مراجعة وثائقية نبيلة للمسار المغربي مع فرنسا نحو الاستقلال

الرباط. الأسبوع

   النقاش الشعبوي(…) الجاري هذه الأيام، حول التخطيط لتجهيل الشعب المغربي، عبر حرمانه من التعليم، إما بربط الراغبين في تعليم أولادهم وبناتهم بالتزامات مالية خارج طاقة أغلبهم، وإما بالدعوية الهمجية(…) إلى استعمال الدارجة، كخطوة أولى لتقنينها، وإما عن طريق تكريس الجهل المغربي، عبر إهمال دراسة التاريخ، أو حذف بعض الآيات من القرآن بدعوى محاربة الإرهاب. كلها عناصر تكاد تطغى على القرارات الحكومية، نتيجة سقوط المهام الشريفة للتعليم والتوجيه بين أيدي نخبة من الجهلة بأصول التاريخ المغربي والفاشلين في المدارس، وقد آلت إليهم أمور تسيير الوزارات والاستشارات، وهو ما يشكل خطرا على ذاكرة هذا الشعب المغربي الأصيل، والذي تعتبر ثوابته الدينية والملكية واللغوية، كنزا ثمينا يضاهي فيه أرصدة الدول العظمى.

مئات الوثائق والمستندات التاريخية في كتاب جديد صادر عن الخزانة الملكية

   أصدرت الباحثة المقتدرة المشكورة، الأستاذة بهيجة سيمو، مديرة الوثائق الملكية، لحسن الحظ، إنجازا وثائقيا ضخما، خليقا بأن يدرس في الجامعات المغربية، حول الرصيد الوطني لشعب المغرب وملكيته، وعنوانه يكاد يلمح إلى محتواه: ((المغرب وفرنسا المسار نحو الاستقلال 1912-1956)).

   ويشهد هذا الكتاب الضخم، على أن دولة المغرب كانت أضخم من أن تلتهمها الحماية الفرنسية، لنجد من بين الوثائق الثمينة في هذا الكتاب، مقتطعا لتصريح صحفي أدلى به المارشال ليوطي، سنوات قليلة بعد إمضاء الحماية، نشر في 14 أبريل 1925، يعترف فيه المارشال المحتل للمغرب، أنه بدأ يحضر لمغادرة فرنسا للمغرب، وأنه يتوق إلى أن تغادر فرنسا المغرب لتحتفظ على الصداقة المتينة مع الشعب المغربي فقط.

   ومن أهم الوثائق، رسالة من قطب الزاوية الوزانية بالمغرب، مولاي الطيب بن العربي، إلى أتباعه الشرفاء الوزانيين في تونس والجزائر، مؤرخة بـ9 دجنبر 1914، يحذر فيها الشرفاء الوزانيين مما يخفيه التحالف العسكري بين الجيشين العثماني المحتل لتونس والجزائر والدولة الألمانية.

   من بين الوثائق المجهولة التي تغني هذا السجل التاريخي، رسالة من وزير الدفاع الفرنسي كتبها في 15 غشت 1915، إلى وزير خارجية فرنسا، يخبره فيها بأن سلطان المغرب، مولاي يوسف، أهدى لجنوده المحاربين في فرنسا كتبا ثمينة، أخذ منها وزير الدفاع نسخا ليطلب من مندوبه في الديار المصرية توزيعها على مجموعات الطلبة المغاربة والجزائريين والتونسيين الذين يدرسون بجامعة الأزهر.

   وهنا تفاصيل عن التعديلات المقررة على الصيغة النهائية للعلم المغربي، قبل ترسيمه، ووقوف الملك محمد الخامس على تدشين مسجد باريس سنة 1933، الواقع الذي كذبته المناورات الحالية، وأسندت شؤون هذا المسجد إلى الجزائر.

   الكتاب غني بالصور والوثائق، بما فيها وثائق تأسيس التجارة، وإطلاق الأسماء التجارية للمنتوجات المغربية، وظهور السكر والشركة المكلفة به تعلن للمغاربة ظهور مادة السكر.

   دون أن تطغى هذه الوثائق على المسار السياسي لاستقلال المغرب، اعتبارا للإسهام الموثق للجيوش المغربية في تحرير فرنسا من الاحتلال الألماني، وتحرير إيطاليا على أيدي الضباط والجنود المغاربة.

   ورئيس الحكومة الصدر الأعظم، المقري، يبلغ القياد والباشوات بأوامر الملك محمد الخامس لليهود المغاربة أن لا يدعموا الصهاينة سنة 1940 لتأسيس إسرائيل.

   ويمتد اهتمام هذا الكتاب نحو عناصر المصداقية التاريخية، عبر سرد صور ووثائق عن المصاعب التي عانى منها الشعب المغربي في تلك السنوات، التي اضطرت المجاعة المغاربة، إلى أكل الجراد والنباتات، لتظهر أطراف المصداقية المؤكدة لما تضمنه هذا الكتاب، الناشر حتى لرسالة الرئيس الأمريكي روزفلت إلى الشعب المغربي، وكأنه يستأذن المغاربة في دخول الجيوش الأمريكية للمغرب خلال الحرب العالمية الثانية.

   هنيئا للأستاذة سيمو بهذا الإنجاز الذي يكشف أن أركان الديوان الملكي تحفل أيضا بالكثير من ذوي العزائم الإصلاحية، والمرامي الفكرية البناءة.

error: Content is protected !!