في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | الجيش المغربي في 10 تحديات تحت قيادة جيمس ماتيس للبنتاغون

تعزيزا للعلاقات السرية مع المكتب الثالث (بوشعيب عروب) وسيطرته إلى جانب الدرك (بنسليمان ) على قرار الحرب

إعداد: عبد الحميد العوني 

   في منتدى ريغان للأمن الوطني، أحب الجميع قرار تعيين جيمس ماتيس، وزيرا للدفاع في الولايات المتحدة تحت إدارة دونالد ترامب، لكن مداخلة وزيرة الدفاع النرويجية، إني إيركسين سوريد، أوحت بالخلاف لطرحها مسألة عودة القانون إلى اليمن والصحراء “الغربية”، وقالت في جملة موحية: “بهذا التعيين ستكون لنا علاقات مختلفة مع العالم العربي وإيران”، وعلى نقيضها قال ميشال فالون، سكرتير بريطانيا في الدفاع: “إنه انتصار للحلفاء التقليديين للولايات المتحدة من المغرب إلى باكستان، وانتصار لجنرالات “حكماء” لقيادة قرار الحرب في دول لا زالت تتمسك بهم، وفي المغرب، يعود تعزيز العلاقات السرية مع المكتب الثالث الذي يقوده الجنرال بوشعيب عروب إلى الواجهة وإلى جانبه جهاز الدرك بقيادة الجنرال بنسليمان للسيطرة على قرار الحرب في المملكة، ومنع انجرار المنطقة إلى الحرب، ويتفق ماتيس ومستشار ترامب في الأمن القومي، فلين، على متانة العلاقات بين المكتب الثالث في القوات المسلحة الملكية واستخبارات البنتاغون “دي. آي. إي” ويواجه الجيش المغربي عشر تحديات في نهاية يناير القادم.

المغرب في مواجهة أمن جديد في الشرق الأوسط، ليست المملكة جزءا منه إلا عبر البوابة الخليجية في منظور صريح ومكتوب للجنرال ماتيس، الذي يقدم الجيش الأردني على الجيش المغربي في هذه الهندسة

   العاصمة الرباط بين قيادة “أفريكوم” في السنغال والقيادة “المركزية الوسطى” في مصر ودول مجلس التعاون الخليجي، ويتقدم الجيش الأردني على المغربي في هندسة أمن جديد في الشرق الأوسط.

   يقول جيمس ماتيس، في ورقة له صدرت عن مركز “هوفر” يوم 26 فبراير الماضي، تحت عنوان: “الاستراتيجية الكبرى الجديدة”(1) للولايات المتحدة، إن أمريكا تحتاج لـ”إنعاش استراتيجيتها الوطنية”(2) من أجل هندسة أمن جديد للشرق الأوسط(3) وبسياسة مسموعة كي نأخذ ـ بتعبيره ـ جانبا في هذا الصراع.

   ويبدو التحدي الأول في تحديد موقع المغرب داخل منظومة الأمن الجديد لمنطقة الشرق الأوسط، كما يراها ماتيس، من المغرب إلى أفغانستان على نفس خارطة وميدان العمليات الذي قاده إلى تقاعده عام 2013، وهو لا يميز مطلقا بين الشرق الأوسط والشرق الأوسط الكبير، بل يعتبر الاصطلاحين ميدانا واحدا ومنطقة واحدة، وهو ما يضع المملكة في قلب التحدي، لأن المغرب على هامش “أفريكوم” بعد إطلاق مركز القيادة الإفريقية في السنغال، حيث أصبحت إفريقيا الأطلسية أمريكية بامتياز لا يخلو من تهميش المملكة، وأيضا لوجود الرباط على هامش القيادة المركزية الوسطى، وإن أضفنا إلى هذين المعطيين العلاقات الخاصة بين جيمس أو (جيم ماتيس) وبين بريطانيا المنفصلة عن الاتحاد الأوروبي، والعائدة بقوة للدفاع عن أمن جبل طارق كما كان الأمر عليه قبل 100 سنة كما قال وزير خارجيتها في مؤتمر المنامة، يكون المغاربة أمام تحول استراتيجي بالغ، تدافع فيه إسبانيا وبريطانيا عن مصالحهما “الخالصة” خارج الاتحاد الأوروبي.

   ويقدم ماتيس حلفاءه في حرب أفغانستان عن غيرهم، راسما خارطة  المارينز (البحرية الأمريكية) في الخليج بحضور الجيش الأردني بعيدا عن المغاربة.

   تقول دراسة “راند” التي شارك فيها الجنرال عام 2011، “إن الأردن مؤهل لقدراته المتميزة على المغرب في الاندماج بمجلس التعاون الخليجي”(4)، ويحاول مجلس التعاون الخليجي “تقوية مملكة صديقة”، في نعته المغرب، ولا يريد ضمها إلى المجلس(5).

   وإن كان المغرب على هامش “أفريكوم” والقيادة “المركزية الوسطى”، ويفضل جيمس ماتيس الجيش الأردني على المغربي، فإن العاصمة الرباط ستعاني ولا شك من الخارطة الجديدة التي يقودها البنتاغون ابتداء من 2017.

   وعلى صعيد بوابة التعاون الخليجي، وقيادة السعودية التي سمح لها الربيع العربي منذ 2014، بتعبير جيمس ماتيس نفسه، يكون مستوى الثقة في النفس الذي امتلكته الرياض في الحرب على الإخوان المسلمين في مصر والشيعة الحوثيين في اليمن، قد أضاف إلى لائحتها البوليساريو في شمال إفريقيا، لدعم السعودية المغرب في الضم النهائي والكامل للصحراء، في سباق مواز لالتزامات مجلس الأمن والأمم المتحدة.

    وتحاول الرياض فرض تبعية مجلس الأمن لمقرراتها كما حدث في اليمن، لكن الخارطة الجديدة تنسف النظام الدولي، وعلى الولايات المتحدة صيانته، ويدعو وزير الدفاع في إدارة ترامب إلى “التزام عملي بهذا النظام” وإن استدعى الأمر تحرك أمريكا بعيدا عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

    وتحركت الدول بطريقة أحادية فور تجميد واشنطن لهذه الاستراتيجية مع أوباما (روسيا في القرم وأوكرانيا والسعودية في اليمن والمغرب في الكركرات…) ولم يحسم مجلس الأمن في هذه الوقائع.

إن كان ماتيس يقدم الجيش الأردني على المغربي في الشراكة العسكرية الأمريكية مع مجلس التعاون الخليجي، فإنه يضع الرباط ضمن ما يسميه “الأهداف الممتدة” لمجتمع الاستخبارات الأمريكية

   ليس المغرب ضمن الأهداف الجوهرية لأمن مجلس التعاون الخليجي، ويعتبره جزءا من الأسد الإفريقي لدعم الرباط تكنولوجيا، كما تطرح ورقة “أكو” للدفاع(6)، وليس للمغرب في هذه الحالة سوى بوابة إسرائيل ويهود العالم الذين أعلنوا حب الجميع لتعيين  ماتيس(7) وركزوا على ما سموه “الحلفاء الحقيقيين”، وفيها يعود المغرب ومصر إلى أجندة واحدة، قد تهدد حكومة بن كيران مباشرة، فتل أبيب تؤكد على “ضم المغرب إلى مصر” وماتيس يكتب: “إن كان الإسلام السياسي في غير صالحنا، فلندعم القوى الرافضة له”.

   وحسب “أتلانتيك كانسال”، فإن تحول إفريقيا إلى فرصة(8) تشمل المغرب إلى السنغال ضمن تمويل تحدي الألفية الذي واجهته الشركة الصينية “سينوهيدرو” في مالي، واكتفاء الرباط بمربع لا يزيد عن تمويل تحدي الألفية، و”الأسد الإفريقي” هو عزل للمغرب وقتل لطموحاته في إفريقيا.

   ومن الصعب على رجل القرار في المغرب قبول نظرة الإدارة الجمهورية القائلة بأن علاقات المغرب مع روسيا لم تكن سوى تمهيدا لاجتياح المناطق العازلة من طرف الجيش المغربي، كما ابتلعت موسكو جزيرة القرم وجزءا من أوكرانيا.

   ودعوة ماتيس إلى احترام النظام الحالي القائم منذ الحرب العالمية الثانية، يكشف إلى أي حد يريد “جيل القتلة”، الذي ينتمي له وزير الدفاع المعين، والمعلن عنه عام 2008، التحكم في خارطة القرار.

    يقول ترامب في تغريدته: “الجنرال جيمس ماد دوغ أي الكلب المسعور، ما تيس هو المعين في سكرتارية الدفاع (وزارة الدفاع)، إنه جنرال الجنرالات”(9).

   ويكنى جيمس أو جيم ماتيس بـ”الكلب المسعور” الذي يحمي أمريكا بتعبير ترامب، والدستور كما قال الجنرال بعده، ويسمى أيضا “الضربة القاضية” بعد معركة مدينة الفلوجة، أو “المحارب الراهب” لأنه لم يتزوج إلى الآن، وحمل معه 6 آلاف كتاب إلى العراق، لأنه متيم بالقراءة ولديه مكتبة تزيد عن 7 آلاف عنوان.

   وقبل أن يحمل عتاده شحن كتبه، فهو مثقف يكمل المحارب، وشخص سياسي يجيب عن وعود ترامب، ورجل عملي، والوحيد القادر على مواجهة الصين وروسيا والمشتغل على الاجتماعات، وهذه الخصائص هي التي بوأته وزارة الدفاع(10).

   ويرسم “الكلب المسعور” المغرب في خارطته الشرق أوسطية انطلاقا من:

   1ـ دعم جنرالات الحسن الثاني أو ما يسميه “الجنرالات الحكماء”، ويعتبرهم احتياطا  “عمليا” في خارطة إدارته لوزارة الدفاع الأمريكية.

   2ـ تعزيز دور المكتب الثالث في القوات المسلحة الملكية، وتوطيد علاقته مع الاستخبارات العسكرية للبنتاغون “دي. آي. إي” ، ويدعم الجنرال عروب الذي عرف دوره إلى جانب الجنرال بنسليمان في مشاركة المغرب في حرب الخليج، ولم يغفر للجنرال بناني معارضة مشاركة الرباط إلى جانب القوات الخاصة الأردنية في أفغانستان، ويحاول وزير الدفاع المعين أن تضع المرحلة الجديدة كل ثقلها على الرجلين لمنع حرب إقليمية ممكنة.

   3ـ السماح بدور للدرك البحري، دونا عن جبل طارق والنفوذ البريطاني والخطوط الحمراء مع البحرية الإسبانية، كي لا يتكرر ما حدث مؤخرا.

   4ـ تقوية المغرب من خلال مناورات “الأسد الإفريقي”.

   5ـ مراجعة المساعدات العسكرية للمغرب بما يسمح بـ”عدم شن حرب”، وكي لا تصبح ما تسميه الرباط “دبلوماسية هجومية”، والتعديل الذي حدث على “ثورد أوفست ستراتيجي” بنهاية 2014، مدعاة لأي انزلاق، فرضت خطة “ماتيس” ربط المساعدات العسكرية بتقدم الحل السلمي في الإقليم دون ذكر الصحراء، ولم تلتزم إدارة أوباما بهذا البند.

   6ـ تحديد البنتاغون للعلاقة العسكرية الخليجية المغربية، بفعل تطور موقع الرباط ضمن المنظومة العسكرية الخليجية تمويلا وعتادا، وأخيرا “استراتيجية ترابية” لدعم مجلس التعاون الخليجي للمملكة المغربية في الضم النهائي لإقليم الصحراء، وتحت إمرة البنتاغون، يمكن الموافقة على “ترتيب بحري” مع المغرب انطلاقا من القاعدة البحرية الأمريكية في البحرين، وقبل الجنرال في وقت سابق، بإجراء تدريبات مع الدرك البحري المغربي.

   7ـ المغرب ضمن “الحلفاء السنة التقليديين” بتعبير الجنرال ذي النجوم الأربعة، الذي يؤكد أن العودة إلى “السلوك القوي ضد الإرهابيين” لا يعيد الجنرال لعنيكري إلى دائرة القرار، لكنه يكرس تحول القرار الأمني إلى جيل جديد يقوده الحموشي، قائد المخابرات الداخلية في المملكة، ولابد من تعزيز “هذه الخلفية العميقة” من فصل إضافي لدور المكتب الثالث عن مخابرات “لادجيد”، وإعادة رسم تقديراتهما بعيدا عن بعضهما، كي لا تكون الاستخبارات الخارجية المطبوعة بعملها في إفريقيا مؤثرة على استخبارات الجيش والقرار العسكري للمملكة، وهذه التمفصلات، التي يوضحها ماتيس، فرضت ميدانيا إعادة رسم دور المؤسسات الأمنية في الخارطة الأمريكية الكبرى والجديدة.

   8ـ تحويل المكتب الثالث إلى “مديرية للأمن العسكري” بصلاحيات جديدة وواسعة، ومن المهم عدم انزلاق المغرب، لأن الاستقرار يفرض عزل المغرب عن مصير المنطقة، لتحول الدول فيها إلى “دول خارج القانون” أو “دول حروب أهلية” حسب التعبير الحرفي لماتيس.

   وأي دور ما فوق إقليمي للرباط مرفوض، بشكل واضح، في خارطة “ماتيس”، وتبقى مشاركة المغرب في حرب اليمن أو ضد داعش في العراق صفحة من الماضي.

   9ـ عودة المغرب إلى الخطوط التي رسمتها إدارة الجمهوريين في عهد بوش، ويدعم ماتيس، التعاون البحري مع بريطانيا بما يعزز عملها في جبل طارق بعيدا عن الاتحاد الأوروبي، وانتهى اجتماع 14 نونبر 2016 لمجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي إلى استراتيجية عامة في مادتي الدفاع والأمن، المنشورة في يونيو 2016، وتقر هذه الاستراتيجية دعم إسبانيا في سبتة ومليلية، وألغت مدريد في المقابل، تزويد الغواصات والسفن الروسية بالوقود في المدينتين المحتلتين.

   ووجود الرباط بين استراتيجيتين، أوروبية من 31 صفحة، وأخرى أمريكية جديدة، يحد من طموحات المملكة، بل يعيدها إلى سابق عهدها مع إدارة بوش منذ استعداد ترامب دخول البيت الأبيض.

   10ـ مستشار الأمن القومي لترامب ووزير دفاعه، يتفقان على دعم المكتب الثالث في نظام الدولة كما يسميه، ولا يمكن أن يقود الجهاز بعد عروب أي شخص ينتمي إلى الجيل الثاني، لما وقع في مصر بعد مرسي أو الأسد بعد أبيه، ويجب استمرار جيل الجنرال عروب وبنسليمان في المغرب والجنرال قايد صالح في الجزائر، لمنع الحرب، كي لا تدفع الرباط ثمن اختيارها، مع الخليجيين، أن تكون جزءا من “الشتاء العربي”، بتعبيره في تقرير لمؤسسة “راند”، لذلك، فالتعاون الأمني لـ”استقرار دائم على المدى البعيد”، هو أساس الخطة الأمريكية لماتيس، ومن المهم وضع الثقة في جنرالات منعوا الحرب في الصحراء.

التحدي الثاني المتجلي في وقوع المغرب بين استراتيجية “ماتيس” كما أعلنها في ورقة منشورة لمركز “هوفر” الأمريكي، وبين استراتيجية أوروبية معلنة في يونيو 2016، هو ما ألغى عمليا التفكير في فتح ملف “سبتة ومليلية” أو مواصلة ما قرره المغرب في “الكركرات” وما بعدها

   تجمد المغرب في ملفي “لكويرة” و”سبتة ومليلية” مرة واحدة، لوقوعه بين استراتيجيتين جديدتين أوروبية وأمريكية، فالأولى قررت بعد رسالتي وزير الدفاع الفرنسي والألماني المنشورتين في شتنبر 2016، إنشاء صندوق استثمار من أجل تمويل عمليات التعاون العسكري، والوصول إلى اندماج قوي لكل القدرات من أجل عمليات عسكرية داخل دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما استوجب على إسبانيا إبطال استقبال موانئ سبتة ومليلية  للغواصات الروسية.

   وما يتطلع إليه الأوروبيون من تعاون عسكري “مهيكل ونموذجي واحتوائي”، يكشف حجم الاستقلال الاستراتيجي الذي أصبح فيه وضع “سبتة ومليلية” من “الأمن الخالص” للتراب الأوروبي، ومن جهة ثانية، تمنع خطة “ماتيس” الدفاعية “حربا جديدة في الصحراء أو حولها”.

   والواقع، أن ماتيس له وزن عملي عميق، ويشكل إلى جانب جون ماكين، ثقلا غير مسبوق في الجيش الأمريكي، وإن علمنا أن تعيين وزير الدفاع جاء في ملعب ترامب للغولف، نعرف، كما يقول، موليني، من مركز “إيريس” الفرنسي، درجة الاستقلالية التي قرر فيها وبموجبها الرئيس الأمريكي المنتخب(11) تعيين ماتيس.

   ويصر نفس الخبير على ما يسميه “الاستقلال الاستراتيجي الدفاعي لأوروبا”(12)، وهو ما يعزل المغرب عن اعتباره جزءا من الأمن الفرنسي، بل تهضم أوروبا في الخطة الموجودة “سبتة ومليلية” تماما، وفي جانب ثان، يعزل الجمهوريون المغرب جنوبا، ومنذ اندلاع أزمة “الكركرات” التي دعم فيها الفرنسيون الرباط، عقب موقف المجلس الأوروبي في موضوع “سبتة ومليلية”، رأينا الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة تغيير قواعد اللعبة انطلاقا من “الكركرات”، ويريد الطرفان، الأوروبي والأمريكي، منع المغرب والمنطقة من الوصول إلى حرب.

التعاون البحري الموعود بين بريطانيا والولايات المتحدة، كما أكد عليه رجل البحرية ووزير دفاع ترامب، يفرض تطورا جديدا وتحديا غير مسبوق في “أمن البوغاز” لأن هضم إسبانيا لـ”سبتة ومليلية” نهائيا، بمساعدة الاتحاد الأوروبي، وجبل طارق من طرف بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد المذكور، يعزل أي دور حقيقي للرباط في الخارطة البحرية الجديدة لأوروبا والولايات المتحدة انطلاقا من الريف وشمال المملكة، وإن اندفعت الرباط إلى الجنوب، فإن البوليساريو وصلت بقواتها إلى مياه الأطلسي

   لم يصل المغرب إلى درجة “الخنق المائي أو البحري” منذ الحرب العالمية الثانية، كما وقع لحالته مؤخرا، لأن موضوع “سبتة ومليلية” انتهى أوروبيا في استراتيجية الاتحاد لسنة 2016، ولم تسمح أمريكا بالتقدم جنوبا، وهو ما أوصل البوليساريو إلى مياه الأطلسي، وهذا هو التحدي الثالث للجيش المغربي، الحامي الأول للأمن القومي للمملكة.

   وإن قلنا بتراجع فرنسا التي دخلت في “استراتيجية خاسرة” حسب مركز الدراسات “إريس”(13)، فإن المغرب لا يخلو من نفس المآل.

   وفي “لوبوان” الفرنسية، اقترحت الباحثة، صوفي لافير، بناء فرنسا لجيش ثان أقل حداثة وأقل تكلفة(14)، لربح الحروب في مالي وإفريقيا الوسطى، ونتساءل ألا تفترض الحرب على البوليساريو نفس التحول في بنية القوات المسلحة الملكية، وهو طموح عملاني صعب بكل المقاييس، وربح الجيش المغربي معركته بالجدار الرملي، بما يزيد من صعوبة الوضع في المناطق العازلة وأمام جار ملح بشكل جيد.

   وما طرحته مشاركة المغرب في حرب اليمن، فرض أسئلة على صعيد العمليات في أي حرب ضد جبهة البوليساريو، ومواجهة استراتيجية “الخسارة” من حليفي المغرب  (فرنسا في إفريقيا الوسطى ومالي والسعودية في اليمن)، حولت الأهداف بطريقة درامية.

   إذن تحدي الحصار المائي للمغرب، من المتوسط عبر الأوروبيين لهضم “سبتة ومليلية”، ومن المحيط الأطلسي بتحدي “الجانب العملياتي” للبوليساريو على شواطئ المحيط الأطلسي، إلى جانب تعزيز الأمن البحري لبريطانيا في جبل طارق، يفرض على المغرب صعوبة محدقة، تؤهل لما قلنا أنه تحدٍّ رابع متمثل في بناء قوة أو “جيش ثان” عن طريق الدرك والقوات الخاصة لمواجهة جبهة البوليساريو، ورفض البريطانيون والأمريكيون مثل هذا الخيار تماما.

التحدي الخامس: إقصاء المغرب من الحرب الرابعة (أو الجيل الرابع الذي نظر له ماتيس في 2008 فيما يسمى جيل القتلة) ومن كل تكتيكاتها، بما فيها قطاع البحرية من خلال الفيتو البريطاني، المرتاح ارتياحا كبيرا لتعيين ماتيس وزيرا للدفاع

   عبرت “التلغراف” البريطانية في الثاني من هذا الشهر، عن ارتياح كبير للعاصمة لندن بتعيين ماتيس، وزيرا للدفاع في إدارة ترامب(15)، ويشكل التعاون غير المسبوق والمعول عليه بين واشنطن ولندن على صعيد البحرية، تحديا مستقبليا لكل النطاق الحيوي  في شمال المغرب، لأن إسبانيا انتهت إلى هضم “سبتة ومليلية” بشكل نهائي، وبموت المطالب حول جبل طارق، يكون التقسيم الأمريكي الأوروبي قد أنهى مشكلة جبل طارق، والثغرين المحتلين سبتة ومليلية، ونفس الخارطة لم تعط المغرب فرصة “إنهاء الوضع القائم في الصحراء على ما هو عليه”، وإن مر ماتيس من امتحان الكونغريس، لأن قانون الأمن الوطني لعام 1947 وضع شرطا لـ10 سنوات، تغيرت إلى 7 سنوات عام 2008، لحصول العسكري على منصب حكومي ـ مدني ـ فالكل في دول الشرق الأوسط أمام امتحان حقيقي.

   يقول جيم ماتيس، غير المهتم بتهديد “داعش” و”القاعدة”، ويعترف فقط بتهديد إيران ودول أخرى للأمن القومي الأمريكي، إن “الخطورة من نظام الدولة وليس من غيره”.

   وستكون خطة “ماتيس” بالتأكيد انقلابا على مذهب أوباما، والانقلاب على أمن الدول، ترتيب خطير لحركة المغرب جنوب الصحراء، والسعودية في اليمن وباب المندب،  فيما يكون الجزم بأن دفاع بريطانيا عن ضم جبل طارق، هو عزل للمغرب عن منطقة الشرق الأوسط الكبير، وعن أي أفق إفريقي يخترق دول “الكومونولث” ـ الناطقة بالإنجليزية ـ ويضع ماتيس خطا أحمر على أي عمل أو تعاون عسكري مغربي مع دول شرق إفريقيا.

التحدي السادس أمام الجيش المغربي وكل أجهزة أمنه في القارة السمراء، يتموقع بشرق إفريقيا، إذ حرم ماتيس على الرباط أي تعاون عسكري مع دول القرن الإفريقي، ووسعت بريطانيا القرار الأمريكي فشمل كل “دول الكومونولث”

   في القرار الأمريكي لترامب وماتيس، وضوح في حرمان حلفاء أمريكا من أي دور أو عمل أو تعاون مع دول القرن الإفريقي، لإعلان واشنطن حربا ضد الصين في أقصى شرق القارة السمراء، وبالتحديد في جيبوتي، وجنوب السودان والكونغو الديمقراطية، وطورت بريطانيا القرار الأمريكي لترامب فشمل مع ماتيس، دول “الكومنولث”، وهو التطور الذي يحد من حركة الدبلوماسية المغربية وخصوصا التعاون الأمني تحت عنوان مكافحة الإرهاب، ويصعب على الرباط التمرد على القواعد الجديدة التي ستبدأ في يناير 2017.

   ولا تسمح خطة “ماتيس” التي تواصل ما بدأته واشنطن في 2003، السنة التي بدأت فيها روح أمريكا بتعبير وزير الدفاع الجديد(16)، أن يواصل المغرب عمله الأحادي الجانب في الدول الإفريقية الناطقة بالإنجليزية.

   ولا يجد “جنرال الجنرالات” مانعا من الضغط المباشر على الدول، وإن لم تعرف “فورين بوليسي”(17) لماذا استغنى أوباما على ماتيس، فإن المصادر تشير إلى رغبة الأخير في تعزيز مضيق هرمز بحاملة ثالثة للطائرات، في منطقة ضيقة جدا للضغط على إيران، ورفض أوباما طلبه فتقدم الجنرال بإجراءات تقاعده.

   وستمثل عرقلة المغرب في شرق إفريقيا، عودة المملكة إلى مرجعها الكلاسيكي داخل القارة السمراء، وأيضا على صعيد شراكتها في الخليج وعملياتها مع الإمارات العربية المتحدة.

التحدي السابع متمثل في علاقات المغرب والحلف الأطلسي، واقترح ماتيس (في قيادته العليا داخل الحلف من 2007 إلى 2009 )، الاستعانة بقوات للإشراف على “الحكم الذاتي” للصحراء على خطوات سيناريو كوسوفو، وحاليا يقول ترامب بدفع دول الحلف لـ 2 في المائة من الناتج الداخلي الخام لتحسين خدمات “الناتو”

   ردت وزيرة الدفاع الألمانية، أورسولا فون دير لاين، على رؤية ترامب قائلة: “الحلف ليس تجارة ولا شركة(18)، بل هو تحالف قيمي يريده الأوروبيون لتحقيق أهداف دفاعية مشتركة بين الأمريكيين والأوروبيين، ودعم الأوضاع القانونية للإنسان والتراب للوصول إلى عدالة دولية”.

   وسبق لجيم ماتيس، في القيادة العليا لـ”الناتو” القول: “من المهم إشراف قوات الناتو على الحكم الذاتي كما اقترحته الرباط لتأمين شمال غرب إفريقيا قبل استقرار أفريكوم في إحدى دول القارة”.

   وتقاطع ما يسميه ماتيس “الأهداف الممتدة لمجتمع الاستخبارات الأمريكية” والحلف الأطلسي، يذهب بعيدا في إعادة إنتاج خارطة 2003 “المثالية” لدى الجمهوريين.

التحدي الثامن: التأكيد على التحرك الأحادي الجانب من طرف أمريكا في الصحراء، فهزيمة إدارة أوباما، في اقتراحها بتوسيع مهام “المينورسو” لمراقبة حقوق الإنسان ثم التراجع عنه، وهذه الهزيمة يرفضها الجمهوريون، والعودة الكاملة لصلاحيات البعثة الأممية في الصحراء ككل البعثات في العالم، مطلب لإدارة ترامب، ويقترح صديق جون ماكين انسحاب “المينورسو” إن لم يلتزم طرفا النزاع بواجباتهما

   يدفع الوضع الحالي في الكركرات إلى تغليب منطق “بولتون” بانسحاب “المينورسو” لعدم التزام طرفي النزاع بواجباتهما، لكن وزارة الدفاع في شخص ماتيس، واستخبارات البنتاغون ترفض هذا الخيار، وتقترح التحرك الأحادي الجانب من طرف أمريكا، فيما لا تريد روسيا استعجال الحل، لترتيب أوراقها في البحر المتوسط.

   وفي سياق التطورات الأخيرة، لا يقبل رجال الإدارة الجمهورية تعاونا عسكريا خليجيا ـ مغربيا في الصحراء تحت أي مسمى، كما لا يريدون بقاء البعثة الأممية مبتورة من جزء من أعمالها الاعتيادية، ومن جهتهم، لا يقبل الخليجيون تحويل أول مملكة إلى فيدرالية.

   وعلى هذا الأساس، سيكون من الطبيعي، إحياء مطلب توسيع مهام “المينورسو” بالتزامن مع رفع عدد طاقمها تحت عنوان: “ممارسة الأمم المتحدة لكل ما هو متعين من خلال بعثتها، بما يضمن صلاحياتها الكاملة في ولاية مجلس الأمن على الإقليم”.

   ودافع ماتيس عن دور قوي للأمم المتحدة في العراق، وفي غيرها من مناطق التوتر في منطقة الشرق الأوسط، ولا تزال هذه القناعة “مهمة وحاسمة” في نظره.

التحدي التاسع: جيمس ماتيس يرفض أي عمل عسكري للخليجيين في إقليم الصحراء، رغم ما صرحت به القمة الخليجية ـ المغربية

   يقبل ماتيس مساعدة المملكة المغربية عسكريا في الصحراء إلى الآن، لأن المنطقة تحت ولاية مجلس الأمن، وبإدارة مغربية، وهذه القراءة تتعب الخليجيين والمغاربة، أو من يسميهم “الحلفاء الحقيقيين”، لأن عليهم عدم المساس بما يسميه وزير الدفاع الجديد “مستوى التدبير البعيد المدى للمصالح الأمريكية”.

   ولا يشك أحد في وجود إقليم الصحراء ضمن ترتيبات جديدة، قد تهيء للحل النهائي للمشكل وفي مذهب “ماتيس” “ليس هناك صديق جيد أو عدو سيء”، وهذه الفلسفة تجعل أمريكا قوية، لأنها بتعبيره، ليست جزيرة، ومجتمع المخابرات، يجب ألا يكون محددا في مهامه وأن ينتج أول تراتبية على صعيد الحل، ولذلك سلم ترامب ملف الصحراء كاملا لـ”سي. آي. إي”.

   وفي مقال حول فلسفة جيمس ماتيس بـ”مليتري بريس”(19)، دعا فيه الوزير المعين إلى ما يمكن ترجمته بـ”الاستخبارات المقاصدية” مؤكدا أن التهديد الحقيقي هو الشرق الأوسط في مجموعه، “حيث تأثيرنا الآن، هو الأقل منذ أربعة عقود” حسب تعبيره.

   وللوصول إلى أي رهان، يجب على الاستخبارات الأمريكية أن تمنع الحرب من داخل الدول، التي هي في طريقها نحو الوطنية المتطرفة أو تكون في طريقها إلى الفشل.

   ومجرد تسليم “ملف الصحراء” إلى الاستخبارات المركزية الأمريكية، يعد تطورا سيئا، لأن الورقة التي سلمها لهذه المخابرات، تتمثل في منع الحرب من داخل دوائر القرار لدى طرفي النزاع.

نظام المغرب ليس جزءا واضحا من الأمن القومي الأمريكي، وفرضت هذه القناعة تطورا يؤكد على أن حماية المملكة ضمن معادلة الاستقرار، والحفاظ على الوضع القائم، طرح يتطور نحو الحل في الصحراء وليس نحو طي الملف، وتعتبر أزمة “الكركرات” نهاية مرحلة وبداية أخرى، ويشكل ما يجري من تطورات تحديا عاشرا، لأن مجلس التعاون الخليجي، الذي لم يحرر الجزر الإماراتية الثلاث، ولم يتمكن في حربه الأخيرة من الوصول إلى صنعاء في حرب اليمن، ليس متمتعا بالقدرة على خوض حرب ثالثة في الصحراء لصالح المملكة

   وجود مخابرات “مقاصدية” في إدارة الجمهوريين تحت قيادة ترامب، يمنع اعتبار نظام من “الحلفاء” ضمن الأمن القومي الأمريكي، بل ويرفض من جهة ثانية، تجميد أو عدم تحريك الوضع القائم لبناء حلول “نهائية”، ورامسفيلد الذي اعتبر البوليساريو “مليشيات صديقة” في الحرب الكونية على الإرهاب، تنتهي نظرته، في “مكتبة ريغان” وعبر جيل جديد من الجمهوريين، إلى “التدخل العسكري” في حال فشل جهود الأمم المتحدة.

   وللتدقيق فقط، فإن المغرب نجا من ضغوط إدارة جورج دابيلو بوش لاقتراحه “مبادرة الحكم الذاتي”، وفشلت المسارات بعدها في تنزيل الحكم الذاتي عبر الأمم المتحدة لخفض حاد في بعثتها.

   ولا يمكن بأي حال، بناء معادلة أخرى بين “ميليشيات صديقة” للولايات المتحدة كما نسجها جون ماكين وإدارة رامسفيلد، وبين نظام صديق أو “حليف”، ولذلك، فالمسألة في نظر البنتاغون ليست عسكرية، وحلها ليس عسكريا على الإطلاق، ويزيد جيمس ماتيس توضيح هذه العقيدة بقوله: “ليس هناك صديق جيد”.

هوامش

 1_ a new American Grand strategy by General Jim Mattis via defining ideas «hoover.org» 26/2/2016.
2_ «we need a new security architecture for the middle east built sound policy, one that permits us to take own side in this fight» ibid.
3_ «to do so America needs a refreshed national strategy»
4_ «Jordan is actually amuch more logical fit because its military has better capabilities than the Moroccan military» «RAND» «National defense research institute».
«The future of Gulf security in a region of dramatic change, David Aeron, Fredric mehrey, Brett Andrew Wallace, 2011».
5_ «the GCC definitely wants to help Morocco because doing so would strengthen a fellow monarchy but that is not the same as wanting Morocco to join»
6_ «ACCO national defense security and climate change work shop» (paper 2016).
7_ san Diego Jewish world, every body loves «mad dog» Mattis pick reassures allies, (december 5, 2016).
8_ why trump should make Africa a foreign policy priority, by peter Pham, atlantic cancel (11/15/2016) and Africa presentes an opportunity for trump, by Ashish kumar sen, «Atlantic cancel»
9_ (General James MADDOG Mattis whos being considered for secretary of defense, was very impressire yesterday, a true General’s general)
10_ unprecedented mediocrity, 5 reasons general Mattis should be secretary of defense. by Jeff Edwards (18/11/2016).
11_ Nomination de James Mattis au poste de secrétaire d’état à la défense Donald Trump sous influence! Jean pierre Moulny, «IRIS» ( r, 2/12/2016).
12_ l’élection de Trump; une impulsion décisive pour l’Europe de la défense? (interview jean pierre maulny, IRIS (r, 3/12/2016).
13_ interview jean Vincent brisset, bilan  de l’opération sangaris? IRIS (31/10/2016).
14_ interview Sophie le Feez, «le point» :05/11/2016 (2081034).
15_ «the telegraph», general James Mattis commanded many of my freinds, Donald trump has made an excellent choice, tom tugendhat (2 déc 2016).
17_ the Obama administration’s inexplicable mishandling of marine, «foreign policy» (18/1/2013).
16_ General Jim Mattis (interview) via un common knowledge (13/3/2013).
18_ ursula von der leyen, le ministre allemande de la défense demande a Trump de s’expliquer, «huffington post» 18/9/2016.
19_ the philosophy of James Mattis, military press (30/11/2018).
error: Content is protected !!