قريبا.. سيتم إلغاء مجانية الأوكسجين!

محمد بوبكر. الأسبوع

   في الوقت الذي كنا ننتظر فيه نتائج المخطط الاستعجالي الذي تقدمت به وزارة التربية الوطنية في وقت سابق، لإنقاذ المنظومة التعليمية من الإفلاس، أصدرت الجمعية العامة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين، مشروع رأي يقضي بإلغاء مجانية التعليم في المدرسة العمومية، هذا القرار الذي لن يفيد قطاع التربية والتكوين في أي شيء، لأن التعليم العمومي بالمغرب سيظل رديئا ودون المستوى حتى لو ضخوا فيه الأموال الطائلة، تماما كما حدث في البرنامج الاستعجالي الذي خصصت له ملايير الدراهم لإصلاح التعليم والنتيجة هي الفساد بالجملة.

   اليوم نحن مصنفون في المرتبة 101 من بين 140 دولة شملها مؤشر جودة التعليم، بمعدل 3.6 نقطة؟ وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مخططات التهكمية لـ”بن المخ طار ومن سبقوه” بالأجيال وعدم مبالاتهم بأوضاع التعليم، وهل تعلمون أن فلسطين تحتل مراتب متقدمة في مؤشر جودة التعليم؟ ورغم ذلك، فالمغرب يساعد فلسطين في هذا المجال “المسكين كيسعى ومراتو كتصدق”.

   أحيانا، أشك بأن الدولة هي التي تفتعل هذه الأزمات التي يتخبط فيها حقل التعليم ببلد ينعم بالأمن والاستقرار، وبصراحة أرى أن وزارة التربية الوطنية، ما زالت لا تملك اﻹرادة القوية والحقيقية للرفع من جودة التعليم، فعندما تولد هذه اﻹرادة، سيولد الطفل المغربي من جديد وسيحقق المعجزة ولو في زمن يصعب الحديث فيه عن المعجزات.

   وأول مدخل لإصلاح التعليم، هو إعادة النظر في تكوين المدرسين وفي من يكونونهم، ثم في طبيعة الكتاب المدرسي، ففي التعليم العمومي، طلبة العلوم يدرسون اللغات (أقصد نسبة كبيرة) وفي التعليم الخصوصي، طلبة شعب اللغات يدرسون العلوم.

   وقطاع التعليم اليوم، أصبح يعج بالمتهاونين والأشباح والمتاجرين بالشأن التربوي والمرضى النفسيين وأيضا بالمخلصين لشرف المهنة، والوزراء المتعاقبون على القطاع، لا يهمهم من شأن الموارد البشرية سوى الجانب الرقمي العددي، بمعنى ضمان التوازن بين الإمكانات البشرية، والاحتياجات، ولذلك فهي تحتفظ بجيوش من غير المؤهلين لممارسة الفعل التربوي، حتى إذا استنفذ الأستاذ جهده وطاقته المهنية، ورغب في الخلود إلى التقاعد النسبي، تلزمه بالعمل رغم أنفه.

   أما إلغاء مجانية التعليم، فهو حل ترقيعي ولا معنى له في ظل الظروف الحالية للتعليم المغربي، وأعتقد أن الحل الأنسب في الظرفية الحالية، هو أن يكون هنالك تعليم مجاني ونخبوي للمتفوقين على أعلى مستوى للذين لديهم رغبة في إتمام دراستهم لآخر مدى، والذين لديهم المؤهلات الفكرية لذلك.

   بالنسبة للآخرين، يجب أن يفرض عليهم تعليم مهني مجاني يؤهلهم لدخول سوق الشغل بدل تضييع سنوات من عمرهم في تعليم عقيم، ومن يريد منهم المتابعة في التعليم العام غير المهني ما عليه إلا أن يدفع مقابل ذلك، وبهذه الطريقة ستحل الدولة المشكل بطريقة سلسة وعادلة، إذ ليس من المنطقي أن يقضي الطالب خمسة عشر سنة ليجد نفسه غير مؤهل لسوق الشغل نتيجة تعليم عقيم ومكلف للدولة، وبهذه الطريقة كذلك، ستوفر الدولة مصاريف سنين طويلة لطلبة ليس لهم الرغبة في التعليم أو غير مؤهلين لذلك فكريا، والنتيجة، سيكون لدينا تعليم عام عالي المستوى غير مكلف لأنه يركز على المتفوقين، وتعليم مهني عالي المستوى يؤهل الناس لسوق الشغل وتعلم مهنة في سن مبكرة.

   لكن مع الأسف، قطاع التعليم في المغرب سيظل يحتضر، وهو الآن بالعناية المركزة ما بين الحياة والموت، ولحد الساعة، ليس هناك أي طبيب محنك يشهد له بالجرأة والنزاهة لينقذ هذا المريض ويضع الضمادة على الجرح الغائر ليوقف النزيف، وانتظروا قريبا إلغاء مجانية الأوكسجين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!