صورة نادرة للسلطان مولاي عبد العزيز، صديق المستشار(...) فوقاش، الصورة من كتاب الدكتور شاستيل ‎

الحقيقة الضائعة | عندما التزم الحسن الثاني كتابة بعدم التدخل في تشكيل الحكومة

صديق الملك.. فوقاش

بقلم: مصطفى العلوي

   يهيمن على المغرب، في هذه الأيام، إحساس تفاؤلي كبير حول المعجزة التي حصلت، وهي التي لم تحصل، لا أيام الحسن الثاني، ولا أيام المهدي بنبركة، ولا أيام علال الفاسي، ولا عبد الله إبراهيم.. ولا في أي عهد من عهود الآخرين، هم جميعا لم يستطيعوا تحقيق ظاهرة الإجماع الوطني.

   لكن رئيس حكومتنا المعين(…) عبد الإله بن كيران، عملها.. وحققها واستطاع أن يخلق إجماعا وطنيا، لا حول برنامج، ولا غاية، ولا قرار، ولكن حول كلمة واحدة رددها الشعب من أقصاه إلى أقصاه، هي كلمة: فوقاش. الصيغة الدارجية لكلمة متى، وقد حولها المراكشيون إلى  كلمة: إيمتا.

   فلا يمكن لصحفي سأل، مهما كان اتجاه صحيفته إلا عن تشكيل الحكومة، فوقاش، ولا مغربي من الخارج يتصل بأهله في التلفون إلا عن الحكومة فوقاش، الاستقلاليون الذين قبلوا المشاركة في الحكومة، يتبادلون بعد التحية كلمة فوقاش، والاتحاديون الذين قرؤوا بلاغ زعيمهم الاشكر بعد اتفاقه مع بن كيران، كلهم في ليلهم ونهارهم يتساءلون: فوقاش، والذين يحلمون بأكل الثمرة الخامجة بعد سقوطها، ليجعلوا من حزبهم، حزب الأصالة بديلا، يتساءلون هم أيضا: فوقاش.

   المغرب كله يمينا ويسارا يتساءل فوقاش، مع فارق بين سكان الشمال الذين يتساءلون: فوقاش، والجنوبيين الذين هم تحت النفوذ اللغوي المراكشي والصحراوي يتساءلون إيمتا.

   وتكمن أهمية ضخامة هذا الإجماع الوطني، حول كلمة فوقاش، في رصيد هذه الكلمة التاريخي، وهو ما يعطيها أهمية أكبر، انطلاقا من أن أول من أطلق هذه الكلمة، فوقاش، وربطها بالسياسة الوطنية، هو ملك البلاد سنة 1900، مولاي عبد العزيز، وكانت انتظاراته كبيرة وهو يحسب الأيام القليلة التي بررت الحماية الفرنسية وحضرت لها، وكان متيقنا في الساعات القليلة التي يخصصها للتعمق في سياسة البلاد، أن أيامه محدودة، فكان يردد بينه وبين نفسه في كل لحظة كلمة: فوقاش. وعندما يسقط يوميا في أحضان ما سماه الصحفيون الفرنسيون الذين كانوا يعاشرونه “ديوان الملاغة” ومعه صديقه الذي لا يفارقه، المنبهي واسمه المهدي، الذي أدرج الثورة المسلحة التي أعلنها المسمى بوحمارة، في عداد الهدرة الخاوية، فيستعجل السلطان سقوط بوحمارة متسائلا: فوقاش، وعندما يحدثه وزيره في المالية عمر التازي، عن الدعم المالي الفرنسي للمغرب، يسأله السلطان فوقاش، إلى أن حصلت المعجزة الكبرى، ودخل للسلام على السلطان وفد من الموسيقيين في إطار حفلات الملاغة، أعجبه عزف أحدهم، فاستدعاه السلطان وسأله عن اسمه، فأجابه: اسمي فوقاش نعاما سيدي، علي فوقاش، نعاما س، فكتب الرفيق الصحفي الفرنسي للسلطان “كابرييل فير”، جملة تغني عن كتاب، وكتب: ((ومنذ اللحظة التي سلم فيها علي فوقاش على السلطان، غادر فوقاش فرقته، وأصبح طرفا في القصر الملكي)) (في خلوة السلطان. كابرييل فير).

   وربما منذ حادثة هذا اللقاء، بين السلطان ورفيقه الجديد فوقاش، اختفت كلمة فوقاش، لتظهر بعد قرن من الزمن أيام رئيس الحكومة الحالية عبد الإله بن كيران، وتقفز كلمة فوقاش من مجال الأصالة إلى واقع المعاصرة، وهو السرد الذي يعود بنا إلى ذلك الواقع الجميل، أيام لم يكن في المغرب حزب ولا زعيم وكانت الأحداث المصيرية تكاد ترتبط كلها بتعبير فوقاش، بينما الواقع المغربي لم يتغير حتى في الحاضر من الأيام، وعلى أية حال، لم يتغير شيء، فقد كتب صحفي فرنسي في مذكراته: “إننا نأكل المشوي في بيت سفير المغرب، ونأكل الطاجين في بيوت المعارضين للنظام”.

   وهذا هو المغرب، وليس من حقنا أن نستغرب(…) من هذه الأسباب الخفية الكامنة وراء المشاكل العصية التي تواجه كل تشكيل للحكومات الحزبية، وقد ارتبطت هذه الظاهرة باستقلال المغرب، حتى زادها انفصام علاقات هذه الأحزاب عن الجماهير الشعبية، تعقيدا، ولله درُّ العارف المطلع على خبايا المغرب، الكاتب الفرنسي “شارل أندري جوليان” الذي خاطب مجموعة من ممتهني السياسة وأقطاب الأحزاب، يوما فقال لهم: ((أنتم انفصلتم عن الشعب، فلم تعودوا تعرفون ماذا يريد بالضبط)).

   وربما كان هذا المؤلف لأهم كتاب عن استقلال المغرب يجهل أو يتجاهل أن الانفصام بين الأحزاب والشعب، منطلق أصلا من الرغبة الملكية، في تفادي ذلك التحالف والتعاون بين الحزبيين والجماهير الشعبية، لأن تفاهمهم لا يكون إلا على حساب المؤسسة الأزلية المعروفة في المغرب باسم المخزن، مادامت الحزبية ظاهرة عصرية(…) غريبة عن هذا العرش المتأصل منذ مئات السنين، مئات السنين التي قطعت فيها مئات رؤوس كل من يتجرأ على السلطان، رغم أن سلاطين الدولة العلوية، وبعد انفرادهم بالحكم، كثير منهم صدقوا وعدهم بإصلاح أحوال رعاياهم، مثلما سقط الكثير منهم لأنهم استهانوا بكرامة وعيش هؤلاء الرعايا.

   وقد حرص المحجوبي أحرضان، وكان قد أسس حزب الحركة الشعبية، في شكل جدار فاصل بين القصر والخطر الحزبي، فحرص في مذكراته الأخيرة على أن يعطي الصورة المفجعة لهذا التباعد بين المخزن والأحزاب وكتب: ((في اليوم التاسع بعد جلوس الملك محمد السادس على العرش، أقيم الاحتفال في القصر الملكي بيوم عيد العرش، لكن وفود الأحزاب السياسية منعت من الحضور في هذا الاحتفال)) (مذكرات أحرضان. الجزء الثالث).

   أحرضان في صيغة كتاباته، يعتبرها صفعة كبرى للأحزاب السياسية، لماذا..؟ ربما كان هناك في أطراف القصر الملكي بقايا من مخلفات الحسن الثاني، في ذلك الزمان الذي كان فيه المحيطون بالملك الجديد محمد السادس، يعرفون التاريخ وما حفل به، يعرفون، وفيهم شهود على ذلك الزمن الذي كان فيه مؤسسا عهد استقلال المغرب، محمد الخامس والحسن الثاني، على اطلاع واسع بخبايا المواقف الحزبية، أيام مفاوضات رجوع الملك من المنفى، وهم يضعون الشروط الملازمة لعودة الملك، بأن لا يعود إلا بعد أن يوافق على أسس التعامل، انطلاقا من أن الملك يملك ولا يحكم، وكان فيهم الحزب الثاني، حزب الشورى والاستقلال وزعماؤه المشاركون في مفاوضات “إيكس ليبان”، يعلنون تفضيلهم لإقامة جمهورية في المغرب، كما كتب ذلك في مذكراته، الوزير الفرنسي “إدكار فور”، وكان طرفا في هذه المفاوضات، فيم كان القطب التقدمي في ذلك الزمان، عبد الرحيم بوعبيد، وهو حاضر في مفاوضات الرجوع، لا يخفي شروطه لرجوع محمد الخامس، ومرة سأله مفاوض فرنسي، أن يفسر وجهة نظره، فأجابه بوعبيد: “بودي أن أستفيد من تجارب إسرائيل الناجحة لا من هزائم العرب المتوالية”.

   وقد خلف تاريخ المرحلة الانتقالية من الحماية إلى الاستقلال، وثيقة تعتبر في إطار الحل الوسط، بين الطموحات التقدمية لبعض حملة الأفكار الثورية، وبين الملك محمد الخامس، الذي كان الفرنسيون يعرفون أكثر من المغاربة(…) مدى الارتباط الشعبي بالملك المنفي، ومدى ضعف الهيئات الحزبية البورجوازية(…) التي تقاسمت نبل الزعامة بين حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، وهي الحسابات التي على أساسها تدخل الجنرال “دوكول” ليأمر مفاوضيه الفرنسيين بأن يعجلوا بإرجاع محمد الخامس إلى عرشه.

   وتحت ضغوط القوات السياسية والعسكرية الفرنسية التي كانت متواجدة على التراب المغربي حتى بعد الاستقلال، أصدر الملك الحسن الثاني، بعد وفاة والده محمد الخامس، الذي كان احترامه وتقديره أقوى من الدستور، لكن الحسن الثاني، بمجرد تحمله مسؤوليات الملك، أصدر شبه دستور مؤقت سماه القانون الأساسي للمملكة، يلتزم فيه ((بإقامة ملكية دستورية تسمح للوطن المغربي، التقدم عبر مؤسسات تمثيلية لتحقيق الأهداف الوطنية (الفصل الثاني) والدولة تحمي كرامة مواطنيها وتضمن لهم ممارسة الحريات العامة (الفصل 8) والدولة تسمح لمواطنيها بالتمتع بحق فصل النفوذ واستقلال القضاء وكل الضمانات الديمقراطية (الفصل 9) والدولة تحمي مواطنيها ضد استغلال النفوذ، والحكم الفردي والرشوة (الفصل 11))).

   وقد أمضى الحسن الثاني هذا الالتزام الشبه دستوري غداة تنصيبه ملكا على المغرب، وحسب الطقوس المعمول بها، بتاريخ 17 ذي الحجة 1380، الموافق 2 جوان 1961.

   ولو بقي العمل بهذا النص، لكان المغرب اليوم قلعة من قلاع الديمقراطية، فرغم تحديد مهام الملك في هذا النص المكتوب، فإنه لم يتحدث عن تدخل الملك في تعيين الوزراء ولا إقالتهم، ولما كان المغاربة في سنة 2016 مشغولين كبيرهم وصغيرهم بكلمة فوقاش، بمعنى أنه لو يعوض الدستور هذه القواعد الأساسية للدولة المغربية، لما كان هناك رئيس للحكومة مضطرا للتفاوض قصد تشكيل الحكومة، ولكانت السلطة التنفيذية المنصوص عليها في هذا القانون الأساسي للدولة، بأيدي الحكومة وحدها.

   لولا أن الحسن الثاني، بعد تجاوز تلك الضغوط الفرنسية التي دفعته إلى إمضاء هذا القانون الأساسي الذي بعد أن هدأت الأحزاب المتنطعة(…) وقبلت أصول اللعبة، سارع الحسن الثاني إلى إصدار أول دستور عوض القانون الأساسي، وكان الدستور الأول طبعا، ينص على أن الملك يعين الوزير الأول والوزراء، لتعتبر وثيقة القانون الأساسي لسنة 1961 ملغاة نهائيا، حتى من أرشيفات الدولة المغربية.

error: Content is protected !!