في الأكشاك هذا الأسبوع
أول جلسة محاكمة مدنية في قضية "إكديم إزيك" بمحكمة الاستئناف بسلا

خاص | “الفوضى الخلاقة” في اتهام بن كيران وشباط لإلياس العماري بإشعال فتيل “أكديم إزيك”

القضاء المدني يؤجل النظر في ملف متهمي “إكديم إزيك”

الأسبوع: طارق ضرار

   في شتنبر الماضي، كشف المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي ملمحا في حديثه لقناة عربية، أن الربيع العربي كان مخططا له الانطلاق من الصحراء في أحداث إكديم إكزيك، قائلا: “في الحقيقة، الربيع العربي انطلق من الصحراء –الغربية- قبل أن تجتاح السلطات المغربية المخيمات وتنهي اعتصامات المئات من الصحراويين في الخيام”.. (برنامج وثائقي مع تشومسكي على قناة الميادين بتاريخ 03/09/2016).. تصريح تشومسكي هذا والذي لطالما حذر العالم من نظرية “الفوضى الخلاقة”، حمل في طياته الكثير من الإشارات الواجب التقاطها، خصوصا وأن التصريح لمفكر أمريكي يحسب له ألف حساب وتؤخذ تحاليله ودراساته بكل جدية وحذر.. ومن أبرز ما التقط من إشاراته، أن “الفوضى الخلاقة” التي لطالما حذر منها، ربما كانت في طريقها إلى المغرب عبر أحداث “إكديم إزيك”، ولأن الأحداث لا تقوم لوحدها، بل بفعل فاعل ويكون لها دوما من يحركها.. كان لابد من التساؤل عن توقيت تصريح تشومسكي الذي تزامن مع مشاهد التطاحن السياسي وتبادل الاتهامات بين الفرقاء السياسيين المغاربة لخدمة أجندات خارجية، وصادفت الاستعدادات للانتخابات التشريعية للسابع من أكتوبر، ولعل التزامن سمح ولو بالنزر اليسير في فك ألسنة بعض السياسيين في القضية، وكشف بعض الحقائق التي ظلت حبيسة الأفواه، وهو الأمر الذي حصل مع ما صرح به قادة حزب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال بخصوص أحداث “إكديم إزيك”، وأماط جزءا من لثام الحقيقة عن القضية.

   فلا شك أن تصريح تشومسكي حينها نفض بعضا من الغبار على قضية كادت أن توضع على رفوف النسيان، بعد صدور أحكام في حق المتهمين في القضية بالمحكمة العسكرية منتصف فبراير 2013، والتي تراوحت بين المؤبد و20 سنة سجنا.

   ولأن عقدة الأجنبي لازالت تحرك بعض الأمور فينا، كان لتصريح تشومسكي الأثر البالغ في صالونات وحوارات السياسيين، مع العلم أن بن كيران كسر حاجز الصمت في القضية قبل تشومسكي، وبالضبط في شهر فبراير الماضي، حيث لازال رنين ناقوسه المعلن بتورط إلياس العماري في القضية يرن في الآذان ويلقى الصدى، بعدما كشف عبد الإله بن كيران خلال اجتماع اللجنة المركزية لشبيبة العدالة والتنمية ببوزنيقة “أن إلياس العماري واحدا من الذين أشعلوا الفتنة في أحداث إكديم إيزيك، في نونبر 2010 بالعيون”.. (الموقع الرسمي للعدالة والتنمية وعدة مواقع).

   لم يكن بن كيران وحده المحذر من تورط إلياس العماري في أحداث مخيم “أكديم إزيك”، الذي وصف بكونه كان مخططا شيطانيا لهدم المغرب انطلاقا من بؤرة توتره بالصحراء، بل انبرى حزب الاستقلال بدوره للكشف عن أن إلياس العماري من بين المتورطين في إثارة النعرات والفتن، إذ جاء في مقال افتتاحي نشر على الصفحة الأولى لجريدة “العلم” ما يلي: “الجهة التي تضع العصي في عجلات مركب تشكيل الحكومة الجديدة.. هي نفس الجهة التي فجرت مأساة إكديم إيزيك”، وأضافت الجريدة: “لا يزال المغاربة قاطبة يذكرون من توجه إلى العيون، وعقد عدة اجتماعات مع أعضاء اللجنة المؤطرة لاحتجاجات إكديم إزيك دون أن يتوفر على أي صفة للقيام بهذا الدور، فلا هو مسؤول رسمي، ولا هو منتخب.. ومع ذلك سافر إلى العيون وتفاوض مع المحتجين وامتثل له الوالي والعامل ووزير الداخلية…” (العلم عدد الإثنين 20 نونبر2016 ).

   واستحضارا لتحذير بن كيران من إلياس العماري، بدا التناقض واضحا مع خبر الإعلان عن تشكيلة هيئة الدفاع المترافعة في الملف، والمشكلة من محامين ينتمون إلى قادة الأحزاب، الذين كشفوا عن تورط إلياس العماري في إشعال فتيل مخيم “إكديم إزيك”، ومنهم المحامي عبد اللطيف وهبي، الذي يعد قياديا في حزب إلياس العماري، الخبر بحد ذاته يدفع إلى التساؤل، كيف يستقيم الأمر؟ خصوصا مع علمنا أن من أدوار هيئة الدفاع، الترافع للكشف عن الحقيقة، وقد يكون جزءا من الحقيقة ما صرح به بن كيران وشباط، فكيف ستكون المرافعات بين زملاء في المهنة وفي هيئة دفاع واحدة بخصوص ملف خطير، وهم في نفس الوقت قياديين في أحزاب تختلف نظرتها للأحداث.

فهل سيطالب المحامي الإدريسي، القيادي في حزب بن كيران، والمحامي الأنصاري، القيادي في حزب شباط، بإحضار من اتهمه رئيس الحكومة وكشفت عن تورطه جريدة “العلم” في إشعال فتيل مخيم “إكديم إزيك” إلى المحكمة؟ وكيف سيكون رد عبد اللطيف وهبي، المحامي في هيئة الدفاع حينها، وهو رئيس فريقه البرلماني (فريق حزب الأصالة والمعاصرة)، إنها فعلا مفارقة عجيبة.

   غموض لطالما أرخى بظلاله على القضية، ونشر نوعا من العتمة على الملف، بعد تهرب إلياس العماري في كثير من المحطات من الرد على اتهامه بكونه يدعي أنه كان وقتها مبعوثا للقصر، وهل كشف حقيقة تواجده بالعيون بالتزامن مع أحداث “إكديم إزيك” ومشاركته في لجنة الحوار رفقة الشرقي اضريس والوالي أجلموس، عندما فسر تواجده، بأنه كان زيارة عادية للمدينة دأب عليها منذ زمن لملاقاة بعض الرفاق كما أسماهم.. (حوار مع جريدتي المساء والحياة). لكن السؤال المطروح، هو أن تواجده بالعيون وقتها وهو العضو البارز في صفوف الأصالة والمعاصرة يطرح أكثر من علامة استفهام؟ ويبقى محط جدل زادت وثيرته منذ أن كشف أحد المتهمين في أحداث “إكديم إزيك” أمام رئاسة المحكمة العسكرية الدائمة بالرباط، قائلا “أن إلياس العماري كان يحضر الاجتماع الذي شارك فيه كل من وزير الداخلية السابق، مولاي الطيب الشرقاوي، ووالي مدينة العيون، محمد أجلموس، إضافة إلى الواليين، محمد اطريشة، ومحمد الإبراهيمي” (هسبريس 12 فبراير 2013).

   واليوم تعود القضية إلى الظهور بمواصفات جديدة وأمام قضاء مدني بعد قرار محكمة النقض الطعن في أحكام المحكمة العسكرية وإحالة الملف على محكمة الاستئناف، في أعقاب التعديلات التي أدخلها المشرع المغربي على قانون المحكمة العسكرية مؤخرا فيما يخص قانون 108-13 المتعلق بالقضاء العسكري سنة 2014، أي بعد سنة من صدور حكم المحكمة العسكرية في الملف، ضد مدنيين تورطوا في قتل حاملي السلاح، مع العلم أن الضحايا من عناصر القوات العمومية لم يكونوا يحملون السلاح حينها خلال تفكيك المخيم، قبل قتلهم بوحشية كما تناقلته الصور، والتي نقلت أيضا مشاهد التبول على الجثث والتمثيل بها، وكانت فعلا صورا ومشاهد لفوضى لكنها غير خلاقة.

   وهنا لابد من القول أنه لا يختلف اثنان في كون المغرب، تلقى الضربات من الأصدقاء قبل الخصوم في مجال حقوق الإنسان، بعدما حولوا أحداث “أكديم إزيك” إلى ورقة ضغط ضد المغرب في المجال الحقوقي، لكن الدهاء المغربي كان حاضرا بالإسراع في إخراج قانون جديد للمحاكم العسكرية، مكن محكمة النقض اليوم من إحالة قضية المدنيين المتابعين بقتل 11 عنصر أمن على المحكمة المدنية، والتي انطلقت أولى أطوارها بالفعل يوم الإثنين الماضي، قبل أن يقرر قضاة غرفة الجنايات الاستئنافية بملحقة محكمة الاستئناف بمدينة سلا، تأخير القضية إلى 23 يناير من العام المقبل، وذلك أمام أنظار صحافيين وملاحظين دوليين، كما سمح القضاء لأول مرة بنقل جلسات المحاكمة بالصوت والصورة، لإرسال رسالة إلى العالم تحمل الكثير في طياتها.

error: Content is protected !!