الحقيقة الضائعة | الجامعي كان في المحيط الملكي قبل أن تهب عاصفة الأصالة والمعاصرة

بقلم: مصطفى العلوي

   كنا مجموعة من الصحفيين، حول مائدة بأحد المقاهي في شارع الشانزيليزي، في باريس، نبحث جميعا عن مصير الخبر الذي كان رائجا في تلك الأيام، خبر الدعوى، التي قرر المغرب رفعها ضد الصحفيين الفرنسيين مدام كراسي، وإيريك لوران، ولم يكونا حاضرين، بل كان بيننا أحد المقربين إليهم وهو يشرح دوافع مطالبتهم بثلاثة ملايير، كي يمتنعا عن إصدار كتابهما المتفجر، ويسأله سائل: لكن لماذا ثلاثة ملايير، المنطق يقضي بأنهما اثنان، كان بإمكانهما أن يطلبا مليارا لكل واحد منهما، فيقول صديقهما: بأنهما طلبا ثلاثة ملايير، مليار لكراسي، ومليار للوران، ومليار لشريكهما في إصدار الكتاب، المغربي اللاجئ في فرنسا، فلان، تفهمون أن الصحفيين الفرنسيين لا يمكنهما وحدهما أن يكتبا كل تلك الأسرار.

   وها هما في كتابهما السابق، يعلنان في الصفحات الأولى، أن المحيطين المقربين من الملك، هم الذين زودوهما بعناصر ذلك الكتاب (انظر هذه الفقرة مصورة مع هذا الموضوع)، وترجمتها: إنهم ثلاثة أصناف من الذين تعاونوا معنا: ((رجال مقربون من القصر الملكي، ممن يحتلون المواقع الكبرى في المحيط الملكي، الخبراء المغاربة المطلعون على الوسائل التي تكشف العلاقات الملكية في مجالات الفلاحة والمال، وأخيرا السياسيون الذين يعرفون غاياتنا وأهدافنا)).

   لأبحث بوسائلي الخاصة، وأعرف أن المغربي شريك الصحفيين الفرنسيين في إصدار الكتاب، هو لاجئ مغربي، كان إطارا كبيرا في جهاز المخابرات المغربية بباريس، منذ أيام الجنرال الدليمي، سقطت أسهمه بعد تجديد هذا الجهاز، في أيام الملك الجديد، محمد السادس، وجاء هؤلاء الذين قطر بهم السقف(…) الباريسي، وكان طبيعيا أن يبعدوا كل من سبقهم ضاربين صفحا على ما قد يكون لسلفهم، من معلومات وأسرار، فعملوا على توقيف أجرته، وبقي معرضا للضياع، ربما يعيش منتظرا للفرج، دون أن يكون هناك فرج، ومن هذا النموذج كثيرون يعدون بالعشرات، وهكذا تغلي السمعة المغربية في باريس، كما في العواصم الأوروبية الأخرى بالمئات، من الغاضبين، نتيجة رجال العهد الجديد، الذين لا يهمهم، إلا إبعاد السابقين(…).

   ويمكننا أن نتحدث عن جيل من الغاضبين الذين يشكلون – وربما عن غير قصد – نواة المعارضة المغربية للنظام، وقد نمت وترعرعت في التربة الفرنسية، والأوروبية المطعمة بسماد المبادئ الديمقراطية، والمسقية – بالتأكيد – بما تصبه فيها، صنابير المخططات السرية(…) ، التي تزيدها أغلاط المبعوثين الجدد، دعما وسندا.

   ويبقى الصحفي المغربي، أبو بكر الجامعي ((حفيد الفقيه بوشتى الجامعي، وابن الصحفي خالد الجامعي، وصاحب تجربة لوجورنال الذي قدم صورة قاتمة للغاية، في تدخل له من المنفى الأمريكي، السحيق(…) وقد أصبح ناطقا رسميا باسم من تعرفون)) (الغزيوي. الأحداث. 5/12/2016).

   لكن تدخل أبو بكر الجامعي، كما هو مسجل، هنأ النظام المغربي الذي نجح في تقزيم ظاهرة المشاركة الصحفية في الإصلاح، وهذا ما لمحت إليه في الحقيقة الضائعة، عن المتحدث الرسمي الذي قال: جئنا لإفريقيا لإطعام الأفارقة من الجوع (الأسبوع عدد 1 دجنبر 2016)، واعترف الجامعي بأن خطاب 9 مارس(…) كشف في صيغة اعتراف، بالعجز عن جلب المغاربة إلى الساحة السياسية، منتقدا بلقنة الأجهزة للمجال الصحفي، بإثراء وسائل الإعلام، وإغداق الإعلانات والأموال، على وسائل صحفية ليس لها قراء.

   ليبقى تدخل أبو بكر الجامعي، في الندوة الأمريكية التي أقيمت لتكريمه وتكريم الصحفي علي أنوزلا، تحت يافطة: “قادة من أجل الديمقراطية 2016″، وكأنه يتساءل عما إذا كان الخطاب الملكي في 9 مارس بداية للتغيير الذي ينتظره المغاربة منذ خمسة عشر سنة.

   وبصيغة أخرى، فإن تدخل أبو بكر الجامعي، كان مفروضا فيه أن تتناقله أجهزة الإعلام المغربية في إطار الحوار الحتمي، هذا الحوار الذي أصبح يفرض نفسه بإلحاح، بينما سكتت كل وسائل الإعلام عن نقله أو التلميح إليه، رغم أن الجامعي لم يطعن في شرعية النظام، علما بأنه في بداياته الصحفية، وهو بالمغرب، كان أول صحفي مغربي بعد سلطنة الملك محمد السادس، استعمل الصحافة الأمريكية، وبالتحديد “الوال ستريت جورنال” في مقال كله آمال وتشجيع للنظام المغربي الجديد، وأنه في طريق الإصلاح على ضوء سياسة التناوب، تصريحات لأبو بكر الجامعي، للصحفي الأمريكي “فرنسيس جيل” بعد وفاة الحسن الثاني بشهور تحت عنوان: “الملك الجديد يحقق التمنيات الكبرى للمغاربة”.

   زمان لم يكن فيه أبو بكر الجامعي، لاجئا في أمريكا، وإنما بالعكس كان عنصرا فاعلا في اللوبي المكلف بإقامة كيان صحفي، وكان الجامعي في آخر أيام الحسن الثاني، قد أصدر المشروع الصحفي المستقبلي، لوجورنال، قبل أن يظهر أن أحد المشاركين في هذا المشروع، وكان اسمه حسن المنصوري، من أقرب المقربين للكتابة الخاصة الملكية، مثلما كان المشروع قريبا جدا من القطب الاقتصادي، مصطفى التراب، ومواكبة في ذلك الزمان، للانطلاقة الإصلاحية المغربية الكبرى لحكومة التناوب التي كان يرأسها أيام الحسن الثاني ومحمد السادس، القطب الاتحادي عبد الرحمن اليوسفي، وكان الحسن الثاني يمهد لدور الصحافة في زمن لم يكن يرضى أن تكون أقوى جريدة اقتصادية في المغرب، الحياة الاقتصادية (لافي إيكونوميك) في ملك الفرنسي “سيرفان شرايبر”، فأوحى إلى وزيره إدريس البصري، أن ينصح القطب الاقتصادي عزيز أخنوش بشراء هذه الجريدة، وجعلها في خدمة المغرب.

   وهو المشروع الذي نما في عهد الحكومة التي أعقبت حكومة التناوب اليوسفية، وقد عوضها محمد السادس بحكومة إدريس جطو، الذي بقي حريصا على تجديد المغرب(…) وتزويد الحكومة بعناصر تقدمية وإصلاحية متنوعة الانتماءات، واكبتها الأيام الأولى لمحمد السادس بتشجيع حسن المنصوري لدفع جريدة “لوجورنال” في اتجاه المخطط الذي كان فيصل العرايشي، المدير الحالي للإذاعة والتلفزيون، من الساهرين على إنجاحه، في هيأة حكومية، اختار لها رئيس الحكومة جطو نخبة مكونة من كريم غلاب، وعادل الدويري، وتوفيق حجيرة، ونزهة الشقروني، وياسمينة بادو، وحسن الشامي، لتنطلق في ذلك الزمان، فكرة الإصلاح، عبر تكليف الصحف الجديدة “لوجورنال”، و”دومان” المرابط، لنسف هياكل الفساد الذي يحول دون تربع المغرب مكانة أسد الشمال الإفريقي(…) وأغمضت العيون على الملفات الجريئة في هذه الصحف، وقد بدأت لوبيات المصالح تهاجمها خصوصا عندما سمت جريدة “الإيكونومست”، صهر الملك فؤاد الفيلالي عندما تم إبعاده بعنوان: سقوط بيبو.

   وعندما ترنح اللوبي الاقتصادي التابع للقصر الملكي، بانتقاد القابعين وراء المشروع المغلوط لبترول تالسنت، واضطر لرفع أول دعوى ضد جريدة “لوجورنال” توضحت الرؤيا عندما أصدر مدير الديوان الملكي وقتها(…) المعتصم، بلاغا يعلن فيه أن جلالة الملك، تراجع عن متابعة الجريدة قضائيا.

   وربما كانت هذه الفترة من النوايا العليا(…) في الاستعانة بالدعم الصحفي، متناسقة مع الاختيار الأولي للملك محمد السادس، الذي روى أحرضان في مذكراته أنه عندما ترأس أول مجلس وزاري بعد تنصيبه ملكا على المغرب، ألقى كلمة قصيرة قال فيها: “ليس لنا وقت نضيعه، وهيا إلى العمل”.

   وكان مشروع الدعم الصحفي، بطريقة أبو بكر الجامعي، ربما، بداية جدية للعمل الذي دعا إليه الملك، فلم يكن الجامعي ولا من معه، ضد النظام، ولكن مع نظام جاد ومتحرك غير جامد، بل إن المخطط الذي كان مرسوما، توسع إلى دعوة أقطاب النظام، للتوجه ذات مساء إلى المطار لاستقبال العدو الكبير للنظام، أبراهام السرفاتي، وقد تمتع بالعفو الملكي والاستقبال الملكي بصفته قطب المعارضين المغاربة في الخارج، وقد وصل إلى مطار الرباط دون أن يكون لوزير الداخلية إدريس البصري، علم بوصوله كبداية لزمن التصالح الحتمي، وقطع دابر المعارضة المتحصنة في الخارج، فعاد المعارضون الخطيرون، بعد أن كانت صعوبات تعترض كل راغب في الرجوع عندما بدأ الحسن الثاني يحضر لرحيله بإغداق الملايين على قدماء معتقلي تازمامرت، لكن محمد السادس، ذهب بعيدا بتكليف قطب كبير للمعارضين، بن زكري، بتأسيس منظمة الإنصاف والمصالحة، التي وزعت الملايير على ضحايا أيام  الوالد المرحوم الحسن الثاني.

   أفلا يحق التساؤل عما ذا جرى، حتى عادت أوروبا وأمريكا اليوم مرتعا لحشود المغاربة المعارضين مدنيين وعسكريين.

    ربما كان الزعيم الأمازيغي أحرضان على صواب، عندما كتب عن هذه الأيام الجادة في بدايات عهد محمد السادس، ودعوته في أول خطاب له بعدم إضاعة الوقت، فكتب وكأنه يجيب على هذا التساؤل: ((لقد كانت الأمور تبدو مستقرة، ولكنها في عمقها كانت مضطربة، وحصل في 11 غشت 1999، كسوف للشمس، ربما كانت السماء تخبرنا عبره بما سيحدث في المستقبل)) (مذكرات أحرضان).

   وهكذا فقد بدأت الملفات التي كان يرفعها رئيس الحكومة إدريس جطو، تقبع طويلا في رفوف الديوان الملكي، دون تنفيذ، وكان الملف المتحرك بدلها، هو ملف مشروع تأسيس حزب ملكي، يسمى حزب الأصالة والمعاصرة، الذي ربما كان المخطط له، يرى فيه أنجع طريقة لحكم المغرب تزامنا مع تضخم الكتابة الملكية الخاصة في المجالات الاقتصادية، وتم تكليف شريك جريدة “لوجورنال” حسن المنصوري، بمهام عليا في إحدى الشركات التابعة للكتابة الخاصة.

   لتدور الأيام، لكن هذه المرة، لتطحن كل الراغبين في الإصلاح، وتتوقف الصحف المحتجة على هذا التراجع ويمنع الشريك، علي المرابط، صديق مصطفى الباكوري(…) من الكتابة عشر سنوات، وها هو أبو بكر الجامعي في واشنطن، وهو يعطي تفسيرا آخر لكسوف شمس مذكرات أحرضان، متناسيا بأن هناك عزوفا عن السياسة في المغرب.

   وتصدر الكتب المناوئة للمغرب، والمقالات المنتقدة للمغرب، بخبايا مخزية، وتفاصيل مزرية، معلنة على النظام المغربي، وبدعم من الوسائل الإلكترونية، حربا شرسة، لا يمكن أن تتوقف عند هذا الحد.

error: Content is protected !!