في الأكشاك هذا الأسبوع

تشكيل الحكومة وضريبة التعددية الحزبية في صيغتها المغربية

محسن زردان. الأسبوع

   بعد مرور الشهر من تكليف جلالة الملك لعبد الإله بن كيران لتشكيل حكومته الجديدة، فإنه إلى حدود الساعة لم تر النور، وسيكون خروجها عسيرا، كما يتبين من خلال التصريحات والتصريحات المضادة لزعماء الأحزاب السياسية إبان المشاورات الخاصة بتشكيلها، وما يثير الانتباه، هو أنه على الرغم من تعطل عمل غرفتي البرلمان وكذا الفريق الحكومي المكون من جيش من الوزراء والوزيرات، مازالت مجريات الحياة اليومية للمواطنين تسير بشكل عادي واعتيادي، فلم يلحظوا أي تأثير لهذا الغياب على البلاد، مما يعطي الانطباع بأن وجود الحكومة من عدمه هما سيان، وبالتالي فهي لا تملك دواليب تسيير القطاعات الكبرى والاستراتيجية في البلاد.

   هذا المعطى يعزز الطرح الذي يطالب بعدم الحاجة أصلا إلى غرفتي البرلمان والحكومة، لكون الظرف الحالي الذي تمر منه البلاد، وما تعرفه من أزمات اقتصادية واجتماعية، يتطلب التدبير الأمثل والترشيد المعقلن لمواردنا المادية والمالية، عوض صرفها في هياكل تشبه محارات فارغة، تصلح فقط لالتقاط الصور إعلاميا، وتزيين الواجهة الخارجية للوطن، كبلد تفوح منه رائحة الديمقراطية، لإرضاء المجتمع الغربي والمنظمات الدولية.

   وإذا كانت التعددية السياسية من الركائز الأساسية في بناء المسارات الديمقراطية التي تضمن تمثيلية أكبر لمختلف أطياف الشعب، فإن التعددية الحزبية في المغرب في سياقها الحالي، أضحت تشكل عائقا سياسيا حقيقيا للممارسة الديمقراطية، بل تساهم في تقسيم المجتمع، حيث على الرغم من أن تسميات الأحزاب السياسية لا تتضمن إشارات للانتماء على أساس ديني وعرقي وطبقي كما هو مسطر في القوانين، فإن الواقع يشير إلى أن الأحزاب السياسية نتيجة لمسارها التاريخي، صارت توجهاتها تستقطب أتباعها على تلك الأسس التي ذكرنا، لذلك ليس من المستغرب أن نجد حزبا دينيا وآخر أمازيغي، وحزبا لمدينة معينة كفاس، وحزبا بورجوازيا طبقيا لكبار رجال الأعمال، وحزبا إداريا… إلخ.

   في نفس السياق، يرى المتتبعون أن التعددية الحزبية شكلت دائما سلاحا في يد السلطات، لمنع ولادة قوة سياسية وحيدة أو قطبية مسيطرة قد تهدد هيمنتها ومكانتها التقليدية، وهو ما قد تظهر ملامحه في هذه الأيام، حيث لن تكون لأي حزب سياسي حصل على المرتبة الأولى في الانتخابات، القدرة على ممارسة الحكم وفق توجهات برنامجه الانتخابي، بل هو رهين بالتحاف مع الآخر، وقبول شروطه، التي تقزم في أحيان كثيرة حجمه الحقيقي داخل المشهد السياسي.

   من حق التعددية الحزبية السياسية المغربية أن تعبر عن طموحاتها لتجد الأحزاب مكانا لها في قلب الحكومة، لكن ليس من حقها هضم حقوق الشعب والمواطن، والدخول في مهزلة سياسية تجعلنا أضحوكة المجتمع الدولي، من خلال تفريخ حكومة تضم قرابة أربعين وزيرا لدولة عدد سكانها لا يتجاوز 34 مليون نسمة حسب إحصاء سنة 2014، تكلفتهم جد ثقيلة على ميزانية الدولة التي تستدين من الخارج لتسديد عجزها، وما تكلفه أجورهم وتعويضاتهم وسياراتهم، ومقراتهم وسكناهم، وبالتالي الدخول في زمرة نادي المحظوظين، الذين يسجلون أسماءهم في الدفتر الذهبي بتقاعد مريح مدى الحياة.

   إذا كان المغرب خلال الشهر المنصرم نقطة مضيئة باللون الأخضر، واتجهت له أنظار العالم برمته عندما احتضن مؤتمر حماية البيئة وحماية المناخ، فإن هذا الأمر يجب أن يشمل أيضا المحافظة على ميزانية الدولة من التبذير، مما يستوجب التفكير مستقبلا في إمكانية تحديد سقف عدد الوزراء مدرجا في مقتضيات الدستور المغربي، حتى تتم عقلنة وترشيد المشهد السياسي المغربي، ووصول الأضواء الخضراء بدورها إلى القوانين المغربية لتكتسي حلة  تراعي بيئة وخصوصية البلد ووضعه الاقتصادي.

   هل سيكون المغرب قادرا في حال حصول أزمة سياسية نتيجة الفشل في تشكيل التحالفات لولادة الحكومة، أن يعيد الانتخابات بقواعد وقوانين جديدة تضع قيودا لمفهوم التعددية الحزبية السياسية بصيغته المغربية الحالية، ورفع العتبة الانتخابية، لإزاحة الأحزاب الصغيرة التي لا تتوفر على امتداد وقاعدة شعبية كبيرة، والتي تشكل عائقا في ممارسة الحكم، وبالتالي تحولها في حال حصولها على بعض المقاعد القليلة، إلى رقم صعب في التحالفات، إلى درجة الوصول إلى تدبير وزارات استراتيجية في غاية الأهمية، فتصبح بذلك الأقلية تحكم الأغلبية، فتضيع بذلك إرادة الشعب الحقيقية، وبالتالي، تصير السياسة بلا معنى؟ 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!