في الأكشاك هذا الأسبوع

متابعات | مصالحة “الواقع” بين النظام وجماعة “العدل والإحسان” أفشلت انتفاضة كبرى في الريف، ووضعت الطرفين في “خندق أمني واحد”

في آخر تقرير “صادم” لمخابرات الحرس في إسبانيا، وبالتزامن مع ذكرى وفاة مؤسسها عبد السلام ياسين

إعداد: عبد الحميد العوني 

   قال تقرير إسباني من 51 سطرا، “إن السلطات المغربية دعمت جماعة العدل والإحسان في الاحتجاجات لكسر التطرف الأمازيغي في الريف، وكي يكون محسن فكري ـ المطحون في شاحنة النفايات ـ ضمن سلسلة الضحايا، وعقدت الجماعة صلات بين أصدقاء الشهيد عماري وعائلة الشهيد فكري، الذي يحضر أبوه اجتماعات محلية لحزب العدالة والتنمية في الحسيمة”، وعلق أحد قادة الجماعة، منير الجوري: “لا يمكن عزل حادثة فكري عن الأحداث المشابهة التي عرفها المغرب”.

   وفي الفقرة الثانية لتقرير مخابرات الحرس المدني المتابع لتطورات الاحتجاجات في شمال المملكة: إن الجماعة بثقلها في الاحتجاجات لانتماء قادتها إلى وجدة، “منعت المظاهرات من الوصول إلى الحدود الجزائرية”، وأفشلت “العدل والإحسان” مخطط ثاني حزب بالمملكة (الأصالة والمعاصرة ) في إرباك بن كيران من خلال حادثة الريف، وهو ما زعزع القناعة بنجاعته في منطقة، استطاع الإسلاميون فيها السيطرة على عائلة وأصدقاء محسن فكري دفعة واحدة.

   وفي أول خلاصات المخابرات الجارة قال الحرس المدني: “إن مصالحة الواقع بين النظام وجماعة العدل والإحسان، تعززت بعد الانتخابات العامة للدائرة السياسية للجماعة يوم الأحد 27 نونبر 2016، وهو ما يؤشر إلى دخولها اللعبة قريبا، جراء فشل حزب الأصالة والمعاصرة في هزيمة حزب العدالة والتنمية”.

   وهزيمة مكون إسلامي لآخر، حالة ناجعة، تقررت في صراع غولن وأردوغان في تركيا، والسلفيين والإخوان في مصر، وتحالف حزب الأصالة والمعاصرة مع حزب اليسار الإسلامي “البديل الحضاري” بقيادة المعتصم “لم يصل إلى غايات واضحة مع دوائر القرار التي تزيد من توسيع هامش حركة جماعة العدل والإحسان”.

تأصيل دخول اللعبة السياسية من فكر عبد السلام ياسين، وبتأويل جماعي جديد، يقصي رسالة “الإسلام أو الطوفان” ويضع فاصلا بين العمل السياسي والبرنامج العام للإصلاح والتغيير، بعيدا عن خطاب الإمام الموجه إلى صديق أمازيغي أو إلى الفضلاء الديمقراطيين، وهو ما يمنح الجيل الجديد، الداعي لمصالحة “الواقع” مع النظام، متنفسا من كتاب “العدل” أو “مقدمات”، فالحوار مع الأمازيغ أو الأحزاب تحت عنوان الفضلاء الديمقراطيين، من أجل ميثاق وطني للإصلاح والتغيير، انتهى إلى بحث آخر للمصالحة مع النظام

   تقول المداخلة الرئيسية في اجتماع 27 نونبر 2016، وقدمها عبد الواحد المتوكل: “ينبغي التمييز بين شروط العمل السياسي والبرنامج العام للإصلاح والتغيير”.

   ويعد هذا التمييز تحولا جذريا في فكر الجماعة وسياستها، بل تقتنع دوائر الاستعلام الخارجي، أن 27 نونبر 2016، ميلاد جديد للجماعة وبداية للعمل المؤسساتي لها، والمسألة مسألة وقت، فبن كيران هو من سيعطي ميلاد حزب الجماعة (العدل والإحسان) وبداية نهاية حزب العدالة والتنمية، يقول المتوكل بالحرف: “شروط العمل السياسي تعني ضرورة التوفر، بالحد المقبول على الشروط الدستورية والقانونية والتنظيمية التي تسمح بتنظيم انتخابات حرة ونزيهة، وقيام حكومة مسؤولة ومنسجمة، وبرلمان يستطيع النهوض بمهامه التشريعية والرقابية والتمثيلية”، ولو كان لبن كيران حليف قوي لاستطاع التقدم خطوة نحو أهدافه.

   وخسرت الجماعة انتخابات السابع من أكتوبر الماضي، لأن ما يطلبه “الياسينيون” في الحد الأدنى متوفر، وربحوا في المقابل انتخابات طاقم آخر للأمانة العامة للدائرة السياسية، ويزيد المتوكل توضيح هذا التمييز بقوله: “أما برنامج الإصلاح والتغيير فهو شيء آخر، والذي يمكن المذاكرة حوله والتوافق بشأنه لتفادي الطفرات غير المحسوبة والمغامرة غير المضبوطة” مستشهدا بقول عبد السلام ياسين: “إن إصلاح هذا الفساد يتطلب علاجا طويلا وجراحة متخصصة، وتجريع المريض الدواء المر، وحمله على الالتزام بالموعد على قبول التطبيب طوعا أو كرها”.

النظام وجماعة “العدل والإحسان” في خندق واحد ضد الطفرات غير المحسوبة والمغامرة غير المضبوطة

   في الريف أو غيره، تحركت جماعة “العدل والإحسان” ضد ما تسميه الطفرات غير المحسوبة والمغامرة غير المضبوطة، وهو ما يجعلها استراتيجيا في خندق واحد مع النظام المنسحب أمنيا في الحسيمة، وفي مناطق عدة منذ حراك 20 فبراير 2011، كي تنتهي “التظاهرات الكبيرة بشكل سلمي”.

   وإن تطورت اللعبة من تأمين الشارع مع “العدل والإحسان” إلى مشاركتها، فلن تحدث مفاجأة لحسابات مركبة تكشفها التقارير الغربية:

   أ ـ أن جماعة “العدل والإحسان” تدفع كل التظاهرات إلى الانضباط.

   ب ـ أن مجموع منتميها الـ”200 ألف عضو” حسب وكالة “رويترز”، معظمهم من الشباب، الذي يفرض شروط التظاهرات الجامعية وانضباطها على 90 في المائة من التظاهرات القطاعية وعلى 58 في المائة من الاحتجاجات العامة.

   ج ـ تطوير الاحتجاج كي يكون سياسيا أو وطنيا، يسمح بعدم الانزلاق أكثر إلى “الشعارات العرقية” بنسبة 28 إلى 35 في المائة.

   واستعملت جماعة “العدل والإحسان” ثقلها كي تكون قائدة في 72 في المائة من الاحتجاجات التي شاركت فيها، وهو رقم قياسي، ربما يخول للمشككين القول: “إن جماعة العدل والإحسان، لها تفكير ودراية في تحويل الاحتجاجات في الوقت المناسب إلى ثورة”.

المشككون في نوايا جماعة “العدل والإحسان” يؤكدون رغبتها في استلهام نموذج الاتحاد العام التونسي من أجل “ثورة” في المغرب

   لم تعد دوائر النظام عابئة بتقديرات عامة، لأن جماعة “العدل والإحسان” تساهم في منع الطفرات غير المحسوبة التي يخشى منها كل نظام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وستكون جزءا من “ثورة” شعبية ولا شك، لكنها ستكون في مقدمة “ثورة محسوبة ومضبوطة”، وهذه القضية مستبعدة، وهو ما يكرس منطقا سائدا عن تحالف “واقعي” بين النظام و”العدل في الإحسان”، يضمن أمن الملك في المنعرجات الخطرة، واستقبال جماعة “العدل والإحسان” في الدار البيضاء للزائرين من الاتحاد العام التونسي، القادمين إلى المملكة على هامش قمة المناخ الأممية “كوب 22″، لا يصل إلى درجة التنسيق، أو بناء “ثورة” على الطريقة التونسية، وهو ما أوضحه رد فعل الجماعة بعد حادثة “محسن فكري” المشابهة لحادثة البوعزيزي.

جماعة “العدل والإحسان” أقصت تأثير عائلة عبد السلام ياسين نهائيا في انتخابات قادتها يوم 27 نونبر الماضي، ودفنت بموجبها الدعوات “الجمهورية” لنادية ياسين، فانفتحت على الانتخابات الحرة المباشرة لقواعدها، وانتقل الثقل الداخلي للجماعة إلى التيار “البرغماتي” في أجواء ميزها النظام بمرونة سمحت بالدفن النهائي لـ”المطالب الجمهورية”

   وفي نظرة سريعة على الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة “العدل والإحسان”، نجد حسن بناجح، أبو الشتاء ساعف، رشيد بويبري وعبد الصمد فتحي من خارج “التيار الجمهوري” وعمر أحرشان ومنير الجوري، ومحمد بنمسعود ومصطفى الريق من “تيار الوسط”، ويشكل عبد الواحد المتوكل ومحمد حمداوي ومحمد سلمى ومحمد منار من “التيار الإصلاحي”، فيما لا تشكل أمان جرعود وأمينة بوسعداني، وحسناء قطني أي امتداد جزئي أو كلي لتيار نادية ياسين، بل انتهت عائلة عبد السلام ياسين إلى الإقصاء الكامل.

   وإن كانت انتخابات 7 أكتوبر 2016 وسيلة ماكرة لتجميل صورة المخزن، فإن “مكر الاستبداد” كما تسميه الجماعة، قد تحول إلى خطوط أمنية محترمة.

   وبالقطع، يرى الملاحظون أن “المكر” السياسي الذي احتوى حزب العدالة والتنمية، يقابله “مكر أمني” خدمت فيه جماعة “العدل والإحسان” أمن النظام بطريقة مباشرة وعلنية، ويطالب التوجه الجديد في صفوف العدليين الحد الأدنى للعمل السياسي.

   ولا يمكن التمييز في التطورات الأخيرة بين “الحد الأدنى” و”الحد المقبول” لإعلان حزب الجماعة (العدل والإحسان) بغية كسر شوكة حزب العدالة والتنمية ومنافسته، بعد فشل حزب الأصالة والمعاصرة الذي دفع بحزب “البديل الحضاري” إلى الواجهة مجددا لقطع الطريق على حزب “العدل والإحسان”.

ازدياد أعداد النساء في جماعة “العدل والإحسان” بين 10 و15 في المائة، أبطل فزاعة نادية ياسين، بتواطؤ من النظام، وأهل هذا الوضع لتمثيل “نسائي” كسر في الدائرة السياسية للجماعة “الأفكار المتطرفة”، المسيطرة على المشهد منذ عشرين إلى ثلاثين سنة.

   في تساؤل يطرحه الوضع، هل كسر النظام جماعة “العدل والإحسان” من خلال نسائها؟ ويمكن الإجابة من معلومة نشرها تقرير بريطاني لـ”م. آي. 6″ بالتعاون مع الأتراك جاء فيه: “إن القطاع النسائي قاد ثورة في جماعة العدل والإحسان بعد عبد السلام ياسين، لأنه تمتع بالاستقلالية منذ قيادة ابنة المؤسس لها”.

   وتناقش الجماعة حاليا “الحد المقبول” لممارسة العمل السياسي، بعيدا عن برنامج التأسيس (أي الإصلاح والتغيير)، ويقود هذا التحول التكتيكي، فتح الله أرسلان، الذي يهيء نفسه لخلافة العبادي وليس له هدف آخر.

   وشكل أرسلان، الدائرة السياسية دون ترك بصماته، ونجح في دفن تأثير عائلة عبد السلام ياسين بشكل نهائي، وسيكون الحزب من أرضية العمل السياسي للدائرة، ومن مرجعية كتابات الإمام.

انسحاب “القوة الضاربة ” لجماعة “العدل والإحسان”، مباشرة بعد موت الإمام، أضاع ضم راديكاليين جدد، وقرب هذا الضعف التيار المعتدل من التطبيع مع النظام، لأنه الخيار الوحيد لبقاء “العدل والإحسان” قوة معارضة أولى في المملكة

   حافظت جماعة “العدل والإحسان” على نفس عديدها في ثلاث سنوات، من 2012 و2015، دون إضافة، بل خسرت 30 ألف عنصر دفعة واحدة في 6 شهور، وأكد معهد “ولسن” الأمريكي هذه الخلاصة في تقرير كتبه، كاميرون غلين، جاء فيه أن “جماعة العدل والإحسان في 2015، حافظت تقريبا على عديدها من المريدين والأتباع في حدود 200 ألف، لكن انسجامها كمنظمة، تراجع بشكل كبير”.

   وجاءت الانتخابات الداخلية للجماعة، في 27 نونبر الماضي، للرد على رؤية الخارج قبل الداخل، وعلى الضعف الذي وسم “العدل والإحسان”، في وقت تضاعفت فيه قوة حزب العدالة والتنمية ثلاث مرات، وهو ما عزز “خيار المشاركة” في أوساط الإسلاميين المغاربة على العموم.

   وفعلا أتى إقصاء “الصقور” من الواجهة، وإدارة المعتدلين لكل دوائر التنظيم عبر “الشورى”، وكان ما حدث، إشارة قوية من الداخل لـ”إعادة تفسير كتابات الإمام عبد السلام ياسين وإعادة إنتاج الجماعة بطريقة مختلفة”.

  وطالبت أوساط في الجماعة بجمعية سياسية قبل الحزب، لكن التقديرات تذهب إلى “صفقة” تنتهي باعتراف الدولة بحزب للجماعة.

قدرة المعتدلين على إعادة صياغة الجماعة لأول مرة منذ تأسيسها يكشف، أفقا آخر في تقارب “العدل والإحسان” والنظام

    يستعمل قائد في حجم عبد الواحد المتوكل لفظ “المكر الاستبدادي” في وصف ما يجري، من انتخابات وإنتاج لمؤسسات شكلية في المغرب، وهو ما يطرح سؤال: لماذا النظام يتابع نفس الطريق بإصرار منذ زمن طويل؟

   ونجح النظام في الرهان على طول نفسه مع الجماعة، بعدما فقدت “قائدها ومؤسسها”، واستثمر عدم توسعها وتكلس جاذبيتها إلى حدود بعيدة من خلال “الخارطة التنظيمية للجماعة”، وخصوصا ما تسميه التقارير “الميكانيزمات الميكرو تنظيمية”.

   وحاليا، لا يمكن الحديث عن “حصار” للجماعة، بل عن حصار تفرضه الجماعة على نفسها، لأنها لم تعد منسجمة سياسيا، وتنتظر نتيجة منتخبيها ومؤسساتها الجديدة.

إحياء الذكرى الرابعة لوفاة مؤسسها يوم 18 دجنبر 2016 عبر ندوة “الحوار وضرورة البناء المشترك”

   محاولة إبراز الحوار والبناء المشترك في فكر عبد السلام ياسين الذي لم يعترف بإمارة المؤمنين في المملكة، جرأة لجيل جديد يؤمن في الذكرى الرابعة لرحيل “الإمام” أن هناك:

   ـ من يريد العمل في إطار جبهوي، وليد تحالفات قطاعية ومعارك، وإن استفاد النظام من تجزيئها، فإنها تفيد طريقة معاكسة لتقليل مستوى “الانفرادية” في قرار الدولة للحفاظ على مقدرات أو مكتسبات اجتماعية.

   والمعول عليه، كما يقول الكاتب العام للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، عبد الكبير سحنون، المنتمي لجماعة “العدل والإحسان”، هو عدم تغول المخزن على المكتسبات، وذلك من خلال ما أسماه “الأشكال النضالية التي أبدعتها القوى الشبابية الجديدة”، وتجاوز “عقلية ردود الأفعال والمقايضة الفئوية التي طغت على السلوك النقابي”.

   وأفاد تراجع العامل الحزبي في المغرب، وسحق النقابي في محاولة جماعة “العدل والإحسان” في ملء الفراغ خصوصا على صعيد التنظيم النقابي، ويمكن أن يستدعي الوضع “الجماعة” إلى الحقل الحزبي أيضا، لذلك، فدينامية “القوى الشبابية الجديدة” فرضت إعادة رسم الجماعة من الداخل.

   ـ  أن سياسة ملء الفراغ في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وبعدها في النقابات الأخرى، لعبة تعودت عليها جماعة “العدل والإحسان”، لكن سؤال الأحزاب في المغرب، فرض معطى بديهيا: بأن جماعة “العدل والإحسان” ليست أكثر راديكالية من حزب النهج الديمقراطي، فلماذا عدم الترخيص لحزب “العدل والإحسان”؟

   اليوم، هناك قوى أمنية تنظر إلى مستوى التحول الداخلي في جماعة “العدل والإحسان”، بأنه كاف لتسليمها رخصة الحزب، وهذه القصة شبه محسومة، وهي مسألة وقت في نظر المخابرات الإسبانية والبريطانية والألمانية.

error: Content is protected !!