أهذه دولة أم بقرة؟

المصطفى دريد. الأسبوع

    نتابع، نحن المغاربة منذ أسابيع وبغرابة، مسلسل تشكيل الحكومة، ونتعجب كيف تتهافت الأحزاب على الكراسي الوزارية، ونلاحظ كيف يسيل لعابها على الوزارات التي تلد ذهبا، فالطبيعي أن يعتز الحزب بكفاءاته وقدرته على التوفق في تسيير وزارة معينة، بغض النظر عن الضخامة المالية لهذه الوزارة أو حجم الصفقات التي تعقدها سنويا أو حجم التعويضات والسفريات، وغالبا ما يتوفق في ذلك، ويكون قد قدم خدمة للوطن وللمواطن يشهد له بها التاريخ بعيدا عن الجشع والطمع.

   نحن نعلم أنه في بلدنا العزيز، يبقى منصب الوزير منصبا سياسيا يكتنفه الريع والكسب من كل جوانبه، وهنا يكمن سر الإخفاقات المتتالية  في مجمل قطاعات الدولة، عكس ما يحدث في البلدان المتقدمة، فالوزير لكي يتربع على كرسي الوزارة، لا بد أن يكون ممن تربوا في متاهات القطاع الوزاري ويعلم خباياه الدقيقة وأسراره، وأن تكون له الرؤيا الواضحة والصادقة لتطويره، ناهيك عن استعداده للمحاسبة والمساءلة في كل وقت وحين، على العكس عندنا، فالأمر يختلف تماما، ذلك أن الحزب يحصل على نصيبه من “البقرة” ويوزع القطع السمينة على العناصر النافذة فيه ويضمن لهم الحصانة الكافية ليعبثوا كيفما شاؤوا، ولقد أشار خطاب الملك الأخير لهذه الظاهرة الغريبة التي لم تعد تخجل الأحزاب وهم يتخاصمون ويتشاكسون بلا حياء لاقتسام الفريسة وانتزاع القطع السمينةعلى شاكلة الضباع في البرية، ولم يقو بن كيران على تشكيل حكومته لحد الساعة بسبب النزاعات وسياسة شد الحبل والأطماع المكشوفة، ومع ذلك تسير أمور الدولة بدونها، وخيرات المطر عمت كل أنحاء البلد، والملك يحقق في غيابها إنجازات استراتيجية للبلد ولقضية الوحدة الترابية بإفريقيا، وهناك من الأحزاب من نسي العداوة والبغضاء واصطف إلى جانب ألذ أعداء الأمس، وأصبحنا نرى أنصاف الإسلاميين يتحابون في السياسة مع أنصاف الشيوعيين أو مع العلمانيين، والاشتراكيون المزيفون لا يجدون حرجا في التخندق مع أباطرة المال والأعمال الرأسماليين، ولتسقط إلى الأبد كل المبادئ والمرجعيات والأخلاق والقناعات الحزبية والعفة عندما تسقط البقرة السمينة وتشحد السكاكين.

   المتهافتون على الكراسي الفارهة لا تكون أعينهم عادة على الراتب الشهري المحترم جدا، ولا على التعويضات الخيالية المتنوعة والامتيازات الريعية، ولا حتى على راتب التقاعد مدى الحياة، لأنها مكسب مضمون، لكن ما تظل تجود به عليهم ميزانيات الوزارة من تساقطات غزيرة هو الأهم،  فإلى متى ستبقى ديمقراطيتنا مريضة إلى هذا الحد، وتظل شؤون حياتنا في يد حكومات لا تزال ترى الدولة كالبقرة.

error: Content is protected !!