تحليل إخباري | ملامح حرب سرية بين المستشار الهمة وحميد شباط في أزمة تشكيل الحكومة

السياسيون كلهم يبكون.. فمن الظالم ومن المظلوم؟

إعداد: سعيد الريحاني

   “اتهم حميد شباط.. كل من الشرقي اضريس وفؤاد عالي الهمة وإلياس العماري بالانتماء لشبكة تتاجر في المخدرات الصلبة (الكوكايين)، وطالب بفتح تحقيق معهم، اتهامات شباط التي وزعها يمينا ويسارا على مسؤولين كبار وطنيا ومحليا ووزراء بالحكومة، جاءت خلال لقاء تواصلي عقده بقاعة مركب الحرية في فاس”.

   التصريح الوارد أعلاه، يمكن اعتباره أخطر تصريح لزعيم سياسي، نقلته الصحافة الوطنية، خلال شهر شتنبر 2011 (المصدر: جريدة المساء، موقع لكم، ومواقع أخرى..)، ورغم خطورة التصريح الذي تزامن مع وصول موجة الربيع العربي المدمر إلى المغرب، إلا أن شباط، الذي كان وقتها كاتبا عاما لنقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الذراع النقابي لحزب الاستقلال، لم يصدر في حقه أي بيان سواء من طرف إدارة الأمن الوطني أو من لدن الهمة، أو من لدن إلياس، بل إن الرجل الذي “كذب نفسه”، وفي الوقت الذي يقول أصحاب الخبر بأنهم يتوفرون على التسجيل الصوتي الذي يؤرخ لتصريحاته(..)، حصل على ترقية تنظيمية بعد أن أصبح أول نقابي يجمع بين رئاسة الحزب والنقابة(..)، بخلاف اليوم حيث تعرض لهجوم غير مسبوق بدعوى أنه قال: “إن موريتانيا أرض مغربية”.

   تبعا لذلك، فقد صدرت في حق شباط عدة بلاغات، بدأت مع وزارة الخارجية، التي أصدرت بلاغا “تعلن فيه رسميا الاحترام التام لحدود الجمهورية الإسلامية الموريتانية، المعروفة، والمعترف بها من طرف القانون الدولي”، بل إن وزارة الخارجية صنفت الأمين العام لحزب الاستقلال ضمن لائحة “أصحاب المنطق الذي يتبناه أعداء الوحدة الترابية للمملكة”، ثم تلتها تحركات رئيس الحكومة الذي التقى الرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز، وصرح بعدها بأن تصريحات الأمين العام لحزب الميزان “غير مسؤولة ولا تتماشى مع ثوابت الدبلوماسية المغربية”، كما كان لافتا للانتباه، صدور بلاغات من نفس المحبرة(..) عن حزبي الحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار، وكتيبة الباحثين المكلفين بالتعليق(..)، ليطرح السؤال، منذ متى كان من مهام وزارة الخارجية تأديب الأحزاب، أو إملاء الرأي عليها؟ أليس هذا عنوانا لتدخل سافر في الشؤون الحزبية من طرف الحكومة؟ ومنذ متى كان من مهام الأحزاب تحجيم بعضها البعض؟ ثم لماذا كل هذا الغضب من التاريخ؟ فشباط ليس المسؤول السياسي الوحيد في المغرب الذي يقول إن موريتانيا كانت قديما أرضا مغربية، فمحمد زيان، مثلا، منسق الحزب الليبرالي المغربي، ووزير حقوق الإنسان السابق، يقول: “أنا مازلت إلى الآن مؤمنا بأن موريتانيا ليست دولة مستقلة، وأن بقاءها مندمجة في المغرب كان سيعطي قوة لامتداد المغرب من جهة الجنوب.. وقد كان للمغرب وزير مكلف بالشؤون الصحراوية وموريتانيا” (المصدر: جريدة المساء 18 أبريل 2012)، “كيف يمكن لحديث عن تاريخ المغرب، أن يحدث كل هذه الضجة، فحدود المملكة المغربية في القرن 19 كانت تصل حتى حدود النيجر، هذه حقيقة تاريخية لا يمكن لأحد أن ينكرها، وتصريح شباط حقيقة أريد بها باطل” هكذا تحدث زيان مؤخرا.

   هل يعقل أن نصدق كل هذه الغيرة، المدعومة بالبلاغات على موريتانيا، التي تساند البوليساريو، وعارضت المقترح المغربي لسحب العضوية من كيان البوليساريو الموجود في الاتحاد الإفريقي؟ هل نصدق كل هذه الضجة المفتعلة على موريتانيا، ونتحدث عن احترام متبادل مغشوش(..)؟ بينما الواقع يؤكد أن موريتانيا رفعت العلم الموريتاني في سماء الكويرة، ولم تسمح برفع العلم المغربي أثناء لقاء بن كيران والرئيس الموريتاني، لتقول الصحافة إن الرئيس الموريتاني يكره الراية المغربية(..)، كيف يعقل أن نصدق، أن وزارة الخارجية وبعض الأحزاب المغربية، التي هاجمت شباط بسبب موريتانيا، بينما لم تتحرك أي جهة رسمية أو غير رسمية لمهاجمة الحزب الإسباني “بوديموس” الذي بات يطالب بضم سبتة ومليلية المحتلتين إلى إسبانيا عبر بنود الدستور الإسباني؟ لماذا الكيل بمكيالين؟ هل يعقل أن تصريحات شباط، الذي لا يمثل أي جهة رسمية أو دبلوماسية، ضد موريتانيا، أهم من تصريحاته، التي يقول فيها إن كبار رجال الدولة يتاجرون في المخدرات؟

   يقول شباط، في تصريحات لم تجرؤ الصحف المتفائلة على نقلها، “إن مفاوضات إيكس ليبان، كانت من أجل فريق واحد ولم تكن من أجل كل المغاربة، وأن الأفواه مكمومة، وأن الكلام في التاريخ ممنوع، وأن القضية الوطنية أصبحت مهددة”، ويقول أيضا: “إسبانيا بقيت عشرة أشهر بدون حكومة، لأن الأحزاب هناك ديمقراطية ومسؤولة أمام الشعب ومنخرطيها، ولا يوجهها أي تليكموند.. في إسبانيا معندهمش التراكتور، ولكن حنا عندنا التراكتور”.

   يمكن تلخيص الفرق بين إسبانيا والمغرب في وجود “التراكتور”، حسب المنطق الشباطي، حيث يقول الأمين العام لحزب الاستقلال، (والفاهم يفهم): “إن التراكتور كان يشتغل بالطاقة الشمسية، ثم تحول إلى الطاقة المشبوهة(..)، واليوم أصبح يشتغل بالغاز.. دستور إسبانيا ليس هو دستورنا، والملك الإسباني يسود ولا يحكم، ولكن عندنا نحن، رئيس الدولة (أي الملك) عنده كلمته في تشكيل الحكومة وفي اختيار الأشخاص، فعندما خرج حزب الاستقلال من الحكومة، قال بن كيران، إن السي فؤاد عالي الهمة ساعدني في ترميم الحكومة.. وكذلك الشأن سنة 2012، حيث كنا قد قررنا في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال أن نطفئ الهواتف  (الحديث هنا على لسان شباط)، واشترطنا الحصول على وزارة التجهيز وبعض الوزارات المهمة الأخرى، فإذا به يأتي، والمقصود، فؤاد عالي الهمة والمرحومة زليخة الناصري إلى منزل الأمين العام، عباس الفاسي، وأعطوه اللائحة..”، نفس المصدر.

   (شباط) يقول: “المعركة مع التراكتور، انطلقت في الجنوب، مع أكديم إزيك، وكانت حربا على حزب الاستقلال، في الأقاليم الجنوبية لتنحيته وتصفيته، فخسرنا مجموعة من النقط..”، نفس المتحدث يتبرأ من حالة “البلوكاج” الحكومي وهو يقول: “اللي مبلوكي الحكومة، راه معروف، ولكنه يزيد الطين بلة، المشكلة إما أن تكون الحكومة بالرئيس الحالي، أو العودة لانتخابات سابقة لأوانها ويمكن أن تكون في مارس أو أبريل..” (المصدر: تصريحات شباط، منقولة في موقع يوتوب/ 31 دجنبر 2016).

   تلخيص كلام شباط، مفاده أنه دخل في حرب مع أصحاب “التراكتور”(..)، وأن المسؤول عن “البلوكاج” الحكومي معروف ولا يزيد الطين إلا بلة، بل إن شباط في تصريحاته الأخيرة، يتهم الهمة بالتدخل في الشؤون السياسية للأحزاب، غير أن الهمة لم يرد حتى الآن على هذه الاتهامات، بخلاف حالة نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، هذا الأخير صدر في حقه بلاغ من الديوان الملكي، يصف تصريحاته بالتضليل السياسي، عندما قال بأن “مشكلة هيئته السياسية ليست مع حزب الأصالة والمعاصرة، بل مع من يوجد وراءه، مبينا أن المقصود بذلك هو الشخص المؤسس لهذا الحزب، الذي يجسد التحكم”، حسب قوله.

   كلام شباط، الذي يؤكد وجود خلاف مع مراكز التحكم، تفوح منه أيضا رائحة الخلاف السري مع المستشار الملكي فؤ اد عالي الهمة، وها هو يرد بطريقته على استهدافه من خلال رمي كرة تشكيل الحكومة في ملعب الرجل القوي في الصحراء، حمدي ولد الرشيد، والكل يعرف قصة الخلاف الكبير بين حمدي ولد الرشيد والهمة، إذ يكفي الرجوع إلى انتخابات 2009، للوقوف بجلاء على بعض معالم الخلاف السياسي بين الهمة وآل ولد الرشيد، عندما “نظم بمنزل عمر الدبدا بالعيون، حفل عشاء على شرف فؤاد عالي الهمة، مؤسس حزب التراكتور، ومحمد الشيخ بيد الله، الأمين العام للحزب، بعدما زار الهمة والوفد المرافق له مدينة السمارة لمساندة بيد الله في حملته الانتخابية بالمدينة، وقد حضر حفل العشاء أيضا، كل من إبراهيم حماد وختار الجماني وبشير البوصولي ومحمد سالم الجماني وحسن الدرهم وإبراهيم ادويهي وبريكة الزروالي ومحمد الشيخ الرقيبي، إضافة إلى كثير من الشخصيات التي توصف بعدائها لولد الرشيد، وفي اليوم الموالي، عقد حزب الأصالة والمعاصرة مهرجانا خطابيا بالقرب من فندق النكجير، الذي تعود ملكيته لأحد أقطاب حزب الميزان بالعيون، ولم يترك الهمة الفرصة تمر دون أن يتهم آل الرشيد ويتوعدهم بأن تكون هذه آخر مرة يحتكرون فيها مجلس البلدية بالعيون، كما ذكر الهمة الحاضرين، بمن كان وراء أحداث العيون الأليمة سنة 1999 التي اتهم فيها الهمة وزير الداخلية السابق، إدريس البصري، إضافة إلى شخصية وصفها الهمة بأنها صحراوية ومن المرجح أنه يقصد خليهن ولد الرشيد” (المصدر: المساء يوم 10 – 06 – 2009).

   ولد الرشيد بقي قويا في الصحراء، وها هو اليوم يظهر بشكل أقوى في حزب الاستقلال، وقد تكون الأزمة مع شباط، مجرد مقدمة لأزمة أكبر مع حمدي ولد الرشيد.

  ماذا لو أصبح ولد الرشيد أمينا عاما لحزب الاستقلال(..)؟ قد يقول قائل إن خلاف الأمس طويت صفحته، لا سيما بعد ظهور الهمة في حفل الزفاف الباذخ الذي جمع عائلتي خليهن ولد الرشيد رئيس “الكوركاس”، وأخ حمدي ولد الرشيد، وعائلة حسن الدرهم، ولكن لسوء حظ الصحراويين، فقد حصل الطلاق من جديد بين العائلتين، ومن يدر، فقد يكون هناك أيضا طلاق سياسي، بمعنى أن تعويض شباط بحمدي ولد الرشيد قد يكون مجرد مقدمة لأزمة أخرى قد تكون أكبر.

   إلى حدود كتابة هذه السطور، يظل السؤال المطروح: ما هي المشكلة مع حزب الاستقلال؟ كيف تحول الحزب، من حزب طالما كان سندا قويا للحكومة، إلى حزب غير مرغوب فيه، بعد أن أعلن دعمه لرئيس الحكومة بن كيران، ووقف مرتين في وجه مخططات إسقاطه، التي بدأت مع الانتخابات الجماعية والجهوية، وانبعثت مع الانتخابات الأخيرة، التي أعلنت عن أطول “بلوكاج” حكومي في تاريخ الحكومات المغربية المعينة؟ “فقبل أيام، سألني أحد الصحفيين، هل ما يجري من استهداف لحزب الاستقلال، هو بهدف قطع الطريق عنه للمشاركة في الحكومة، وأن توظيف الضجة التي رافقت حديث أمينه العام عن موريتانيا بعد شهرين من العجز عن تقديم مبررات الاعتراض على مشاركة الاستقلال في الحكومة المقبلة، هو تأكيد على هذه الرغبة الثابتة؟”، فكان جوابي بوضوح شديد: “إن الموضوع أكبر من المشاركة في الحكومة، الموضوع يتعلق باستقلالية القرار الحزبي وبمسار التحول الديمقراطي ببلادنا، المهم الآن، هو هل سيقبل بن كيران هذا المنطق، أم أنه سيرفض ذلك؟ ما يزعج البعض اليوم، هو أن حزب الاستقلال يتصرف وفق قناعاته بوضوح تام، لهذا، فإن حصر الموضوع في الدخول للحكومة من عدمه، هو فقط تبخيس للنقاش الحقيقي الذي يجب أن تعرفه البلاد في هذه اللحظة المفصلية من تاريخنا، والتي سيكون لها ما بعدها..” (مقتطف من تعليق عادل بنحمزة، عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال/ جريدة العلم 2 يناير 2017).

error: Content is protected !!