في الأكشاك هذا الأسبوع

التوظيف بالتعاقد.. مسمار آخر يدق في نعش المنظومة التعليمية المغربية

نورالدين الطويليع. الأسبوع

   أشبع الأساتذة المتدربون الذين رفضوا إجراء مباراة ما بعد التخرج، خلال السنة الفارطة، ضربا، وتمسكت الوزارة الوصية ومعها الحكومة إلى آخر اللحظات، ومازالت، بمطلب المباراة تحت ذريعة تمحيصهم وغربلتهم للتمييز بين من ينفع ويصلح لحقل التربية والتعليم، وبين من لا ينفع ولا يصلح، لأن امتحان الولوج وسنة من التدريب في نظرهما غير كافيين لتحقيق هذا المأرب الذي قال القائمون عليه بأنهم لا يريدون من ورائه إلا وجها واحدا، هو وجه إصلاح التعليم. 

   اليوم تعلن ذات الوزارة الوصية على قطاع التعليم، عن فتح المجال لأحد عشر ألف مغربي للتوظيف بالتعاقد بمباراة يتيمة، سيلج الناجحون على إثرها مباشرة إلى ميدان التعليم، دون تكوين نظري أو تطبيقي في مفارقة تكشف ازدواجية الخطاب الحكومي، وتعري عن واقع استغلال شعارات براقة فضفاضة لمآرب وحسابات ضيقة بعيدة كل البعد عما هو معلن، بل ومناقضة له تماما.

   يبدو أن الوزارة الوصية، وبعد عقود من دحرجة كرة الإصلاح، وتمريرها في كل الاتجاهات دون أن تحرز أي هدف، يبدو أنها، وأمام فشلها الذريع في استغلال الفرص الإصلاحية التي أتيحت لها وهدرها لملايير الدراهم، قد قررت أخيرا مغادرة الملعب غير عابئة بما ستخلفه من فوضى عارمة على جميع المستويات التربوية والاجتماعية والنفسية، فهذا المدرس المتعاقد الذي سيكون حل أمره وعقده بيد الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين كبداية، ربما لتحضنه بعد ذلك شركات خاصة تعامله كآلة، ترمي بها بمجرد انتهاء صلاحيتها، أو العثور على آلة أخرى أقل تكلفة، لن يكون مرسما في سلك الوظيفة العمومية، ولن ينعم بالاستقرار في مكان واحد، بل سيتم تنقيله تبعا للخصاص الحاصل في الأطر التربوية، بما سيجعل منه رحّالة دائم التنقل خلال الموسم الدراسي الواحد أحيانا، وهو ما يطرح سؤالا عريضا عن مآل شعار الجودة الذي اتخذته الوزارة كعقيدة لها، وسبحت بحمده سنوات طوال في ظل عنصر بشري منهار، محاط بأسئلة الاستقرار والأوضاع المادية المتأزمة، كيف سيتأتى لهذا المدرس المتعاقد أن ينفتح على مهنته ويطور مساره الوظيفي، وينهض بأعباء المهنة الثقيلة وهو غير مستقر ماديا واجتماعيا ونفسيا؟ من أين له بالنفس التعليمي الطويل، وهو ينتقل بين المداشر والقرى وينقّل أبناءه من مدرسة إلى أخرى؟ ومادام هذا المتعاقد في موقف ضعف، سيتم تمريره عبر الأمكنة وعبر المواد الدراسية، فاليوم لغة عربية، وغدا تربية إسلامية، وبعد غد اجتماعيات أو فلسفة… إلخ، ألا يعتبر هذا تعذيبا مزودجا للذات المتعاقدة وتحميلها ما لا طاقة لها به؟

   هذه بعض الأسئلة القلقلة المؤطرة لإشكالية المسار الجديد الذي تحاول الوزارة من خلاله بدء التربصات الأولى لتشييع المنظومة التربوية الرسمية إلى مثواها الأخير، بعد الإشارات التي صدرت في وقت سابق من خلال شكاوى اشتكى أصحابها من عبء التعليم الرسمي على ميزانية الدولة، وهم يمهدون الآن لفوضى خلاقة ستجعل المغاربة يفرون بأبنائهم زمرا، ويدخلونهم أفواجا إلى الدين التربوي الجديد المتمثل في التعليم الخصوصي.

   في ظل توفير أطر مكونة في القطاع الخاص التعليمي، ستكون رهن إشارة المشرفين عليه بثمن بخس، وفي ظل اختيار المسار التعاقدي في المدرسة العمومية، لا مجال للشك في أن السياسة الحكومية الرسمية تتجه مسرعة نحو رفع اليد عن التعليم ورميه بعيدا في أحضان أصحاب المقاولات، وهو ما يعني إرهاق المغاربة بمصاريف جديدة ستستنزف جيوبهم أكثر، وذهاب الدولة والمجتمع إلى هاوية المجهول، لأن الدولة التي تتخلى عن التعليم، هي دولة فاشلة عن جدارة واستحقاق، وأسوق هنا تصريحا لوزيرة خارجية فنلندا السابقة، جوابا على سؤال لأحد الصحفيين العرب عن سر نهضة بلدها: “التعليم التعليم التعليم”، بمعنى أن استثمار بلدها في قطاع التعليم هو ما ضمن له الرقي والتقدم والازدهار، فهنيئا لنا بهذا الإنجاز الجديد الذي سيجعلنا نخرب بيتنا التربوي، أو ما بقي منه بأنفسنا، ونخرب معه خيمة الوطن التي باشرنا، بوعي أو بدون وعي اجتثات أوتادها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!