في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | تهريب الأموال من المغرب يزيد عن ديونه الخارجية ويهدر مستقبله الاقتصادي

الشلل المالي يضرب المملكة

إعداد: عبد الحميد العوني

   المغرب يعيش فقط بربع قدراته، ويدخل مرحلة “الشلل المالي”، وقد تضاعف تهريب الأموال من المملكة إلى الخارج سنويا، ووصل 12.5 في المائة، فيما المعدل الدولي هو 6.5 في المائة، وما خرج من المغرب في 38 سنة، من 1970 إلى 2008، تسرب مؤخرا في 9 سنوات من 2009 إلى 2013، حسب آخر دراسة قادها الخبيران، ديف كار وجوزيف سبانجرز، أي أننا أمام تطور رهيب لمؤشر الفساد يصل 400 في المائة، وسيزيد الوضع سوءا بفعل الشراكة مع إفريقيا، المعروفة باقتصادها الأسود، وحسب آخر ما نشره في الأسبوع الماضي، المكتب الشريف للفوسفاط، المتورط مؤخرا في تمويل حملة كلينتون في الانتخابات الرئاسية الأمريكية بـ28 مليون دولار، فإن 62.9 في المائة من الاستثمارات الأجنبية المغربية توجد في هذه القارة، منها 10 في المائة للهولدينغ الملكي، و6.1 لشركات العقار، و.40.9 للأبناك، و31.1 للاتصالات.

   وانزلقت درجة المغرب في مؤشر الفساد إلى 91 ضمن 175 دولة، مباشرة بعد وصول الاستثمارات في القارة السمراء إلى 88.2 في المائة.

   وتحركت موجة هذه الاستثمارات، لأسباب سياسية، من السنغال في 2008 (65.2 في المائة) إلى مالي 2009 و2010 و2013 (58.9 في المائة)، واحتلت الكاميرون وساحل العاج صدارة 2011 و2012.

   ويجمع المغرب بإفريقيا 500 اتفاق تجاري إلى اليوم، بما يزيد انتقال الاستثمارات من معايير صارمة مع الشركاء الأوروبيين والأمريكيين إلى منطقة أهدرت، من 2002 إلى 2006، بين 875 مليار دولار إلى تريليون دولار، كما تقوم الشراكات الجديدة على اقتصاد يعتمد على تهريب الأموال في الصين والهند.

الشراكة السوداء مع إفريقيا تهرب الرأسمال من المغرب

   في السبع سنوات الأخيرة، تجاوز تهريب الأموال من المغرب ديونه الخارجية، في صدمة تزداد عمقا، وتؤكد الدوائر الغربية عن تهريب للأموال يتجاوز كل الخطوط الحمراء التي رسمتها الشرطة الأوروبية، إثر تفكيك القضاء الفرنسي مؤخرا، شبكة للتهريب في مدينة مرسيليا.

   وتأتي الشراكات الجديدة للمغرب مع روسيا والصين المعتمدتين على تهريب الأموال، عاملا يفاقم الظاهرة، إلى جانب توجيه الاستثمار المغربي إلى منطقة جنوب الصحراء، والتي تهرب لوحدها في السنة 482.4 مليار دولار.

   وفي المغرب، وصل مجموع التهريب عبر التصدير والاستيراد بين 2004 و2013، 38 مليارا و224 مليون دولار، بمعدل سنوي يصل 3 ملايير و822 مليون دولار.

   وبتفصيل دقيق، يتم تهريب الأموال المغربية سنويا، عبر الاستيراد بـ 16.016 مليون دولار، ومن خلال الاستيراد (المواد وأثمنتها) بـ 51.014 مليون دولار، ويتسرب عبر التصدير 17.100 مليون دولار، ومن خلال التصدير (بمختلف إجراءاته قبل إنجاز العملية) 22.207 مليون دولار، ويبلغ مجموع التهريب من خلال التصدير والاستيراد 68.183 مليون دولار، وعبرهما 38.224 مليون دولار، ويكون مجموع ما يتم تهريبه من الأموال كل سنة عبر التصدير والاستيراد، ومن خلال التجارة فقط، هو 106.407 مليون دولار، وفي حركة التصدير والاستيراد يأتي تهريب الأموال، حسب آخر دراسة منظمة “الشفافية المالية الدولية”(1) بالمليار دولار، على الشكل التالي: 2004 (2.711 مليار دولار)، 2005 (5.097)، 2006 (2.788)، 2007 (4.126)، 2008 (4.991)، 2009 (3.171)، 2010 (3.334)، 2011 (3.812)، 2012 (4.290) و2013 (3.934).

   ومن خلال التجارة البينية أو الثنائية، يصل المعدل السنوي، بين 2004 و2012، إلى 738.7 مليون دولار دون احتساب سنتين.

   وبإدخال المؤشرات الجديدة، وصل تهريب الأموال المغربية عبر هذين الطريقين، إلى 3 مليارات و810 مليون دولار، أي حوالي 4.8 في المائة من الناتج الداخلي الخام للمملكة، وتتقدم هذه الحصيلة أربعة أضعاف، أي بنسبة تصل 415.8 في المائة.

   وبوجود اقتصاد أسود يستثمر فيه المغاربة ومنطقة يبلغ فيها تهريب الأموال إلى 4.7 في المائة من الناتج الداخلي الخام لكل دولة، والمعدل في المغرب هو 2.5 في المائة حسب المعايير القديمة، تكون المملكة مهددة بالانزلاق إلى الأسوإ، منبهين إلى أن تهريب الأموال قفز إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي المغربي عام 2008 ، حسب المعايير الكلاسيكية وحوالي 5.9 في المائة حسب الحسابات المعتمدة الآن.

   ومن الخطورة أن نعرف، أن الرأسمال المتحالف مع المغرب (في السعودية والإمارات تحديدا) رفض المؤشرات الدولية للشفافية(2) على أساس تدخل الصناديق السيادية في ميزان الشراءات أو المدفوعات(3)، وينطبق الأمر على الشراكات الجديدة للمملكة مع روسيا والصين، إذ تجاوزت موسكو بكين في 2008 و2011، ووصل تهريب الأموال في الصين تريليون و400 مليار دولار في العقد الأخير.

   وعبر إدارة الإحصاءات التجارية أو ما يسمى اختزالا “دوتس”(4)، تكون “مجموعات التواطؤ”، وهي من معايير قياس الأمم المتحدة للتجارة الثنائية أو البينية “أون كوم تريد”(5)، ضمن الشراكات المغربية مع دول إفريقيا، وتعمل مع مجموعات الضغط في اقتصاد تجاري “أسود”، يبلغ في ساحل العاج مثلا 3 ملايير و429 مليون دولار عام 2007، وفي دولة الغابون تتضاعف النسب كل سنة، وإن كان هذا حال الشركاء، فإن المناهضين للمغرب في محور بريتوريا ـ الجزائر يعملون على نفس المنوال، ولا تستطيع الرباط منافستهم في القارة دون انزلاق أكبر في أتون الجريمة المالية.

   وانزلقت شركات عالمية كبرى في إفريقيا، كما يورد تقرير لـ”غلوبال ويتنس”(6)  الصادر في شتنبر 2016، حين سيطرت شركة “كلينكور” على دولة إفريقية كاملة، وعملت شركة “شيل” الفرنسية على ابتلاع 505 مليار دولار دفعة واحدة استدعت مراسلة الكونغريس، وغيرها من الفضائح التي استدعت في مارس 2016، إطلاق مبادرة الشفافية الصناعية “أو. إ. تي. إي” التي وقعت عليها 51 دولة، وستنشر هذه الدول خرائط طريق في يناير 2017 تشمل أصحاب المنافع إلى 2020، وأيضا إطلاق مذكرة تفاهم في يونيو الماضي، حول الضوابط الجديدة في استغلال المعادن لوقف ما دعته المنظمات غير الحكومية “التجارة القاتلة”.

   وفي توارد هذه الإجراءات، يمكن لأمريكا حظر تمويل الأبناك العالمية لمشاريع المكتب الشريف للفوسفاط لوقف خطط المغرب في إفريقيا، بسبب انزلاق شراكة جنوب ـ جنوب إلى “الاقتصاد الأسود”، وتعمل واشنطن على “الشفافية المصرفية” وعلى “الشفافية التعاونية” التي أقرتها الأبناك مؤخرا(7) ضد الجريمة المالية، وحددت منظمة “الشفافية” من واشنطن المعدل السنوي للجريمة المالية في المغرب بـ279 مليون دولار.

   وحددتها نفس الدائرة بالأرقام التالية، 291 مليون دولار عام 2004، وبملايين الدولارات، 408 في 2005، 523 في 2006 و(414 عام 2008، وفي عام 2009 وصل التهريب المالي عن طريق الجريمة إلى 521 مليون دولار، أي أكثر من نصف مليار دولار.

   ووصلت إحصاءات الأموال المهربة من المغرب إلى 3 مليارات دولار عام 2004 و5 مليارات ونصف المليار عام 2005، وتوزعت بين الرقمين من 2004 إلى 2013.

   وتجزم القفزة بملياري دولار في سنة واحدة، بوقوع خلل واسع تعيشه المملكة، وعدم عودة الرقم إلى سقف 2004 طيلة عشرية كاملة أو عقد من الزمن، دليل إضافي على تحول مشكلة تهريب الأموال إلى “مشكلة بنيوية “.

الصين المتخصصة في تهريب الأموال تستثمر في شمال المغرب، المعروف بتهريب الأموال والمخدرات، ومنظمة “الشفافية المالية الدولية” لا تضيف غسيل الأموال إلى اختصاصاتها ويرفع تهريب الأموال وغسيلها الأرقام لتصبح فلكية

   يمثل اكتفاء منظمة “النزاهة الدولية” بـ”تهريب الأموال” عن طريق “الرشوة” و”الغش التجاري” و”الجريمة المالية” دون ضم غسيل الأموال أو المخدرات إلى الأرقام المنشورة، حالة صادمة للمتابعين، فيما تنتقل الإحصاءات إلى أرقام فلكية في حال اعتماد المعايير الجديدة التي منها “تي. بي. إم. إل”، أي ظاهرة محيط التجارة على قاعدة غسيل الأموال المتصلة بصناعة المخدرات أو تهريبها(8)، وهو ما يرفع الأموال المهربة إلى أموال تكاد تشكل دورة كاملة في المملكة، لأن منظمة النزاهة تؤكد في تقريرها الأخير أن مهربي المخدرات “قد يستعملون الاحتيال التجاري”.

   وتريد الصين التي تحتال تجاريا قاعدة لها في شمال المغرب، نحو أوروبا وأمريكا والقارة السمراء، وتدخل الرباط في أتون منافسة مالية بحتة في غرب إفريقيا ، ستؤدي لا محالة إلى عدم الاهتمام بالمشاريع الاجتماعية، وهو “انحراف” كما يقول تقديم، رايموند بيكر، رئيس منظمة “النزاهة المالية العالمية” في تقريرها لعام 2015(9)، من جهة، لأن 83 في المائة من كل التجارة مع إفريقيا يمر خارج القانون، والشركات المغربية التي تواصل عملها في الوطن عليها مسؤولية عدم  انزلاق المملكة إلى الأسوإ.

   ودخلت التجارة على خطوط التماس مع تجارة المخدرات بما يشكل خطرا، وتنبه الولايات المتحدة الأمريكية، من جهة أخرى، إلى مستوى الخطورة في تقريرها حول استراتيجية ضبط “التبغ” من المجلد الأول، حين تطرقت إلى الضبط الكيميائي للمخدرات، وجاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 27 يوليوز 2015 داعما لهذا المنحى(10).

   وتعمل بكين على هذه التقاطعات السوداء، في استثماراتها المرتقبة في شمال المغرب الذي يضم الظواهر الثلاث (المخدرات وتبييض الأموال وتهريبها) في تداخل معقد، يجب عدم فصله عن بعضه، أو السماح لاستثمار خارجي يمس الأمن المالي المغربي المتدهور جراء هذا الهامش العريض والمتداخل بين الجرائم المالية بالمعايير الدولية والجرائم المقبولة في العرف المحلي، من زراعة الحشيش والاستثمار بأمواله، وتكلف هذه الآليات العرفية خسارة شديدة، إحداها، “الحَوَالة” في تهريب الأموال، وهي وسيلة ناجعة حققت ما أدهش الشرطة الأوروبية مؤخرا.

   وجرى تهريب 75 مليون يورو بين 2015 ونونبر 2016 من أصل 400 مليون دولار في الأربع سنوات الأخيرة.

   وحسب وكيل مرسيليا، كزافييه ترابو، فإن المحجوزات (5 ملايين يورو و7 كيلوغرامات من الذهب و10 كيلوغرامات كوكايين و785 كيلوغرام من الحشيش) خارج المعايير المعهودة، بفضل “الحَوَالة” التي تسمح بتحويل أموال من شخص إلى آخر بدون رقابة.

   وإن كانت “الحَوَالة” إحدى وسائل تهريب الأموال، فإن المسارات الموازية تسير، مع الصين في شمال المغرب، نحو الدخول في استراتيجية قوة كبرى، وتحاول كل من فرنسا والولايات المتحدة، في الفترة الأخيرة، عرقلة المخطط الصيني المنطلق من الريف وطنجة، و تريد بكين استثمار شركاتها الكبرى في منطقة تعرف رقم معاملات دولي في تجارة الحشيش بين 13 مليار دولار و26 مليار دولار، ودورة تبييض أموال مهمة على صعيد القارة، وقد يصل رقم معاملات الحشيش في 2017، أي لسنة واحدة، مجموع ديون المغرب الخارجية، ويهدر المغرب حاليا 3 نقط نمو، كما يضيع 4 نقط من ناتجه الوطني الخام.

خسارة المغرب لـ 16.4 في المائة من مؤشر الأهداف في الناتج الوطني الخام مرتبط بـ”الاحتيال التجاري”

   بسبب التهرب الضريبي وتهريب الأموال، يخسر المغرب 16.4 في المائة من مؤشر الأهداف في الناتج الوطني الخام، حسب بنود “الندوة الدولية الثالثة لتمويل التنمية وخفض التهرب المالي في 2030″، والموقعة من طرف الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 27 يوليوز 2015، وكل الاتفاقيات بين المغرب والدول الأوروبية لم تذكر الالتزام بهذا القرار، ولا تجري تحت بنوده.

   وما يسميه المحللون الماليون “خطة عمل أديس أبابا” الصادرة عن المؤتمر الدولي الثالث لتمويل التنمية، والمعززة لتوافق آراء “مونتري” لعام 2002، و”إعلان الدوحة” 2008 ، لم تؤطر إلى الآن، العمل والشراكات في إفريقيا.

   تقول الفقرة الخامسة من الخطة، بـ”ضرورة محاربة الفساد على كافة المستويات وبجميع أشكاله”، داعية إلى “بناء المؤسسات الديمقراطية الفعالة الخاضعة للمساءلة الشاملة للجميع على كل من الصعيد، دون الوطني، والوطني والدولي، باعتبارهما عناصر محورية لإتاحة حشد الموارد واستخدامها بصورة فعالة ناجعة وشفافة”.

   ولم يفت منظمة “الشفافية الدولية” القول بوجود “فساد سياسي” في المملكة، واضعة المغرب على مؤشر الفساد بين 32 و47 وبترتيب دولي وصل إلى الدرجة 91 من أصل 175 دولة، وحاليا يتموقع المغرب في الدرجة 88.

   وتورد كل الدوائر الغربية هذه الدرجة في تقييمها للمغرب، ومن اللافت أن تذكر الخارجية البريطانية في موقعها الرسمي، أن “الفساد يعود في المملكة العلوية إلى الأجور المنخفضة في القطاع العام”(11).

   ويبدو أن ذكر هذا العامل ضمن مخاطر الاستثمار، يكشف عوامل الفساد المتعددة كتعدد الوسائل في تهريب الأموال، من “الحوالة” إلى “الاستيراد والتصدير” و”الاحتيال التجاري” و”التهريب الضريبي” وغيرها من الآليات التي تحول الجزء الشرعي في العملية الإنتاجية إلى خراب محقق.

   وتقاطع عفونة الواقع الداخلي مع الاستثمار في إفريقيا، واستثمار الصين على خط التماس مع المخدرات وتبييض الأموال يعد كارثة تجعل المملكة العلوية في مستوى القارة السمراء التي تدير 83 في المائة من تجارتها خارج القانون.

   وإن أتبعنا هذه المعلومة بأخرى، تؤكدها الخارجية البريطانية رسميا، وتقول: “إن 68 في المائة من دول العالم لديها مشكل خطير مع الفساد”، يظهر بوضوح أن بعض الاستثمارات الخارجية على الأرض المغربية أيضا ملوثة، فكيف بها، إذا زاد معدل فسادها من خلال الدائرة الإفريقية التي وصلت فيها استثمارات المملكة إلى 88 في المائة.

   المغرب في الدرجة 88 في التصنيف العالمي للفساد، واستثماراته تصل إلى 88 في المائة بالقارة السمراء، ولا يزال انزلاق المملكة نحو القاع مدفوعا بالشراكات والاتفاقات مع قارة يسيطر عليها الاقتصاد الأسود ذي التطبيع الواسع مع الصين والهند التي تحتل الدرجة الرابعة في نفس تقرير “النزاهة المالية العالمية”.

   وفي إطار “التحايل التجاري” في الدول النامية، يمكن الإقرار بثلاث مؤشرات، يشارك المغرب فيها مباشرة من خلال ثلاث دوائر:

   أ ـ التلاعب في الأرباح والتحويلات بما يصل إلى 212 مليار دولار.

   ب ـ التحايل التجاري البالغ 878.2 مليار دولار.

   ج ـ الشراكة مع استثمارات قادمة إلى المغرب وهي في الأصل “ملوثة”.

   ودائرة رابعة، يشكل الاستثمار المغربي، في دول يصل فيها تهريب الأموال إلى 6.1 في المائة من ناتجها الوطني الخام، “كارثة” تزيد معها الاختلالات، وتعيد إنتاجها ماليا وإداريا.

   ولا يمكن الوصول، في هذه الخطوة، إلى تنمية اجتماعية مستدامة، كما لا يمكن مستقبلا الجزم بوجود رابط بين الاستثمار الخارجي المباشر في المملكة أو الاستثمار المغربي خارج الحدود، وبين أهداف التنمية المستدامة المعروفة اختزالا بـ”أودا”، والمقاربة لا تعطي المراقبين أملا.

الأصول المهربة من إفريقيا جنوب الصحراء والبالغة 85 مليار دولار سنويا، تقبل دخول المغرب عبر شركات صينية لضمان الأرباح وإعادة تدويرها في مشاريع قارية مستخدمة وضع المال في بلد والأرباح في بلد آخر ومن شركة أخرى، وهذه الشبكة تؤطر وتشجع الاستثمارات المغربية بإفريقيا لتفريغ المملكة العلوية، فتكون مستعدة للانتقال من المعايير الغربية، التي جاءت مع انسحاب الملك الراحل الحسن الثاني من منظمة الوحدة الإفريقية، وإلى قرار العودة إلى الاتحاد الإفريقي مؤخرا

   الشبكة الصينية في إفريقيا تعمل بقوة على دخول المغرب إلى الاتحاد الإفريقي لتغليب معاييرها التي تجد في الاستثمارات المغربية في القارة السمراء سندا لتقاطع “السلوك” التجاري للأفارقة والصينيين مع المستثمرين المغاربة في القارة، لأن الرباط لا يمكن لها أن تتراجع عن نسبة 60 في المائة من كل استثماراتها الخارجية المباشرة في إفريقيا.

   إنها مصيدة، وكل تراجع عن النسبة المذكورة من الاستثمارات في إفريقيا، ستفلس معه 20 في المائة من رساميل الشركات المغربية الكبرى العاملة في القارة، فيما يمكن تعويض بطء هذه الحركة المالية بالانزلاق إلى الاقتصاد “الأسود” الذي ينافس فيه الجزائريون والجنوب إفريقيون المملكة، والدولتان (الجزائر وجنوب إفريقيا) متقدمتان على المغرب في تهريب الأموال، ولهما خبرة واسعة في أدغال إفريقيا، فالمغرب يعود إلى إفريقيا، لكن منافسي المملكة جزء من الفسيفساء التي ترسم مخطط إفريقيا إلى 2063، ولا يمكن للرباط ربح نقط، بل المشاركة في اقتسام الكعكة.

   ويفقد الشركاء الأوروبيون والأمريكيون الموقعون على شراكات واتفاقيات التبادل الحر مع المملكة، الأمل في دعم نهجهم وسلوكهم داخل المغرب بعد 2020، إن تواصلت سياساته الحالية، وبنفس السرعة تجاه إفريقيا، وسيؤثر الوضع القادم على الأمن التجاري والاقتصادي للمملكة العلوية، لأن السياسات المعتمدة صينيا وإفريقيا تعتمد مؤخرا على تحوير استعمال الناتج الداخلي الخام.

الاستثمار المغربي المباشر في إفريقيا يعتمد مؤخرا، على تحوير استعمال الناتج الداخلي الخام واحتياطاته وإعادة توجيه التجارة المتعلقة بتقنيات عمياء منذ 2013

   المغرب يخسر 16.4 في المائة من أهداف الناتج الوطني الخام، وتتقدم الديون إلى 80 في المائة من هذا الناتج، ويغرق الاستثمار الخارجي للمملكة في إفريقيا لإنقاذها مع تهميش الداخل ورفض إعادة تثمين الاستثمار داخل المملكة لصالح الأجانب أو المحليين، وفي هذه الرؤية تكاد التقنيات العمياء منذ 2013 أن تقتل المبادرة الاستراتيجية من داخل المملكة.

   والفرصة مواتية للاقتصاد “الرمادي” و”الأسود” لاجتياح الدولة من خلال تحريف بوصلة الاقتصاد الاجتماعي المتصل بالمخدرات في شمال المغرب، وبالاحتيال التجاري في الدارالبيضاء ووسط المملكة وبالاستيراد والتصدير بـ 65.9 في المائة، وبالتهريب التجاري عموما بـ 83.4 في المائة من خلال الاحتيال في أثمنة البيع والوساطة.

   وبارتفاع “الحوالة” المالية في “فضيحة مارساي”، لم يعد ممكنا الجزم بأن 19.4 في المائة لباقي “الطرق” في تهريب الأموال، لأن طريقة واحدة تجاوزت كل الحسابات والخانات والمساطر في 2016.

   ويفرض الانقلاب “الجديد” في التقديرات، التأكيد على خلاصتين: أن ما يسمى بـ”التقنيات العمياء” منذ 2013 ستستفحل في تهريب الأموال، وإن كانت “الحوالة” اليوم، فهناك تقنيات أخرى على الطريق، والخلاصة الثانية، أن شركات الاستيراد والتصدير التي وجدت متنفسا لها في الصين منذ 2004، مستعدة للتعاون مع شركات قادمة من الصين إلى المغرب، بما يزيد من الانزلاق إلى القاع.

   وباعتماد ما يسمى بـ “التقنيات العمياء” والتعاون مع الاقتصاد “الأسود” واستثماره على الأرض، ستكون سنة 2025، فرصة لتجاوز نسبة الاقتصاد “الأسود” لـ10 في المائة من الناتج الوطني الخام في بند واحد: “تهريب الأموال الذي فرض تدريجيا تحرير الدرهم”.

   والمخيف من هذه الزاوية، أن يؤطر تهريب الأموال مراحل تحرير الدرهم، وتلك كارثة وطنية لا تبقي ولا تذر، لأنها ستعيد صياغة الاقتصاد الوطني على أسس جديدة، “رمادية” وخارج القيم المعروفة، وينجح أنصار هذا الاتجاه من داخل الدولة والمجتمع التجاري الذي صنع طبقته النافذة، ولها ثقلها حاليا في تسطير السياسات العامة عن طريق دعم الليبرالية المتوحشة، وتبدأ من توحش الاقتصاد غير المهيكل، وتجارة التهريب والاحتيال والتملص الضريبي الواسع النطاق.

الشركات الكبرى العاملة في إفريقيا تتحالف مع لوبيات تهريب الأموال في تحرير الدرهم

   يذهب التحالف الواسع للشركات الكبرى المستثمرة في إفريقيا، ولوبيات تهريب الأموال في تحرير الدرهم، إلى تكريس خطير لليبرالية المتوحشة، بل يريد أن يوجه الحكومة إلى إفريقيا خارج أجندتها المباشرة، ويمكن بهذه الطريقة، أن يكون تحرير الدرهم وكل الأجندة الاقتصادية تحت سيف من يستثمر في إفريقيا وليس من يستثمر في وطنه.

   وسيكون، بهذا التحول، تأثير عميق وغير قابل للمراجعة، فالوجه الذي كرسه الملك الحسن الثاني لبلده منذ 1984 انتهى، وتبدأ خطوة مخيفة لا يمكن توقع نتائجها.

   وما يجري حاليا، ينتقل من جهة، إلى “شرعنة الجذور” غير الواضحة لرساميل مغربية عبر استثمارها في إفريقيا، كي تتحقق لها قيمة على صعيد التداول، متجاهلة الالتزام بـ”تي. إم. بي. إل” كما يعرفها الأوروبيون وتدل على مسار(12) أو مسلسل تتبعه هذه الأموال للشرعنة، فيما تسعى الرساميل الكبرى من ناحيتها، إلى اجتياح القرار الحكومي والهيمنة عليه.

   وأيا يكن، فإن تحرير الدرهم يوجب محاربة غسيل الأموال(13) ومن تم محاربة تهريبها، وإن نحو استثمار خارجي للمملكة يؤثر على التوازنات الداخلية ـ الاجتماعية والاقتصادية-.

   والخوف كبير من تساكن، إن لم نقل تحالف، هذه الأهداف في مرحلة عصيبة قد تؤدي بالمملكة إلى شلل مالي كامل.

   فهل هي مغامرة ؟ قد يكون التقدم باقتصاد بدون عمود فقري بتعبير المستشار الاقتصادي للملك، أندري أزولاي، إلى اقتصاديات ضبابية وانتقالية في القارة السمراء وتوجيه القرار الحكومي كاملا إلى إفريقيا، خطر مركب قد يعصف بالكثير من الثوابت المالية والاقتصادية في الداخل المغربي تحديدا، ويسبق تنظيف التجارة، أي تحرير قد يزلزل الإطار المؤطر للعملية التجارية بالكامل، من واقع أن تحرير العملة تحرير قد يعطي منارة إضافية لشرعنة “أصول مالية جديدة”.

   وقد تنجر المؤسسات إلى إدارة الهامش، أو تتمكن السياسة الحكومية من احتواء هذا الهامش أو جزء منه على الأقل.

تحرير الدرهم في أجواء تتقدم فيها لوبيات تهريب الأموال في المغرب، يدعو إلى مضاعفة رقم أعمال التهريب، متجاوزة المعدل العالمي بـ96 في المائة

   يصعب في هذه الظروف، التي تضاعف فيه لوبيات تهريب الأموال رقم معاملاتها، التفكير في تحرير الدرهم تحت طائلة ضغوط الشركات الكبرى في المملكة، وقد قررت أن تدير القرار الحكومي بشكل كامل.

   وبين ضغط لوبيات تهريب الأموال في الداخل، تتقدمها شركات الاستيراد والتصدير، وضغوط الشركات المغربية الكبرى العاملة في إفريقيا، يتضح أن السياسة المالية مقتصرة على مواكبة تحالف المصالح بين طرفين رئيسيين في إنتاج الثروة عموما.

شركات الاستيراد من الصين تحديدا، أي خارج الدائرة الغربية، وشركات التصدير إلى إفريقيا، لا تخشى من تهمة تهريب الأموال، بل تكرس انفتاحا لمعاملاتها من خلال الهيمنة على القرار الحكومي والسياسي للمملكة

   عندما نعلم أن تهريب الأموال المغربية خارج شركات التصدير والاستيراد، لا يتجاوز سنويا 300 دولار، يتأكد أن الظاهرة تنظيمية، وأن البناء الإداري والبيروقراطي للدولة والقطاع الخاص يساهم بشكل واسع في هذه الظاهرة.

   وتجري كل المستويات بطريقة غامضة، إلى حدود السماح بإعادة التصريح بالممتلكات في الخارج، لكن المسار لم يكن في صالح المقاربة القانونية، بل لصالح “انقلاب مالي” في المملكة يحرر الدرهم، ويسمح بدعم حكومي للاستثمار في إفريقيا، مع تحويل الحكومة إلى “حكومة إفريقية”.

   وسيطرت ضغوط شركات الاستيراد من الصين، وشركات التصدير إلى إفريقيا، على قرار المملكة، وفرضت على الفاعلين توجها جذريا لا يؤمن بالضرورة بكل قيم الشفافية وباقي المعايير، وتحاول الرباط أن تقنع “الاستثمارات الغربية” بالمجيء إلى المغرب، وهي توجه كل جهودها إلى إفريقيا، فمن جهة، تتغير بيئة المال والأعمال في المغرب بما لا يتناسب وجلب الاستثمار الغربي.

   والشركات الكبرى، إلى جانب الهولدينغ الملكي في القارة السمراء يفرضان سلوكا جديدا على الحكومة المغربية، وينتصران فيه للقيم الصينية والإفريقية المتصالحة مع تهريب الأموال ومركز الرأسمال وتقاطع الرأسمال العام والخاص.

في قلب التحول الحالي في المغرب، تعيش المملكة خارج توصيات مؤتمر لندن 2016 ضد الفساد

   سيزيد تهريب الأموال المغربية إلى الخارج بطريقة قياسية، لأن القرار السياسي برر “أوراق باناما”، ويدعم السير حثيثا نحو تحرير الدرهم دون أي مقاربة، لمنع تهريب الأموال، بل وصل المآل بالرباط إلى وجودها خارج توصيات مؤتمر لندن 2016 ضد الفساد، وباقي الإجراءات الأوروبية والأمريكية المتخذة مؤخرا.

   ويدخل انزلاق المغرب ضمن الاحتمالات القوية، كما ترى المنظمات الدولية المختصة، لأن مناعته تجاه إفريقيا ليست قوية، ولم تستطع مكافحة الفساد المحلية، أن تحقق نتائج متقدمة، وأضعفت في المقابل، أجهزة الحكامة لتصبح أجهزة وسيطة وداعمة للسياسات الموضوعة والمسطرة، ومن جهته، يحمي القطاع الخاص ميكانيزمات التحرير التي لا يتمسك بها لأن تكون قانونية أو تجارية.

   وعلى هذا الأساس، لم يستطع القطاع الخاص الدفاع عن دولة القانون، فالمقاربة “المواطنة أو تحت وطنية” تعاني، ولا تجد بدا من الإفلاس، وأغلقت 6 آلاف شركة أبوابها، لأنها لا تصل إلى لتمويل، ولأن الدورة المالية انحرفت عن مسارها بشكل واضح، فشركات الاستيراد لم تدمر المنتوج المحلي فقط، بل ساهمت في طفرة مالية “غير شرعية” وغير قانونية شكلت في الأساس بناء “قدرة” لا تدفع الضرائب، وتهرب الأموال التي يمكن أن تنقذ الوطن، وتنافس المنتوج المحلي وتضعفه دون رحمة، وبالتالي، تكون القدرة المالية الجديدة في المملكة رهينة نشاطها غير المعروف، حين تبخرت الأموال خوفا من موت الحسن الثاني، وفي سنوات مرضه، فقد المغرب 96 مليار درهم، وفي السنة التي مات فيها، سجل المغرب أقل مؤشر لتهريب الأموال، لتنطلق العجلة من جديد وتتضاعف أربع مرات، وتقفز كل سنة إلى حوالي 6 ملايين دولار، وتلك كارثة بكل المقاييس.

هوامش

 1_«illicit Financial flows from devloping countries»: 2004-2013, dev dakar and joseph spanjers, dec 2015. 
2_«illicit financial flows from devloping countries» 2002 – 2014 (washington, GFI, 2013).
3_ «on the underinvoicing of imports in illigal transactions in international trade, jagdish N.bhagwati (amsterdam: north holland publishing company), 1974 p: 138.
4_ DOTS
5_ UN comtrade: proceding data on bilateral trade in commodity groups (european statics).
6_ chancing it, how secret company ownership is a risk to investors, global witness, Sep 2016.
7_ big banks sign on to U.S corporate transparency, samuel ruben feld, wall street journal (10/8/2016).
8_TMBL (the phenomenon in the context of trade based money laundering in drug – producting and / or drug – trafficking states.
9_ Raymond w. backer, president, global financial integrity, report dec 2015.
10_ Resolution adopted by the general assembly on 27 july 2015: Addis Ababa action agenda of the third international conference on financing for development (Addis Ababa action agenda) new York, August 17, 2015.
11_  Guidance over sears business Risk – morocco gov.UK.
12_ Financial task force defined TBML as «the processus of distinguishing the proceeds crime and moving value through the use of trade transactions in the attempt to ligitimize the illist origins».
13_ Financial action task force, «trade bazed money laundering» June, 23, 2003.
error: Content is protected !!