في الأكشاك هذا الأسبوع

بين بن كيران وأخنوش.. كلام هادئ في جو ملتهب

بقلم: عبد الفتاح التباع

مر شهر وأربع وعشرون يوما على الانتخابات التشريعية التي جرت في 07 أكتوبر الماضي، والتي بوأت نتائجها حزب العدالة والتنمية مركز الصدارة، مباشرة بعدها، عين الملك محمد السادس الأمين العالم للحزب الفائز عبد الإله بن كيران رئيسا للحكومة، قرار الملك جاء بشكل فوري ومباشر، تطبيقا للدستور من جهة، ولقطع الطريق عن أي تأويلات أو تكهنات قد تأتي من هذا الفريق أو ذاك لتعكير الجو الديمقراطي في المغرب، خصوصا بعد الاتهامات الخطيرة التي تبادلتها أحزاب سياسية قبل الانتخابات وخلالها وبعدها.

استقبال الملك لبن كيران وتعيينه رئيسا للحكومة، بعد ثلاثة أيام من الانتخابات، ويوم واحد من إعلان نتائجها، محطة جديرة بالقراءة والتحليل، وكان على السيد بن كيران أن يكون قد تلقى الجواب الشافي والكافي عن كل التساؤلات التي كانت تشوش باله، خصوصا في ظل ما كان يروج من ادعاءات بأن هذه الجهة أو تلك، لا تريد حزبه في الحكومة، أو لا تريد شخصه تحديدا على رأس هذه الحكومة.

مر شهر وأربع وعشرون يوما إلى حدود كتابة هذه السطور، وبن كيران لم يتوفق في الإعلان عن تشكيل الحكومة، والسبب كما أعلنه الجناح الإعلامي لحزب العدالة والتنمية هو تمرد قيادات الأحزاب التي تشاور معها بن كيران وإعلانها العصيان وتراوحت العناوين الكبيرة، الخاصة بعملية التشاور التي تحولت إلى معركة، بين تمسك أحزاب الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري بقرار حزب التجمع الوطني للأحرار، ثم تمسك حزب التجمع الوطني للأحرار بإسقاط حزب الاستقلال، وتمسك حزب الاتحاد الاشتراكي بقرار المكتب السياسي، وإلى غير ذلك من المواقف التي صدرت عن وسائل إعلام تابعة لحزب العدالة والتنمية أو نقلت عن مسؤولين في الحزب أو الأحزاب التي أبدت تحالفها مع بن كيران وفي مقدمتها حزب الاستقلال.

   بلغة البحارة، كان على “الرايس” بن كيران أن يختار وقتا للتأمل يستطلع فيه أحوال الطقس ويقيس درجة الحرارة وسرعة الرياح قبل إطلاق زورقه في محيط تشكيل الحكومة، لكن ثمة من يقول إن اجتماعا ما عقد يوم السبت 8 أكتوبر ضم زعماء أحزاب سياسية بقيادة الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة (الحزب الثاني في قائمة نتائج انتخابات 7 أكتوبر)، وأن ثمة مؤامرة جرى تدبيرها للانقلاب على نتائج الانتخابات، وأن زعيم حزب الاستقلال، حميد شباط هو من قلب الطاولة في اجتماع “ليلة السبت الأسود”، وأنه على إثر هذا الحدث التاريخي الكبير، أصبح شباط الحليف الأول لبن كيران وأصبح حزب الاستقلال الشراع الأساسي في سفينة الحكومة المرتقبة.

   سواء كان اجتماع 8 أكتوبر حدثا حقيقيا أم لم يكن، فالملك عندما استقبل بن كيران في 10 أكتوبر، كان لا بد أن يكون في نظر بن كيران حدثا أهم من الحدث الذي قيل إن حميد شباط خلقه في 8 أكتوبر، وحتى إذا كانت تمة شكوك بالنسبة لبن كيران بشأن تسهيل مهمة تشكيله للحكومة، فإن الملك قطع الشك باليقين، وأقر أمرا واقعيا بأن بن كيران هو رئيس الحكومة المقبلة، وكان على هذا الأخير أن يتصرف على هذا الأساس باحترافية ولا ينجر إلى الاعتبارات الذاتية التي يقيم عليها برنامج تشكيل الحكومة، وفق القاعدة التقليدية التي تقول “عدو عدوي.. صديقي”، أي بمعنى أنه بمجرد إعلان شباط عداوته لإلياس العماري، فهو صديق وسيكون حليفا.

   تمة حدث آخر، كان على “الرايس” بن كيران أن يتمعن فيه جيدا، وهو حدث إعلان حزب التجمع الوطني والأحرار قرار رئيسه صلاح الدين مزوار تقديم استقالته في 9 أكتوبر، وبن كيران يعلم أنه ذهب إلى القصر الملكي في 10 أكتوبر، وكان عليه أن يقول “إن 9 أكتوبر و10 أكتوبر يجبان ما قبلهما، بدل أن يقول إن موقف شباط في 8 أكتوبر يجب ما سبقه”.

   لم ينتبه بن كيران إلى حدث آخر، وهو إعلان حزب التجمع الوطني للأحرار بسرعة قياسية تنظيم مؤتمر استثنائي سيفضي إلى اختيار عزيز أخنوش لقيادة الحزب في 29 أكتوبر، وهي إشارة أخرى لم يلتقطها بن كيران بالقوة التي تستحقها، الأمر الذي أوقعه في شراك تخمينات واحتمالات غير موفقة.

   في البداية، أعلن التزامه بإعطاء الأولوية لأحزاب الأغلبية في الحكومة السابقة، وهي التجمع الوطني للأحرار، والحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، لكنه خرق هذا الالتزام بإطلاق مشاورات مع أحزاب المعارضة تحت يافطة “احترام الأصوات الشعبية”، وكان بيت القصيد، هو حزب الاستقلال، الذي قرر بن كيران إعلان التحالف معه بناء على واقعة 8 أكتوبر، ثم اتجه إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للحصول على موافقته في 18 أكتوبر، متجاوزا بذلك حليفه في الحكومة السابقة حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي قال إنه سينتظره حتى تنظيم مؤتمره الاستثنائي وانتخاب رئيس جديد.

   التزام بن كيران بإعطاء الأولوية لحلفائه في الحكومة السابقة، تبخر كليا مع تسريب معلومات بشأن ميلاد حكومة الكتلة (التقدم والاشتراكية، والاستقلال والاتحاد الاشتراكي) بقيادة العدالة والتنمية، خصوصا بعدما أبدى إدريس لشكر مبدأ القبول بالمشاركة في الحكومة عقب حصوله على تفويض المكتب السياسي.

   نكوص بن كيران سيتجسد خلال قائه الأول بالرئيس الجديد لحزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش في 30 أكتوبر، أي يوما واحدا بعد انتخابه رئيسا للحزب، وهو اللقاء الذي كان مثل القشة التي كسرت ظهر البعير، خاصة بعدما تسرب لوسائل الإعلام موقف أخنوش من التشكيلة الحكومية وقيل بأنه جاء للاجتماع مع بن كيران بثلاث شروط هي، إشراك حزب الاتحاد الدستوري في التحالف، واستبعاد حزب الاستقلال، وتنظيم برنامج المعونات المخصصة لدعم الفئات المعوزة، وهي الشروط التي علقت عليها جهات إعلامية محسوبة على العدالة والتنمية بـ”شروط الخزيرات”، واعتبر بن كيران في كلمة ألقاها خلال أشغال اللجنة الوطنية لحزب العدالة والتنمية، التي انعقدت يوم 5 نونبر بالرباط، وتم بثها، أنه لن يتخلى عن حزب الاستقلال وقال: “لايمكن أن نتراجع عن حزب الاستقلال”، كما أرجع ذلك إلى موقفين اتخذهما حزب الميزان “الأول حين رفض المذكرة التي هيأتها المعارضة والأحرار، دون أن يدلي بن كيران لأي جهة بما يثبت مشاركة الأحرار في اجتماع 8 أكتوبر، فضلا عن كون أخنوش الذي تسلم قيادة الحزب في 29 أكتوبر، صرح مباشرة بعد انتخابه، بأن معركة الحزب الذي يقوده لن تكون ضد أي جهة، وإنما ستكون ضد الفقر والبطالة، رافعا شعار: “أغاراس أغاراس”، وهي إشارة أخرى تضاف إلى إشارات سابقة، فضلا عن خطابين ملكيين رسما لرئيس الحكومة الجديدة خارطة الطريق، الأول في افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان في 14 أكتوبر، والثاني في ذكرى خطاب المسيرة الخضراء في 6 نونبر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!