في الأكشاك هذا الأسبوع

في يومها العالمي.. العربية غريبة في موطنها

عبد الله النملي. الأسبوع                                  

   تعتزم 12 هيئة مغاربية، يوم 18 دجنبر الجاري، تأسيس ائتلاف بالعاصمة التونسية، تحت اسم “الرابطة المغاربية لحماية اللغة العربية”، تزامنا مع الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية، من أجل رفع التهميش الذي تعانيه العربية في الدول  المغاربية. وتأتي هذه الخطوة بعد أن امتدت الحملة على اللغة العربية، لتبلغ مداها مع الأجندات الداعية لفصل المغرب العربي عن الأمة العربية، وسحب عضويته من جامعة الدول العربية، وتغيير مسمى المغرب العربي، علاوة على الحروب التي تشنها جهات معادية للغة الضاد، تمثل حزب فرنسا بالدول المغاربية، وهي حروب يوظف فيها أصحابها معجم الاستشراق الجديد، لعزلها عن المجتمع وإقصائها عن الحياة العامة، مُتّخذين من الفرنسية والعامية قضايا لغزو معاقل الفصحى.

   إن نظرة في تاريخنا القديم والحديث لكافية بأن تثبت بأن اللغة العربية لغة العلم، تستوعب كل ما تلقاه أمامها من أنواع البحث والعلم والحضارة على اختلاف فروعها ومصادرها، لتحوله إلى ثقافة عربية، يضيف إليها أبناؤها الكثير مما ابتكروه وجددوا فيه، ويفتحون من خلالها طرقا جديدة للبحث في أسرار الطبيعة، ويستعملونها للتعبير عن جميع مظاهر النشاط الفكري والعلمي، وإذا أخذنا تعليم الطب على سبيل المثال، فإننا سنلاحظ أن تعليمه بالعربية كان هو الأصل، بحيث نقلت اللغة العربية الفصحى العلوم الطبية عن ابن رشد، وابن سينا، ورياضيات الخوارزمي، وغيرهم من العلماء الذين ترجمت أعمالهم إلى اليونانية وغيرها من اللغات، بل إن اللغة العربية كانت لغة تدريس العلوم والرياضيات، زمن الفارابي، وابن سينا، وابن النفيس، وجابر ابن حيان.

   ويلاحظ أن إهانة اللغة العربية والحَطّ من شأنها، أصبح سلوكا عاما في الإعلام المغربي، بدءا بالتمكين للغة الفرنسية، وشيوع الأخطاء النحوية في العربية الفصحى، والكتابة بالعامية في المقالات، فضلا عن أن المعلنين لا يبالون بالفصحى ولا بالنحو، ولا يكترثون باللغة التي يظهر بها الإعلان، لأن كل اهتمامهم منصب على مدخوله، كما أصبحت هيمنة اللغة الفرنسية معطى ملموسا، لدرجة يشعر المرء وكأنه في ضاحية باريسية، إذ لا تزال أغلبية الإدارات المغربية تتعامل باللغة الفرنسية في الكتابة والمراسلات والتعاقد وصرف الأجور والمعاشات، بل حتى الجريدة الرسمية تصدر باللغة الفرنسية مع الطبعة العربية، والخطب والتقارير التي تحدد الاختيارات الكبرى تحرر بالفرنسية ثم تترجم إلى اللغة العربية.

   وكم من مسؤول حكومي يحدث المواطنين في شأن عام يهمهم، وبدل الاستماع إليه مباشرة، يتم اللجوء إلى التعليق والترجمة، وكم من موظف سام يشرح لوحة باللغة الفرنسية وعندما تقترب الكاميرا ترى المواقع التي يتحدث عنها وهي مكتوبة بالعربية، ومما زاد الوضع سوءا، استخدام العامية في دبلجة المسلسلات الأجنبية المستوردة، مثل المسلسلات التركية المدبلجة باللهجة السورية، والمسلسلات الأخرى المدبلجة باللهجة اللبنانية أو المصرية، كما عمد القيمون على القناة الثانية إلى دبلجة المسلسلات المكسيكية والتركية إلى الدارجة المغربية.

   وبعد تحرير المجال السمعي البصري الإعلامي وفتحه للخواص لامتلاك إذاعات خاصة، نجد غالبية هذه الإذاعات تعتمد العامية كلغة للبث، والأخطر من هذا كله، أن شبابنا صاروا من أصحاب “الشات” و”المسنجر” و”الفايسبوك”، ولم تعد لديهم صلة كبيرة بمواقع الفكر والثقافة، وقد جَهِل كثير منهم أو تَجَاهلوا تماما، أن هناك لوحة للمفاتيح العربية، فأخذوا يكتبون كلامهم الغث والركيك كله بحروف لاتينية وأرقام حسابية.

   إن مسؤوليتنا جميعا كبيرة في هذا الزمن، الذي أضحت فيه العربية حبيسة بعض الخطب الدينية والسياسية وفي نشرات الأخبار، بتقاعس أهلها وليس لعيب فيها، غريبة أو تكاد، وغَدَت في مَسيس الحاجة إلى من يدفع عنها الهجمات التي تتعرض لها من قِبَلِ أهلها الذين رضوا عنها بديلا، ونَعتوها بالقصور والعجز، فلو منحها أصحابها المكانة اللائقة بها لما حَلّت بها تلك المصيبة، حتى بات الناس يعتقدون أن اللغات الأجنبية هي لغات الانفتاح والتقدم، أما العربية فهي لغة التراث والقدم، كيف لا يحدث ذلك، ولازال بيننا من يدافع عن النشاز وينتصر للغة الأجنبي، ويدعي أن اللغة العربية ليست لغة علوم، وهذا افتراء فاضح، وإلا فبأي لغة اكتشف الخوارزمي الجبر، والكندي الفلك، وابن زهر الدورة الدموية الصغرى؟ وبأي لغة قامت نهضة الأندلس التي نَقَلت بلغتها العربية علوم العرب والإغريق إلى أوروبا؟

error: Content is protected !!