في الأكشاك هذا الأسبوع

فوضى الفتاوى السياسية المتعلقة بتشكيل الحكومة

عبد اللطيف بروحو*. الأسبوع

   عرف المغرب خلال الأسابيع الأخيرة جدلا سياسيا محموما، بدأ منذ الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة وتعيين عبد الإله بن كيران وتكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة، وقد تمركز هذا النقاش السياسي بالأساس حول التحالفات وأسس تشكيل الأغلبية البرلمانية الجديدة وحظوظ النجاح والفشل في ذلك.

   وبالموازاة مع النقاش الدستوري الذي استمر طيلة هذه الفترة، تابع الرأي العام المغربي مجموعة من الخرجات الإعلامية التي استهدف البعض من خلالها طرح “أمنياته السياسية” وحاول تغليفها بقاعدة دستورية على الرغم من أن الكثير من الأفكار حاولت الالتفاف على النص الدستوري أو إيجاد تأويلات غير دستورية.. وأمام هذه الفوضى في “الفتاوى” السياسية التي تعرفها الساحة السياسية بالمغرب، والتي يمكن أن تؤدي إذا ما انسقنا وراءها إلى “فوضى دستورية” غير محمودة العواقب، يحتاج الرأي العام أكثر من أي وقت مضى، إلى نقاش قانوني ودستوري حقيقي وهادئ، فعلى الرغم من أن الخطاب الملكي ليوم السادس نونبر 2016 كان قد وضع مجموعة من القواعد الكبرى المحددة لطريقة تشكيل الحكومة الجديدة، فإن “أصحاب الفتاوى الدستورية الشاذة” استمروا في الخروج بالتأويلات الغريبة المنافية للأحكام وللممارسات الدستورية المتعلقة بدور السلط والعلاقات بين بعضها البعض، ولأسس تشكيل الحكومة وقواعد وضع هندستها، والمبادئ المتحكمة في صياغة البرنامج الحكومي، وهي كلها محاور مؤسِّسة تشكل منظومة متكاملة ضمن الوثيقة الدستورية وتوضح بجلاء، مجال تدخل هذه السلط والمؤسسات الدستورية، سواء أثناء تشكيل الحكومة أو بخصوص آثارها الدستورية ومسار التعيين الملكي والتنصيب البرلماني.

   وعلى هذا الأساس، يتعين الرجوع إلى القواعد الدستورية المتحكمة في هذه اللحظة الحاسمة في المسار الديمقراطي المغربي، وفتح نقاش هادئ ومؤسَّس على هذا المستوى، فقد كثر اللغط حول حالة عدم تمكن عبد الإله بن كيران من تشكيل هذه الأغلبية، وكثرت بالتالي “الفتاوى” حول الآثار المترتبة عن هذا الفشل الذي يتوهمه البعض على الرغم من أن الأستاذ بنكيران نفسه، لا يقول به ولا زال في مرحلة المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة.

   وبدأت الأقلام تسيل بمداد كثير يتعلق بالانتخابات السابقة لأوانها وكأنها الحل الوحيد المتاح في هذه الحالة، وهذا فيه تعسف واضح على النص الدستوري نفسه وعلى الاختصاصات المخولة دستوريا للملك ولرئيس الحكومة المعين.

   فخلافا لما يعتقد البعض، فإنه في حالة عدم تمكن رئيس الحكومة من تشكيل الأغلبية الحكومية، يمكن الوقوف على عدة خيارات دستورية متاحة، وليس فقط خيارا واحدا كما يحاول البعض ترويجه، ويبقى اللجوء إلى إحدى هذه الخيارات مسألة تقدير سياسي للسلطة الدستورية المختصة (جلالة الملك).

   وعلى الرغم من أن اللجوء إلى إحدى هذه الخيارات الدستورية قد يثير مواقف متباينة بين مؤيد ومعارض، إلا أنها تبقى إجراءات مستنبطة صراحة أو ضمنا من أحكام دستور 2011 بغض النظر عن ملاءمتها سياسيا للحظة الحالية.

   فالأمر يتعلق هنا أساسا بالإمكانية الدستورية المتاحة لجلالة الملك للجوء إلى ثلاث خيارات دستورية متاحة عند عدم التمكن من تشكيل الأغلبية الحكومية:

   – قيام جلالة الملك بحل مجلس النواب الجديد بظهير والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة.

   – قيام جلالة الملك بتعيين رئيس حكومة جديد من الحزب نفسه الحاصل على الرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة ومنحه فرصة جمع الأغلبية البرلمانية.

   – أو قيام جلالة الملك بتعيين الشخص نفسه رئيسا للحكومة مرة أخرى، ومنحه فرصة جديدة لتشكيل أغلبية حكومية، وذلك على أساس منهجية مختلفة لتشكيل الحكومة وصياغة البرنامج الحكومي.

   فقد يبدو للبعض أن اللجوء إلى إحدى الخيارات الدستورية، غير ملائم سياسيا في ظل الظرفية التي يعرفها البلد، في حين قد يبدو خيارا آخر من عمق التأويل الديمقراطي للدستور، فهذه الأحكام الدستورية هي عامة ومجردة، ويبقى للسلط الدستورية المختصة تقدير مسألة اللجوء إلى إحدى الخيارات من عدمه.

   ويعتبر السهر على صيانة الاختيار الديمقراطي أهم الاختصاصات المرتبطة بهذا المجال القابل للتأويل والاختلاف، والمتعلق بآثار العملية الديمقراطية من أساسها، وعند الاختلاف في التأويل الديمقراطي للدستور، فإن اللجوء إلى التحكيم الملكي يعتبر من صميم ممارسة هذا الاختصاص الرئاسي للملك، ويجد أساسه الواضح في دستور 2011، وذلك أيضا خلافا لما يعتقد البعض الذي يحاول وضع قيود سياسية على تطبيق الأحكام الدستورية خدمة لمواقف سياسية شخصية، وهو ما لا يمكن أن يقول به عاقل، فالنص الدستوري يجب أن يحكم العلاقات بين المؤسسات الدستورية ويؤطر النقاش السياسي وليس العكس، أما الاستعمال السياسي والانتصار لمواقف شخصية (من قبل بعض الأكاديميين والإعلاميين)، فيؤدي إما إلى ابتداع أحكام لم ترد في دستور 2011، أو إلى تقييد أو تضييق مجال تطبيق النص الدستوري في حد ذاته، أو إلى ربط ممارسة الاختصاصات الدستورية بشروط سياسية وهمية لم ترد في الوثيقة الأساسية للمملكة، وهو ما سيؤدي إلى تفاقم فوضى الفتاوى الدستورية التي أشرنا إليها أعلاه.

                                                                                                                                                                               *متخصص في العلوم الإدارية والمالية العامة

 

error: Content is protected !!