“الحقيقة الضائعة” في رسائل الصحفيين إلى الملك محمد السادس

انتفاضة صحفية ضد محاولة عزل الملك عن الإعلام                  

الرباط. الأسبوع

   “لقد طفح الكيل.. وبلغ السيل الزبى.. ولم يبق في قوس الصبر منزع.. سيدي، تطارد كلماتنا.. تُصلب جملنا.. يحاولون تقييد أفكارنا بالأغلال من خطوط حمراء.. تُسَفَّه كتاباتنا.. تُلاحق جرائدنا، أسبوعياتنا ومجلاتنا.. عدد منا عرف السجن وحتى بعض أشكال التعذيب.. كلنا أصبحنا تقريبا سجناء في سراح مؤقت”.

   بهذه الكلمات وبجرأة غير معهودة في الخطاب الصحفي الموجه للملك، اختار الصحفي خالد الجامعي، والد الصحفي أبو بكر الجامعي صاحب تجربة “لوجورنال”(..)، أن يرفع تظلمه، ليقول للملك محمد السادس خلاف ما يقوله الآخرون، ويظهر من كلامه أنها محاكاة لما ورد في ركن “الحقيقة الضائعة”، التي تساءلت عن مكمن “ما سماه الملك محمد السادس، الاستغلال المقيت.. بعد الضربات الموجعة التي تواكب الأخطاء المقيتة(…) الكامنة بالدرجة الأولى، في خلق صراع دائم بين الصحافة والمؤسسة الملكية، لإبعاد الصحفيين المغاربة على اختلاف اتجاهاتهم، عن أي حضور ولا حتى وجود، وتجاهل الصادق من نوايا بعضهم في الإدلاء بدلوهم في مجال النقاش، والنقاش، هو العملة الإعلامية الممنوعة في المغرب(…) وكأن أجهزة الإعلام السرية(…) ووكالاتها الغنية(…) ومحركوها بالحسابات المفتوحة(…) أصبحت وقفا على مجموعة معينة…” (انظر الحقيقة الضائعة عدد 1 دجنبر 2016).

   كلام الجامعي، ورسالته إلى الملك ليست جديدة، بل إنها انتشرت على نطاق واسع من جديد بعد الجدل الذي خلقه كلام صاحب “الحقيقية الضائعة” قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي، الذي قال أيضا إن الجامعي الابن “كان في المحيط الملكي قبل أن تهب عاصفة الأصالة والمعاصرة” (الحقيقة الضائعة عدد 15 دجنبر 2016)، بل إنها تعود لسنة 2009، عندما تعرضت الصحف لحملة هوجاء من المحاكمات، تلك الحملة التي قال عنها خالد الجامعي في رسالته إلى الملك، بأنها: “محاكمات أدارها بعض القضاة مفرطين في الحماس، رغبة منهم في أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك.. محاكمات يقف أمامها المرء مذهولا، محاكمات لا تتوفر فيها الشروط التي يجب أن تتوفر في المحاكمة العادلة.. محاكمات أجبرتم فيها، أنتم بأنفسكم، على التدخل، أكثر من مرة، مستعملين فيها حقكم في العفو لتجنيب هذا البلد سخرية أكبر”  (موقع هسبريس، السبت 11 يوليوز 2009).

   وكان قيدوم الصحفيين، مصطفى العلوي قد نبه إلى آفة “المكلفين المحظيين الذين يتسببون في السخرية من البلاد، ((الناطقين المحظيين، المكلفين وحدهم بتزيين وجه المغرب وضرب الحصار على الملك لعزله عن الصحفيين، ولكنهم بدون رقيب ولا حسيب ولا عقل مدبر حكيم، يتولون الدفاع عن المغرب على طريقتهم، وهم ومن خلفهم(…) يمارسون تخريب السمعة المغربية، وتعريض المغرب لهزائم إعلامية موجعة، من قبيل الحكم الذي صدر مؤخرا على جريدة “لونوفيل أوبسرفاتور”، التي تهجمت على الضابط المعارض أديب، فأنصفته العدالة الفرنسية، العدالة الفرنسية التي كسرت ملف الصحفيين الفرنسيين كراسي ولوران، اللذين تحولا من مبتزين للملك إلى برءاء)).

   وكان قيدوم الصحفيين العلوي قد نبه أيضا إلى “الأخطاء التي لا حدود لها، لهؤلاء الذين يمهدون لاستبعاد كل تعاون مع الصحافة المغربية الحقيقية حتى يبقوا وحدهم أوصياء على الإرث الوطني، حفاظا على الميزانيات السرية، وما خفي كان أعظم”، وفي خضم هذا الجدل انبرى صوت الصحفي الاستقلالي عبد الله البقالي ليقول، وكأنه يحاول التقليل من شأن انتفاضة الصحفيين المطالبين بضرورة “تفادي عزل الملك عن الصحافة”: إن “الإعلام الوطني غير مؤهل لمحاورة الملك”، ويشرح وجهة نظره التي عرضته لانتقادات كبيرة من لدن الصحفيين، عبر موقع هسبريس قائلا، “إن عدم انفتاح الملك على الصحافة، وهو تراجع عن الخطوات الأولى التي مهدت للعهد الجديد، إن عدم إجراء الملك لحوارات مع منابر إعلامية وطنية راجع إلى عدم كفاءة هذه الأخيرة وأيضا في ظل التنوع الكبير الذي يعرفه المشهد، حيث يوجد أكثر من 700 موقع إخباري وأكثر من 600 صحيفة ورقية..”.

   بعد هذا التصريح، وجد البقالي نفسه في وضع محرج أمام الصحفيين، الذين لم يجد غيرهم للوقوف معه، ميدانيا خلال محاكمته الأخيرة، وقد كتب موقع “بديل”، “إن مشكلة المغرب الخطيرة هي مخازنية الإعلام والتحليل، المتمخزنون أكثر من المخزن” وقد تراجع البقالي عن تصريحاته، التي لم تساير التطلعات الإعلامية، ليقول في آخر وقفة تضامنية معه: “أن المغرب يتوفر على إعلاميين أكفاء ووسائل إعلام قادرة على القيام بالمهام الإعلامية المطلوبة”، وكان البقالي قد وجد السند في الصحافة وليس في المجموعة المحضية(..) على خلفية الدعوى التي رفعتها وزارة الداخلية ضده، متهمة إياه بالقذف في حق بعض الولاة والعمال، من خلال مقال يُتهم فيه بعض المسؤولين في الإدارة الترابية بالاستفادة من “المال الحرام”، للحصول على مقاعد في مجلس المستشارين (موقع هسبريس).

  حالة الصحفي البقالي، لم تتفاقم بشكل كبير بخلاف قضية صحفيين آخرين، مثل أبو بكر الجامعي، الذي أصبح لاجئا في الولايات المتحدة الأمريكية، أو الصحفي علي المرابط، هذا الأخير قال له المسؤولون أن “مشكلته مع الملك”، ليترسخ سوء الفهم الكبير بين الصحافة والملك، وكان الصحفي المرابط قد دخل في إضراب عن الطعام، للحصول على حقه في جواز سفر، ليكشف المرابط، الذي حصل دعم مؤسسة “صحافيون بلا حدود” ما دار بينه وبين سفير المغرب في الأمم المتحدة، محمد أوجار حين قال له: “المغرب دولة الحق والقانون ولا يجب أن تمنعك من وثائقك الثبوتية، فقلت له، يضيف المرابط: كيف يكون المغرب دولة الحق ويحرمني من حقوقي؟ فأجاب: أنت لديك مشكل مع الملك”. (موقع الزنقة 20).

   “سيدي، لسنا سلطة رابعة، إننا سلطة مضادة، سلطة مضادة لفضح انحرافات واختلالات حكامة يبدو أنها أخذت منعطفا خطيرا، مجبرين ومضطرين، تحولنا إلى مؤرخين، وسوسيولوجيين، وسياسيين، واقتصاديين من أجل تحليل ونقد واقع يصبح يوما بعد يوم، أكثر إيلاما، أكثر ضررا، محاولين تغطية النواقص وملأ فراغ وهزالة الأحزاب السياسية، لقد تمكنت أنظمة الحكم، بفضل عمل الصحافة، أن تتحصن ضد أضاليل وأكاذيب بعض مسؤوليها.. سيدي، لا يمكن أن توجد أي حرية حقيقية للصحافة والرأي الديمقراطي بدون عدالة حرة ومستقلة.. إنها ضمانتنا الوحيدة.. ولكن نحن مضطرون.. سيدي، يلاحقوننا باسمكم، وباسمكم يضطهدوننا، وباسمكم يقاضوننا، وباسمكم يحكمون علينا، وباسمكم ينطقون بالأحكام: سنوات سجن، وغرامات مذهلة…” هكذا صرح الصحفي خالد الجامعي، سنة 2009، لتنضاف إلى هذا الحراك الصحفي، كلمات “الحقيقة الضائعة” التي خلقت الجدل وهي تتسائل: “أي خطر يتهدد إذن هؤلاء الذين يربطون حياتهم اليومية بالجمع بين الملك والسياسة، هذه الحشود من الصحفيين الذين أحب من أحب، وكره من كره، هم الذين تعتبر مقالاتهم، ولو ما بين ما يكتبونه من بين السطور، وقود تسخين المجمر السياسي في المغرب، وأنتم تشعرون بأهمية الحرارة في هذا البرد القارس، وهو وضع لا يهم الصحفيين المغاربة وحدهم، وإنما هي الصحافة، العمود الفقري لكل الهياكل الشعبية، ليس في هذه الدنيا، وربما حتى في الآخرة.. إلا أنه وبعد الهزة المحاولاتية(…) لإصلاح الأحوال السياسية في المغرب، وقد اعتبر بعض الناس أن دستور 2011 الذي جاء بعد ثورة الربيع العربي(…) إنما تم وضعه لمحاولة إصلاح الحال، الذي كان مترديا، وفعلا تأثر شيئا ما بهذه الوصفة الدستورية التي أدت إلى تشكيل الحكومة الملتحية(…)، لكن الوضع الصحفي بقي غريبا عن هذا الدستور وعن هذه المعافاة الديمقراطية” (مصطفى العلوي/ الحقيقة الضائعة عدد1 دجنبر 2016)، هذه النداءات الصادرة عن الصحافة تأتي لتؤكد وجوب تدارك الخلل في العلاقة بين الصحافيين وملكهم، وها هو رئيس الحكومة نفسه يقول في بلاغ باسم حزب العدالة والتنمية، أنه يدين “الزور والبهتان” فهل سيختارون اتباع “ركن الحقيقة” أم “الزور والبهتان” الذي لم يجلب سوى الخراب للبلدان التي اتبعت هذا المنهج.

error: Content is protected !!