من قاضي سابق إلى استئنافية بتطوان.. “لا لتسخير القضاء لخدمة السياسة”

بقلم: محمد الهيني

   بصرف النظر عن الطابع السياسي للقرار عدد 133 بإلغاء قرار تسجيلي بجدول المحاماة بهيئة تطوان الصادر عن غرفة المشورة باستئنافية تطوان بتاريخ 23/11/2016 في الملف عدد: 52/1124/2016 برئاسة الرئيس الأول المصطفى غزال، باعتباره جاء لإرضاء رغبات ونزوات وزير العدل في الانتقام من قاض عارض مشاريع الوزارة ودافع عن استقلالية السلطة القضائية، فإن ذلك تم عن طريق تسخير القضاء لخدمة أهداف السياسة وجبروته في خرق فاضح لاستقلالية القضاء كمرتكز دستوري، وهو ما يتضح جليا من خلال حيثياته التي يظهر من الوهلة الأولى أنها تفتقد لأي حس قانوني بسيط في تفسير القانون، لأنها تتضمن اعتداء ماديا وانحرفا جليا لأحكامه من خلال عدة أوجه للعُوار والإزلال والتحريف، نعرض لها تباعا:

    1- الإشارة لقرار محكمة النقض غير صحيح بالمرة لأن القرار يتعلق بقاض أحيل على التقاعد، وليس في تفسير كون المادة 18 جاءت على سبيل الحصر، وأستغرب الكذب والتجني على أعلى مرجع قضائي بالمملكة، ومما جاء، حيثيات قرار محكمة النقض الذي حرفته وشوهت مضمونه محكمة الاستئناف بتطوان بأن “إحالة طالب التقييد في جدول المحامين على التقاعد التلقائي من طرف المجلس الأعلى للقضاء، لا يحمل على ارتكابه أفعالا مخلة بالواجبات المهنية وبالشرف والوقار” قرار صادر بتاريخ 17/12/2008 تحت عدد: 1047 ملف إداري عدد 3164-4-1-2006 مذكور عند عمر أزوكار: (المحاماة من خلال العمل القضائي، مكتبة الرشاد، الطبعة الأولى 2012 ص: 201)، فهل هذا القرار ينص على أن المادة 18 من قانون المحاماة جاءت على سبيل الحصر؟ واآسفاه على تحريف وتزوير لم يسبق له مثيل في تاريخ القضاء بالمغرب.
   2- لا وجود لأي عبارات أو صيغ في المادة 18 من قانون المحاماة تفيد حصر قدماء القضاة في المستقيلين والمحالين على التقاعد، فهي قدمت أمثلة فقط، بدليل أنها أغفلت عدة حالات من بينها المرض والمغادرة الطوعية وترك الوظيفة، فهل يوجد رجل قانون عاقل يقول بعدم شمول هذه الحالات بحكم المادة 18؟ وحيث إن ما يؤكد هذا التفسير، هو استعمال المشرع في المادتين 33 و46 من قانون المحاماة لعبارة “قدماء القضاة” هكذا مطلقة دون تخصيص مما يجعلها شاملة لمختلف حالات إنهاء مهام القاضي الذي أتم مدة ثماني سنوات من العمل.
   وحيث أن اعتبار المحكمة، أن القاضي غير المستقيل، وغير المحال على التقاعد يعتبر عديم الأهلية، يجعل فعلا مثل هذا الكلام هو المنعدم الأهلية ولا صلة له لا بقواعد التفسير، ولا بالحد الأدنى للمعرفة القانونية المفترض توفرها لدى القضاة، فكيف يعقل إسقاط صفة القاضي السابق والمعتبر من قدماء القضاة على غيرهما.
   3- أن المادة 18 عرضت أمثلة عن حالات إنهاء الوظيفة، أما المادة 5، فهي التي حددت الإدانات التأديبية ونوعها وجعلتها شاملة لكافة العقوبات التأديبية ولم تستثن حالة العزل، بدليل أن قرارات محكمة النقض أجمعت على عدم حصرية المادة 18 من قانون المحاماة استنادا لكون “المادة الخامسة من قانون المحاماة لم تجعل من الإدانة”، بهذا العموم كيفما كانت الإدانة، عزل أو إحالة على التقاعد “شرطا كافيا لرفض طلب التسجيل بجدول المحاماة، وإنما ربطت ذلك بارتكاب أفعال ماسة بالشرف والمروءة وحسن السلوك”، قراران لمحكمة النقض تحت عدد: 607 و608 الصادرين بتاريخ 16-8-2012 في الملفين: “205-4-1-2012″، و”174-4-1-2012″، فمن لا يعلم بالاجتهاد القضائي أو يتناساه أو يحرفه لا تليق به صفة رجل قانون، سواء كان قاضيا أو محاميا أو أستاذا جامعيا أو باحثا، فكيف تقبل المحكمة بالرجوع للمادة 5 فقط في تفسير السبب الشائن وليس طبيعة العقوبة ونوعها كالعزل أو غير ذلك، لأن المادة 5 من قانون المحاماة التي ربطها الاجتهاد القضائي لمحكمة النقض بالمادة 18 في التفسير واضحة وضوح الشمس لمن له عقل، ذلك “أن لا يكون مدانا قضائيا أو تأديبيا بسبب ارتكاب أفعال منافية للشرف والمرورة أو حسن السلوك ولو رد اعتباره”، فهل العزل عقوبة تأديبية أم لا؟ إننا نخاطب أصحاب الضمير والعلم، وليس أصحاب الحقد والجهل والانتقام.
   وهكذا اعتبرت محكمة النقض في قرارها الصادر بتاريخ 9-10-2014 تحت عدد: 1054-1 في الملف الإداري عدد: “1296-4-1-2014” أن الفقرة الخامسة من المادة الخامسة من القانون المنظم لمهنة المحاماة المحجج بها، لم تجعل من الإدانة شرطا كافيا لرفض طلب التسجيل، وإنما ربطت ذلك بارتكاب أفعال منافية للشرف والمروءة وحسن السلوك، وهو ما لا ينطبق على تلك المخالفة، ولا يشكل مبررا لرفض طلب التسجيل، تكون قد بنت قضاءها على أساس من القانون وعللت قرارها تعليلا كافيا، وما بالوسيلة غير ذي أساس.
   وفي قرار آخر لمحكمة النقض صادر بتاريخ 17/12/2008، اعتبرت أن”إحالة طالب التقييد في جدول المحامين على التقاعد التلقائي من طرف المجلس الأعلى للقضاء، لا يحمل على ارتكابه أفعالا مخلة بالواجبات المهنية وبالشرف والوقار” قرار تحت عدد: 1047 ملف إداري عدد “3164-4-1-2006” مذكور عند عمر أزوكار: (المحاماة من خلال العمل القضائي، مكتبة الرشاد، الطبعة الأولى 2012 ص: 201).

                                                                                                                                                                                                                                * قاضي سابق
error: Content is protected !!