الحقيقة الضائعة | “جمهورية من أجل ملك”.. أساس الصراع الأزلي بين القصر والأحزاب منذ أعطى رئيس الحكومة للملك ثلاث وزارات

بقلم: مصطفى العلوي

   عجيب كيف أن التاريخ الدستوري المغربي، ألغى وبصفة نهائية كل تلميح للقانون الأساسي الذي أمضاه الملك الحسن الثاني في الثاني جوان 1961 والذي كان وثيقة تأسيسية يلتزم فيها ملك المغرب بإقامة دولة عصرية متطورة، لا تخلط بين النفوذ والحكم، ولا بين الملك والحكومة، وتجعل الملك فعلا فوق الأحزاب وفوق خزعبلات تشكيل الحكومات، وكانت توثيقا لقانون يضع حدا لتخوفات الحكومة الفرنسية، التي فضلت إعادة محمد الخامس إلى عرشه، تجاوبا مع رغبة المطالب الشعبية التي كانت تلوح بالمقاومة المسلحة في ذلك الوقت، بينما كانت الأحزاب مشغولة على مستوى أقطابها الذين كانوا يمثلون النخبة المثقفة الواعية، بتفادي رجوع المغرب مع الاستقلال إلى عهود السلاطين القدماء.. (انظر الحقيقة الضائعة، العدد الماضي) ولكن الحسن الثاني بحكم دهائه وبعد نظره، سارع بعد تصفية حساباته مع فلول المقاومة المسلحة التي كانت تنطلق أساسا من الحد من نفوذ الملك، فأصدر دستوره الأول بتاريخ 14 دجنبر 1962، في تلك الفترة التي أصبحت فيها الأحزاب المعارضة تتذوق طعم الحكم والنفوذ، وتنسيها حلاوة الاستقلال، مرارة النضال.

   وهكذا كانت انطلاقة ذلك الصراع الأزلي، بين ما يمكن تسميته بسلطة المخزن المتأصل، مع طموحات التيارات الحزبية، الجديدة(…).

   وفعلا: ((نجحت المؤسسة الملكية في امتصاص الحماس الذي أبانت عنه قوى المعارضة في البداية، من خلال محاولات متكررة لوضع مسلسل الإصلاح الدستوري، حيث أكد دستور 1992 على احتكار المؤسسة الملكية لإنتاج القيم وتمسكها بالوظائف الشرعية)) (محمد الطوزي. الملكية والإسلام السياسي في المغرب).

   وقبل التعديلات الدستورية، المتعددة، والتي كان الحسن الثاني يجعل من نصوصها أسوارا عالية بين النفوذ الحزبي والسلطة المخزنية، حاول الحسن الثاني استقطاب الملوحين بالمعارضة، عبر تذويقهم طعم نفوذ الحكم، مع حرصه الشديد على التمسك بمفاتيح الدولة، واضعا نفسه، وهو الملك القوي، في موقع المتشبث بالحكم مهما كانت الظروف.

   حكى عبد الرحيم بوعبيد، وهو نموذج السياسي التقدمي المعاصر ((أن الحسن الثاني قال له يوما حينما كان وليا للعهد، بأنه يريد أن يلعب دورا أساسيا في تسيير المغرب.. وأنه قال له: إن أبي محمد الخامس، لازال شابا، أمامه مستقبل طويل، وأنا لا يمكن لي أن أنتظر حتى يكون في فمي، طقم من الأسنان الاصطناعية)) (إنياس دال. الحسن الثاني).

   بل إننا نذكر أن جريدة “لوجورنال” (أبو بكر الجامعي) نشرت رسالة للقطب الآخر، للمعارضة العصية، الفقيه البصري، أن عبد الرحيم بوعبيد، جاءه يوما لعرض مشروع الاستيلاء على الحكم باتفاق مع الجنرال أوفقير وإدريس السلاوي.

   مثلما أن القطب عبد الرحمن اليوسفي، قال مرة: ((بأن ولاية العهد تتناقض مع قواعد الإسلام لأن النبي محمد عليه السلام لم يعين من يخلفه بعد موته)) (نفس المصدر).

   وبالمناسبة، فإن ميزة أقطاب المعارضة المغربية، رغم نواياهم المتناقضة مع المخزن الملكي، هي أنهم كانوا لا يمسون المقدسات الدينية، ولا يطعنون الشعب المغربي، في اختياراته الإسلامية، حتى الفرنسيون أنفسهم كانوا يعرفون ويقدرون الالتزامات الإسلامية للشعب المغربي، لدرجة أنهم عندما قرروا وضع حد لمنفى الملك محمد الخامس، جاءه صديقه الكولونيل “تويا” في منفاه بأنتسيرابي، وبشره بأنه سيغادر المنفى يوم عيد المولد النبوي، الذي صادف يوم 28 أكتوبر 1955، وفعلا غادر محمد الخامس المنفى يوم عيد المولد النبوي.

   ونرجع إلى حكاية فوقاش، التي وردت في بداية هذا الموضوع، لدرجة ربطها بالتعديل الوزاري المنتظر طويلا في المغرب، حيث أن السي بن كيران لم يكن أول رئيس حكومة يقضي الشهور الطويلة في تسلق جبل الصراع المخزني(…) مع الأقطاب السياسيين، حيث نقرأ في السجل الطويل العريض للصراعات الحزبية والحكومية، ما كتب منذ حوالي 25 سنة، وبالتحديد يوم العاشر من أكتوبر 1977، وتمعنوا: ((البلاد بلا حكومة ثلاثة أشهر بعد الانتخابات(…) وقال الناس، الأمر مقصود، حتى يقتنع الجميع أن السياسة مرسومة، لا يؤثر فيها لا برلمان منتخب، ولا حكومة جديدة إلى أن تألفت بالفعل، وهي لا تعكس في الظاهر ميزان القوى داخل البرلمان، أغلب الوزارات أسندت للأحرار(…) ثمانية لحزب الاستقلال، والباقي للحركة الشعبية، فقد أظهر الاتحاد مرونة كبيرة، في تعامله مع الحكم، لكن الحكم رأى في ذلك مجرد تكتكة(…) بمعنى أن المبادرة السياسية يجب أن تظل بيد الحاكم)) (خواطر الصباح. عبد الله العروي).

   الحاكم ذو ذاكرة قوية، كيف لا وسياسة المخزن أيام الحسن الثاني، كانت مطبوعة بدهاء صديق الملك أحمد رضى جديرة، أما الاتحاد الاشتراكي فرغم الفراغ المهيمن عليه هذه الأيام، بقي تاريخه مطبوعا بذلك الحوار الذي دار بين قطب الاتحاد الوطني عبد الله إبراهيم، الذي عندما استدعاه الحسن الثاني للمشاركة في الحكم، في أعقاب حوادث الصخيرات وانقلاب الجنرال أوفقير، قال عبد الله إبراهيم للحسن الثاني: نترك لك وزارات الدفاع والبريد، فأجابه الحسن الثاني: أشكرك كثيرا على كرمك.

   ليدور الزمان دوراته المتتالية، ويموت الحسن الثاني، ويموت عبد الله إبراهيم، فيأمر الملك محمد السادس كاتبه الخاص منير الماجدي بالاعتناء بجنازة عبد الله إبراهيم، فيخرج الماجدي عند المخازنية ليسأل أحدهم: ومن هو هذا العبد الله إبراهيم.

   حقا أن الفرنسي الكاتب، “سانت أولير” صديق الباشا الكلاوي كتب بعد تجربة مغربية طويلة: ((إن المغرب أوبيرا هزلية)) لولا أن فرنسيا آخر، عاش المفاوضات المغربية الفرنسية، أيام عودة الملك محمد الخامس، للتفاوض من أجل الرجوع، واستقلال المغرب، تلك المفاوضات التي كانت مصيرية لمستقبل المغرب، حين اكتشف الفرنسيون أن الأحزاب الوطنية المفاوضة، الاستقلال والشورى، لم يكن يهمهم رجوع محمد الخامس إلى المغرب، بقدر ما كانت تهمهم ضغوطهم على الفرنسيين للضغط على الملك من أجل إعطاء تنازلات لتأسيس دولة يحكم فيها الملك ولا يسود.

   الفرنسي الذي تتبع هذه المراحل، هو المبعوث الفرنسي من أجل الإشراف على مفاوضات إيكس ليبان وما أعقبها، المسمى “بيير جولي”، الذي غلبت عليه تأثيرات المطالب الحزبية المغربية، فأوجزها عنوانا للكتاب الذي ألفه عن هذه الفترة: «Une République pour un Roi» (جمهورية من أجل ملك)، وعند سرده في صفحات كتابه لتبرير هذا العنوان كتب: ((انتهت مفاوضات إيكس ليبان يوم 27 غشت 1958 باتفاق على خمسة نقط، ولكن نقطة وحيدة بقيت معلقة، هي أنه لا أحد في وفد الأحزاب الوطنية المغربية المفاوضة، مستعجل عودة الملك محمد الخامس إلى العرش، ليحرك الكلاوي ملامحه مستغربا، وكأنه يقول، لقد قلتها لكم، بينما تفاجأ المفاوضون الفرنسيون لموقف الأحزاب الوطنية التي تغلق الأبواب في وجه الملكية)) (جمهورية من أجل ملك. بيير جولي).

   طبعا، كان المفاوضون الحزبيون المغاربة يعرفون أن الحكومة الفرنسية نفسها كانت تفاوض محمد الخامس من أجل الاستقرار بفرنسا، وعرضت عليه قصرا في مدينة نيس، ولكنها لم تكن إطلاقا راغبة في أن يتنازل لولي عهده مولاي الحسن، العدو الصارم للفرنسيين، وعرضوا على محمد الخامس تعيين ولده الثاني مولاي عبد الله، ليحل محله على العرش في الرباط، وهي الجزئيات التي ظهرت معانيها قبل بداية المفاوضات، حين فقدت الدولة الفرنسية الثقة في الاستقرار بالمغرب، مباشرة بعد محاولة الفدائي علال بنعبد الله اغتيال سلطان الفرنسيين محمد بن عرفة، فأصدرت الحكومة الفرنسية مباشرة بعد هذه المحاولة، قرارا بسحب الجزال كيوم من الإقامة العامة الفرنسية بالرباط، يوم 20 مايو 1954 وعوضته بالسياسي لاكوسط الذي جاء مقيما عاما للمغرب، انصبت اهتماماته على تأسيس حزب سياسي، ليكون البديل لحزب الاستقلال، اختار له أقطابا استقلاليين، تناوبوا على مائدته في الإقامة العامة، مثل باشا فاس الحاج الفاطمي بنسليمان، والاستقلالي في أكادير الدمناتي، والزغاري، ورجل الأعمال العمراني، ورئيس الغرفة التجارية اليهودي دهان، حين كشف الفاطمي بنسليمان خبايا الاتصالات مع الفرنسيين من أجل تأسيس حزب جديد: ((يظهر أن فرنسا قررت تزويد المغرب بحكومة عصرية مع الحزب الذي تنوي تأسيسه انطلاقا من حل بسيط: أن تتنازل فرنسا عن سلطانها بن عرفة ويتنازل المغاربة عن سلطانهم محمد بن يوسف)) (كتاب متهم بالوفاء. الكولونيل بن المدني).

   حسابات مطولة، طوتها ظروف استقلال المغرب وعودة الملك محمد الخامس، ولكن الذاكرة الملكية، لم تنس ولن تنسى مواقف أحزاب ذلك الزمان، الاستقلال الذي يموت رويدا رويدا، وحزب الشورى والاستقلال الذي مات وانتهى، فلماذا لا ننتظر موت الآخرين.

 

error: Content is protected !!