطرائف والفضائح والعجائب والقفشات، من محمد الوفا خريج جامعة “جامع الفنا”، إلى  عبد الإله بن كيران سليط اللسان. “واش فهمتني أولا لا..”.

 إن الناس هنا في هذا البلد الأمين صارت تنتظر كل شيء من هذه الحكومة، التي حلقوا لها نصف لحيتها وشذبوا زغبها القنفذي، إلا أن تنجز للصالح العام ما يخلد اسم أصحابها في سجل الصالحين، وما يرضي عباد الله الآمنين.

ستمضي الحكومة كسابقاتها إلى مآلها المحتوم وتذهب، وعند فورة التاريخ الذي لا يرحم، لن تجد من يقول فيها كلمة خير، ويعفيها من مسؤولية الفشل، أو من سيشيعها بالقول المأثور: “عفا الله عما سلف”، الذي وظفه عبد الإله بن كيران اليوم في غير محله، وأهداه للمهربين وللفاسدين ولصوص المال العام.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!