في الأكشاك هذا الأسبوع

متابعات | توجيه أردوغان “ضربة حديدية” لبن كيران

سر لا يزال حزب العدالة والتنمية المغربي يدفع ثمنه

إعداد: عبد الحميد العوني 

   قبل يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المغربية، وفي عز معركة وزير العدل، مصطفى الرميد لدفع وزارة الداخلية إلى نزاهة الاستحقاق، وحرب حزب العدالة والتنمية لوقف تأثير مستشاري الملك على الانتخابات، قامت تركيا بوضع دعوى لدى منظمة التجارة العالمية ضد المملكة في شأن مسألة “الصلب” أو الحديد المصهر على الحرارة، المعروض من طرف منطقة إفريقيا الساحلية، فاستشاظت الرباط غضبا، ودفعت حزب الأحرار، الذي يدير كل وزارات المالية والتجارة في الحكومة، بأن يأخذ مسافة إضافية من حزب العدالة والتنمية الذي يرأس الحكومة.

   وسببت هذه “الضربة الحديدية” لرجب أردوغان، في ضغوط إضافية على بن كيران في موضوع تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات الأخيرة، إذ طالب الملك بن كيران، وفي خطاب للشعب من دكار بتشكيل حكومة تضع إفريقيا في قلب برنامجها، ولم يستطع حزب العدالة والتنمية المغربي أن يؤطر التنافس التركي ـ المغربي في القارة السمراء، ليساهم الوضع الجاري في أزمة “صامتة” تدفع رئيس الحكومة إلى تنازل حزبه عن وزارات استراتيجية.

   وهذه المعركة صعبة، لكن كل اتفاق مع تركيا يمر عبر بن كيران، لأن ما يدعوه الأتراك “الأمة الإفريقية الساحلية”، هي مفتاح المغرب في توريد غاز نيجيريا إلى أوروبا وباقي مشاريعه التي أطلقها مؤخرا في شرق القارة.

   ويبدو اختيار تاريخ “الضربة التركية ” مدروسا، بعد سنتين من وجود المشكل المعروض على المنظمة العالمية، لأن أنقرة لم تتوقع فوز بن كيران وحزبه، كما قال رئيس الحكومة إلى مسؤولين أتراك وأوروبيين، وصرح بهذه القناعة للعلن قبل أيام.

بن كيران يدفع ثمن التنافس التركي ـ المغربي في إفريقيا

   ليست المسألة متعلقة بتوريد الحديد، الذي فضل فيه المغرب الأفارقة على الأتراك، بل بحرب قادها جزء من الإعلام و”حزب الأحرار” ضد تمتين العلاقات الاقتصادية التركية ـ المغربية.

   وذهبت مهمة حزب الأحرار بعيدا في عرقلة تقدم العلاقات الاقتصادية المغربية ـ التركية، من خلال عمل وزرائهم في حقائب استراتيجية: اقتصادية ومالية، وأيضا لهندستهم العلاقات الجديدة مع إفريقيا.

   ويعترف المركز التركي الآسيوي للدراسات الاستراتيجية “تاسام” بوجود هذه المنافسة، لكنه دعا إلى “عهد جديد من بناء القدرات المتعددة الأبعاد في المنطقة الأفرو- أوراسية”.

   وفي هذه الحالة، يكون بن كيران وحزبه جزءا من الحل وليس جزءا من الأزمة، خصوصا وأن العاصمة الرباط تتحرك في إفريقيا جنوب الصحراء، وعلى صعيد تعزيز العلاقات مع موسكو، وهو ما تعمل عليه أنقرة.

   ويضغط حزب الأحرار، وجزء من السلطة، على بن كيران وحزبه ليواجه “النفوذ التركي” في إفريقيا، كي يأخذ المغرب نصيبه في هذا النزال، ولا يمكن لبن كيران بأي حال، أن يضع نفسه في موقع حرج من حلفائه الأتراك، ويطلب الأحرار تسليمهم مقاليد السياسة الاقتصادية المغربية في إفريقيا، كما عبر عنها خطاب الملك الموجه للشعب من العاصمة السنغالية دكار.

   ويمكن القول بوضوح، أن المغرب ترك تركيا التي تعد باب “أوراسيا” وطرق باب روسيا.

   وأثر هذا القرار على معركة النفوذ في إفريقيا، لأن الرباط وأنقرة يتحركان في نفس المنطقة المسماة وسط أفرو ـ أوراسيا.

   يقول مركز “تاسام” في ورقة تقييم حول العلاقات التركية ـ المغربية، إن “التعاون السياسي متأخر بين الدولتين لمصالحهما تجاه المنطقة وتجاه سياسات الدول الغربية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”.

   وتطابق المصالح في إفريقيا بين تركيا والمغرب، عامل مشترك للتنسيق أو الصدام، لأن المصالح واحدة على صعيد الأمن و”اللوجستيك” حسب المركز نفسه.

كان يمكن للمصالح الواحدة بين تركيا والمغرب أن تكون مفتاح تقسيم ذكي لحركة البلدين في القارة السمراء، وفي البحر الأبيض المتوسط ، لكن حزب الأحرار، بدعم من اللوبي الفرنكوفوني يرفض هذه القسمة، ويرغب في العمل تحت المظلة الفرنسية لوجود رابطة معروفة وشديدة بين باريس والرباط

   الخلاف بين الأحرار وحزب العدالة والتنمية استراتيجي إلى حد بعيد، ويمكن لزواج المصالح بينهما أن يستمر إن تركت رئاسة الحكومة كل الحقائب الاستراتيجية والقرار لحزب الأحرار، كما حدث في الحكومة المنتهية ولايتها، واقترحت أوساط في الدولة حل هذا المشكل من خلال دعم الشراكة المغربية ـ التركية نفسها.

   يقول أحمد الشرعي، القريب من دوائر القرار في العاصمة الرباط، في مقال له بالجريدة التركية “الدايلي صباح” يوم 11 فبراير 2016، أي قبل ثمانية أشهر من الانتخابات: “إن الوقت مناسب لدعم هذه الشراكة – المغربية التركية- داعيا إلى  صفقة تقسم الأدوار بين البلدين”، أي دعما تركيا لدور مغربي في ليبيا مقابل دعم مغربي لتركيا في العراق وسوريا، وفي الحالتين يحل المغرب مشكله النفطي ومشكل الطاقة في ليبيا، وتحاول أنقرة حل مشكلها مع الطاقة في العراق، عوض بحث البلدين على مشاريع مكلفة كما ظهر في أنبوب الغاز الواصل بين نيجيريا والمغرب، أو توريد الغاز إلى تركيا من إيران والدول السوفياتية السابقة.

   صفقة تقسيم النفوذ والدعم بين المغرب وتركيا في الشرق الأوسط وإفريقيا، انتهت إلى الصفر، وعاد البلدان إلى تنافسهما حول شرق إفريقيا والقرن الإفريقي كما يقترح “ساتام” في ندوة يوم 24 دجنبر الجاري.

   وفي حقيقة الأمر، أفشل المصريون أي تعاون تركي ـ مغربي في ليبيا لصالحهم، ولحل مشكلة الطاقة والنفط من خلال جارهم، كما سعت فرنسا إلى منع تعاون أنقرة والرباط، طيلة عهد بن كيران للانتصار إلى مصالحها، وعدم السماح للمغرب بتواجد “ندي” ينافسها في ليبيا.

   ولم تنافس المملكة فرنسا في ليبيا وغرب إفريقيا، مما عرقل تعاون تركيا والمغرب بطريقة جوهرية، وبالطبع مؤثرة، فمن التعاون العسكري بين أنقرة والرباط، وبدعم خليجي، والذي كان مقررا في 2014، انتهى الوضع إلى صعوبات شديدة في التصدير والاستيراد.

المشروع الصناعي العسكري بين تركيا والمغرب، وبتمويل خليجي بدأ التفكير فيه منذ 2014، وما يصطلح عليه في الأوساط المختصة بحادثة “هانويل” الشركة التي باعت أنقرة والرباط محركات “سي. أش47” وأفرزت في الكواليس رغبة شديدة في “التعاون التقني أو التكنولوجي” بين البلدين على مستوى الطيران، ويمكن في حال دعم مشاريع البلدين تعزيز التكامل في طائرات “ف 16” التي يعاد تأهيلها بنظام جديد كاشف للصواريخ

   خسر الأتراك والمغاربة فرصة التكامل، لأن الرباط وتركيا اضطرا إلى التنافس الشرس على الأدوار والنفوذ في خارطة إفريقية، صاعدة وجاذبة للاستثمارات، ومصدرة للطاقة.

   ومعروف أن 2014 كانت سنة فاصلة، في الوصول إلى اتفاق حول الصناعة العسكرية بتمويل خليجي، قبل أن يضطر الطرفان إلى محاولتهما الفاشلة في تقسيم النفوذ داخل القارة السمراء وفي المنطقة التي يستهدفها البلدان أي (وسط أفرو ـ أوراسيا).

   تقول ورقة استراتيجية في موضوع التكامل بين أنقرة والرباط: “إن استثمارات تركيا في المغرب لم تعد تتعدى 240 مليون دولار، وعملت الشركات التركية على رقم معاملات يتجاوز المليار ونصف المليار دولار، لكن الحرب عليها عطل مشاريعها، ودفعت الدولة إلى خفض التوريد في ميزان تجاري يصل فيه التصدير نحو المغرب 624 مليون دولار وتصدر فيه الرباط 379 مليون دولار”، وعدم وجود تعاون سياسي لم يوفر للأتراك أي فرصة، ويعتقد الجميع أن الفترة الجامدة لهم في المغرب تتمثل في حكومة بن كيران، وهو الجزء الذي تريد أطراف الوصول إليه لدعم تحول في المغرب يقصي (حزب العدالة والتنمية المغربي) من دائرة القرار، أو على الأقل يضعف هياكله، دون إثارة أنقرة.

   وتجد إشارات “الدايلي صباح” معنى مباشرا في تأكيد المقال على العلاقات القوية الإماراتية ـ المغربية، إذ قال، إن الملك محمد السادس عند العائلة الحاكمة في الإمارات هو “الابن المفضل”، ولا يمكن السماح بأي تحالف قوي بين حزبي العدالة والتنمية في تركيا والمغرب دون ضوء أخضر إماراتي، والرباط قادرة على الحصول عليه بشروط متفاوض عليها.

   والواقع أن الصفقة الخليجية ـ التركية لن تمر دون مباركة الإمارات العربية المتحدة، وقد يصل النفوذ التركي إلى ما يرمي إليه من أهداف، إن توصل إلى تفاهم مع الإمارات العربية المتحدة.

   وفي مطالعة أسرار جديدة نشرتها الصحافة الإسرائيلية، يكون حزب العدالة والتنمية المغربي قد واجه منذ مسيرة البيضاء، ضد “أخونة” الدولة نفوذ الإمارات، ولا يزال الوضع مفتوحا على صعوبات أخرى.

   حاليا، ليس لبن كيران حليف إقليمي، ولا تسمح له الدولة بذلك، ويتأكد يوما عن يوم، أن إفشال مشروع مندمج في صناعة الطيران العسكري بتمويل خليجي وتعاون تركي ـ مغربي، هو ما أكد للجميع أن مشاريع السعودية في المغرب تمر عبر بوابة الإمارات العربية المتحدة.

   وعوض أن تتطور العلاقات التجارية والاقتصادية بين أنقرة والرباط، وجدنا الشكاوى الموجهة لمنظمة التجارة الدولية، في وقت نعرف فيه أن المغرب سعى، قبل حصول حزب العدالة والتنمية على رئاسة الحكومة، إلى دعم التجارة الحرة بين البلدين منذ السابع من أبريل 2004، في إطار ما سمي “المشاركة الفعالة في مسلسل الاندماج الاقتصادي في أوروبا وفي حوض البحر الأبيض المتوسط”، وقد عبر البلدان عن استعدادهما لإيجاد الطرق والوسائل الكفيلة بتقوية هذا المسلسل، والواقع أن هذا المسلسل توقف وتوجهت 62 في المائة من استثمارات المغرب إلى إفريقيا، فيما وجدت تركيا متنفسا استراتيجيا لتجارتها في نفس القارة، فأصبح صراع البلدين “لا غبار عليه”، لكن انقشاعه أعمى بصر حكومتين يرأسهما إسلاميان في كل من تركيا والمغرب.

   وسقطت آفاق الشراكة بين تركيا والمجموعة الاقتصادية الأوروبية، وكذا الشراكة الأورو ـ متوسطية المنشئة للشراكة  بين المغرب والمجموعة الأوروبية، على حد ما ورد في ديباجة الاتفاق الذي جمع بين المملكة المغربية وجمهورية تركيا.

ثمن فشل تكثيف الشراكة التركية ـ المغربية يدفعه بن كيران وحيدا

   يذكر المتابعون ما طرأ لأردوغان في المغرب، حين عزلته السلطات لتتحول زيارته من زيارة دولة” إلى زيارة “حزبية” تقريبا.

   يقول تقرير “أوكسفورد بيزنس غروب”: “إن اتفاقيات التبادل الحر التجاري المختلفة عمقت العجز التجاري، والهجمة على الشركات التركية، في العقار ومشاريع البنية التحتية، جمدت الاستثمار التركي بالمملكة في حدود 240 مليون دولار حسب الفايننشال تايمز واستثمار الشركات في مليار دولار”، ويدفع بن كيران وحده ثمن تراجع حليف مركزي له في السوق الداخلي.

   ولم تتراجع معاملات المغرب مع تركيا، في “اتفاقية أكادير”، بل تراجعت مع أطراف أخرى في الاتفاقية، مصر وتونس والأردن، وعلى ذلك يمكن القول بأن مشروعا استراتيجيا كاملا سقط، فقد بدأ الوزير الأول الأسبق، إدريس جطو التفاهم مع تركيا على أساس تجاري عام 2004، لكن بتحول المشروع إلى أجندة استراتيجية فقدت التجارة قوتها وإدارتها.

يريد الأتراك إعادة إطلاق الشراكة التركية ـ المغربية عام 2018، لكن الأجندة “الإفريقية” تبقى عائقا وجزءا من الحل في حال تفاهم العاصمتين، الرباط وأنقرة

   في القمة التي يعقدها مركز التجارة الدولي المرتبط بمنظمة التجارة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة، عاد تمثيل تركيا إلى ما يعرف اختزالا بـ”تيم” أو “مجموعة المصدرين الأتراك”.

   ويتقدم الموضوع الإفريقي تحت عنوان “إفريقيا الصاعدة” في المؤتمر المرتقب سنة 2018، والواقع أن أنقرة تريد أن تدعم حكومة بن كيران تحت أي ظرف، رغم شكايتها إلى منظمة التجارة العالمية ضد المغرب.

   ويحاول رئيس “مجموعة المصدرين الأتراك”، محمد بويو إكشي، بناء جسور جديدة للثقة بين العاصمتين أنقرة والرباط لتجاوز ما حدث وبداية صفحة جديدة.

   والرسالة التي وقعها بويو كيكسي في 27 نونبر 2016، ترمي إلى دعم المشاركة في التجارة الرقمية، والقيمة العالمية للسلاسل ـ التجارية ـ أو التحالفات في بناء المستقبل، ولا يمكن الحديث عن غد أفضل بين تركيا والمغرب، دون رأسمال استثماري مندمج لتركيا في المغرب، لأن أنقرة دفعت ثمن “احترام المغرب لمسلسل برشلونة” مع الأوروبيين، ثمن مسلسله الإفريقي الذي يحمي فيه استثماراته الخارجية في القارة السمراء، بما يدفع حكومة بن كيران الثانية لتحويل برنامجها إلى هذه القارة.

   ولا يمكن، في هذه الحالة، الحديث عن نقل أهداف المملكة خارج الحدود، أو إعادة ملإ الفراغ الذي تحدثه هجرة كل “البرامج والاستراتيجيات” إلى وجهة واحدة.

   وكما لم يخل “مسلسل برشلونة” من مخاطر، كما يورد تقرير “أنتيرناشيونال منيتري فوند” الصادر في 21 أبريل 2004، فإن مسلسل “أفرقة” الاقتصاد المغربي بشكل سريع وواسع قد يعقد أهدافا في المتناول حاليا.

   ويسود اعتقاد بأن أنقرة والرباط على طرفي نقيض، فالأولى تدفع الاقتصاد نحو عملتها (الليرة)، والمغرب يحرر الدرهم، لكن الأجندة الأمنية تجمعهما، وحاولت الـ”سي. آي. إي” الوصول إلى تفاهم أمني تركي ـ مغربي لمحاربة تجارة الحشيش المغربي من قبل “داعش”، ونشرت “نيويورك تايمز” الأمريكية في 14 من شتنبر الماضي بقلم روكميني كليهاشي، تفاصيل حول هذه التجارة الخاصة بالحشيش المغربي من ليبيا إلى إيطاليا نحو “داعش” في العراق وسوريا.

   وهمشت العاصمتان الرباط وأنقرة الموضوع المثار أمنيا لاعتبارات كشفت عن تقدم الخلاف بطريقة استراتيجية بين أنقرة والرباط في إفريقيا بتشجيع فرنسي كامل، ووفر الأحرار الغطاء الحزبي لهذه المعركة.

بناء العلاقات التركية ـ المغربية على الدائرة الأوروبية، في شراكة الاتحاد الأوروبي مع البلدين، أو الدائرة المتوسطية انتهى إلى دمار شامل، وتحاول روسيا الآن قيادة العلاقات بين أنقرة والرباط

   لا يمكن المرور إلى أوراسيا دون روسيا، لأن المغاربة والأتراك وضعوا مفتاح اللعبة في هذه المنطقة بيد بوتين، والرئيس الروسي يرسم سقف التوقعات والمواقف، منذ احتجاج السفير الروسي في المغرب على تصريحات بن كيران، كي لا يتجاوز رئيس الحكومة المغربية ما وافق عليه أردوغان بعد الانقلاب، وما رسمته الشراكة الروسية ـ المغربية المعلنة مؤخرا، وفي هذا الخضم، يلاحظ الجميع أن ترامب وحده من يستطيع أن يكسر المعادلة ويعيد بناءها.

error: Content is protected !!