بن كيران ومسؤولية الإخفاق في تشكيل الحكومة

بقلم: التباع عبد الفتاح

   مرت أكثر من 70 يوما على تعيين جلالة الملك محمد السادس للأستاذ عبد الإله بن كيران رئيسا للحكومة طبقا لمقتضيات الدستور بصفته الأمين العام للحزب الذي تصدر نتائج الانتخابات التشريعية لسابع أكتوبر الماضي، وما زال أمين عام حزب العدالة والتنمية إلى حدود كتابة هذه السطور، لم يتوصل إلى الإعلان الرسمي عن إتمام مهمته، فيما تستمر لعبة إثارة الأعصاب بين مؤيد ومعارض لدور بن كيران وطريقة أسلوبه في التعامل مع تشكيل الحكومة، فمؤيدوه يلقون التهمة على الأحزاب التي يتشاور معها بن كيران، بينما معارضوه يحملونه مسؤولية تعثر تنفيذ مهمته، وبين هذا الفريق وذاك، يظهر السيد بن كيران مثل الساحر الذي يلهي الرأي العام بحركاته البهلوانية في انتظار إخراج الأرنب الأبيض من قبعته السوداء.

   كثيرة هي الأسباب التي سوقها الذراع الإعلامي لحزب العدالة والتنمية بناء على تصريحات بن كيران لتبرير تعثر عملية تشكيل الحكومة، وانتهج أسلوب تمييع مواقف الأحزاب التي يتشاور معها، من قبيل أن حزب التجمع الوطني لأحرار وضع شروطا مجحفة، وحزب الاتحاد الاشتراكي تعامل بأكبر من حجمه الانتخابي، وحزب الحركة الشعبية ربط مصيره بحزب الأحرار، كما فعل حزب الاتحاد الدستوري.

   ولم يتردد بن كيران في تسريب مضامين المشورات التي أجراها مع الأحزاب السياسية، من قبيل أن زعيم حزب الحمامة، الذي وصفه بالحزب “المعطوب”، طلب منه استبعاد حزب “الميزان”، وأن زعيم حزب “الوردة” صعد إلى رأس الجبل، كما تحدث عن زعيمي حزبي السنبلة والحصان واصفا موقفيهما بـ”المتاع المرهون”، وإلى غير ذلك من المعلومات التي سربها إلى وسائل الإعلام بخصوص المشاورات التي دارت بينه وبين زملائه في الحقل السياسي.

   بعض المتتبعين لحركات بن كيران ذهبوا إلى أن الرجل تعمد أسلوب تسريب مضامين المشاورات بهدف وضع الرأي العام المغربي في الصورة، وعلق أنصاره على هذا التصرف بالأسلوب الحكيم والذكي، لأن ثمة نتيجة تحققت من ورائه، وهي أن السيد بن كيران، ضرب عصفورين بحجر واحد، كشف أطماع الأحزاب السياسية وضيق رؤيتها السياسية من أجل إلقاء اللوم عليها وتحميلها مسؤولية الإخفاق في تشكيل الحكومة، وفي الوقت نفسه، واصل حملة البروباغندا التي يقودها لفائدة حزبه، باعتباره حزب الشعب، في مواجه أحزاب النخبة.

   لكن بالنسبة لفريق من المتتبعين الذين يحللون أسلوب بن كيران في التعامل مع مهمة تشكيل الحكومة، بعيدا عن الانتماء الحزبي والاعتبارات السياسية، يرون أن الرجل ارتكب أخطاء فادحة خلال ثلاث محطات رئيسية في درب تشكيل الحكومة:

   المحطة الأولى: تعثر بن كيران منذ اللحظة الأولى في مهمته ومنذ الدقائق الأولى لإعلان نتائج الانتخابات، وحتى قبل تكليفه من طرف الملك، حيث قسم الساحة السياسية إلى أحزاب متضامنة معه وأحزاب مناوئة، معلنا أن حزبي التقدم والاشتراكية والاستقلال هما في صفه، وأن الأصالة والمعاصرة والأحرار والاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي ضمن جبهة الضد، مستندا إلى الاجتماع الذي عقدته أحزاب المعارضة في 8 أكتوبر الماضي، واشتغل على هذا الطرح بواسطة الذراع الإعلامي للحزب ومن خلال شبكات التواصل الاجتماعي، بوضع أحزاب في مواجهة أحزاب أخرى، دون أن ينتبه إلى نتائج تصرفاته التي ستنعكس بشكل أوتوماتيكي على مسار المشاورات، وهو ما عقد عليه الأمر بشكل أكثر وهو يتفاوض مع أحزاب منقسمة في ذهنه كما قسمتها تصريحاته وهفوات لسانه غير محسوبة العواقب.

   المحطة الثانية: عندما بدأت المشاورات وتعمد الرجل تسريب مضامين اللقاءات التي جمعته بزعماء الأحزاب السياسية، معتقدا أن إفشاء أسرار اللقاءات سيضعف مواقف الأحزاب التي يتشاور معها ويجعلها في مواجهة بعضها البعض، عملا بقاعدة “فرق تسد”، فيما ذهب عن تخمينات السيد بن كيران، أن إفشاء أسرار اللقاءات التي يعقدها بشكل ثنائي مع كل حزب على حدة سيقوده إلى تصلب مواقف الأحزاب السياسية التي أدخلها في معارك دونكيشوطية تندلع في وقت ما بعد الانتختبات، وهي حالة شاذة واستثنائية في المشهد الديمقراطي.

   لم ينتبه بن كيران أن تسريب مضامين اللقاءات التي أجراها مع زعماء الأحزاب أشعلت النار في الحطب وجعلت زعماء أحزاب في مواجهة نظرائهم، الأمر الذي أشغل الرأي العام بمعارك خالية من أي هدف سوى تعطيل المهمة التي كلف بها ويتحمل مسؤولية إنجاحها.

   المحطة الثالثة: التي كانت مثل القشة التي كسرت ظهر البعير، وجعلت بن كيران يقف في طريق مسدود، هو أنه في الوقت الذي عمل على إلقاء اللوم على الأحزاب التي يتشاور معها للتملص من مسؤولية “البلوكاج”، قام بإطلاق بالون اختبار يتمثل في الإيحاء للرأي العام بعزمه إعادة المفاتيح إلى الملك، وإعلان الفشل ثم ربط الفشل بمواقف الأحزاب.

   الغاية من الإيحاء بإرجاع المفاتيح إلى الملك، التي روج لها الحزب عبر وسائل إعلام تابعة له، هو وضع الملك أمام سياسة الأمر الواقع، وجعله في صف حزب العدالة والتنمية ضد أحزاب معطوبة وأحزاب متمردة وأحزاب فاشلة، وهذه أخطر محاولة لإقحام الملكية في صراعات حزبية في مرحلة ما بعد الانتخابات، كما استهدف بن كيران أن يمده الملك بطوق النجاة ويتدخل في تشكيل الحكومة، بينما الملك كان حاسما في الخطاب الذي وجهه إلى الشعب المغربي بمناسبة الذكرى 41 للمسيرة الخضراء، من العاصمة السنغالية دكار.

   الجدير ببن كيران، أن يكون في مستوى مهمة تشكيل الحكومة، والأجدر به لو يكون مثل العلبة السوداء كتوما ومتواضعا ولو لبعض الوقت حتى إنهاء مهمة تشكيل هذه الحكومة التي لم تولد بعد.

error: Content is protected !!