تحليل إخباري | مؤشرات فشل الدور الدبلوماسي للمستشارين الفاسي الفهري والهمة في إفريقيا

السياسة المغربية في إفريقيا تحتم التغيير في هياكل الديوان الملكي

إعداد: سعيد الريحاني

   بينما كانت شابة مغربية، تحاول أخذ مكانها على المنصة الرسمية لمؤتمر الكوب 22″ في مراكش للحديث باسم المغاربة، وحيث كان مزوار باعتباره رئيسا للدورة، يدعو ضيوف الأمم المتحدة، إلى الإنصات إلى مريم موهوب (ممثلة الأطفال المغاربة)، وبينما كان الملك محمد السادس جالسا إلى جانب مزوار والكل يتطلع باهتمام لما سيقال، سجلت كاميرات التلفزيونات العالمية والمشاركين، “حالة شرود” كل من المستشار الملكي فؤاد الهمة، وزميله في الديوان الملكي الفاسي الفهري، اللذين كان يتبادلان أطراف الحديث خلف الملك، وكأنهما يستهتران بالبروتوكول، ((ألا يعرفان أن تفراق اللغة في محضر الملك، هو قلة للأدب، أو ما يسميه المغاربة بـ”الدسارة”)) (انظر الأسبوع عدد: 24 نونبر 2016، وبعض المواقع الإلكترونية).

   طيلة مدة انعقاد الـ”كوب 22″، كان المستشار، الفاسي الفهري مصرا على إظهار ابتسامة مبالغ فيها أمام الضيوف، وكأنه الآمر الناهي(..)، غير أن التصرفات غير المعتادة للمستشارين، ستبلغ أوجها خلال الزيارة التي قام بها الملك محمد السادس مؤخرا إلى “مدغشقر” عندما ظهر الهمة، وهو يصور بهاتفه النقال، تحركات الملك محمد السادس، وكأنه يحضر حفلة خاصة(..)، وقبلها كانت الصحافة العالمية قد تداولت على نطاق واسع، شريط فيديو يظهر فيه كل من الهمة ومزوار بالدوحة، في وضع لا يتلاءم مع المهام المنوطة بهما(..)، وقد خاف وقتها حزب العدالة والتنمية على نفسه، بدليل البلاغ الذي قال فيه: “إن هناك محاولات حثيثة لإقحام الحزب في تسريبات لا صلة له بها لا من قريب ولا من بعيد وتوظيفها سياسيا ضده، معتبرا، أن استهداف الحياة الخاصة للشخصيات العمومية ولعموم الناس مخالفة شرعية وقانونية وأخلاقية” (المصدر: بلاغ صادر عن حزب العدالة والتنمية، 3 غشت 2016).

   في مدغشقر، وبينما ظهر الهمة مبتهجا، ظل السؤال المطروح، هو: “لماذا غاب الملك محمد السادس عن القمة الفرنكفونية؟”، كيف يعقل أن يقوم الملك بزيارة دولة لمدغشقر، ولا يشارك في القمة الدولية الفرنكفونية التي تحتضنها البلاد بالتزامن مع الزيارة الملكية؟ ما الخطأ الذي تم ارتكابه حتى تم “إبعاد المغرب” من المشاركة في لقاء يضم العشرات من رؤساء الدول، بينما المغرب مشارك بشكل قوي في التنظيم، “فقد توجهت فرق أمنية خاصة، وتم شحن تجهيزات متطورة للكشف عن المعادن والمواد الكيماوية من المغرب عبر طائرات عسكرية إلى مطار أنتاناناريفو من أجل المساعدة على النجاح الأمني لقمة الفرنكوفونية” (المصدر عدة مواقع).

   دبلوماسية المستشارين الملكيين، خاصة المستشار “المكلف”، الفاسي الفهري، والمستشار “المشرف” الهمة، تأكد عجزها بالملموس، في الزيارة إلى مدغشقر، حيث أن هذه الأخيرة أجلت تنظيم القمة المذكورة من 15 نونبر إلى 26 نونبر، لتفادي تزامنها مع مؤتمر “الكوب 22″، أي لضمان حضور الملك محمد السادس فيها، حسب ما أوردته المجلة الفرنسية “جون أفريك”، ماذا حصل حتى تم إبعاد المغرب؟ هل كان هناك تدخل فرنسي ضد الملك محمد السادس؟ كلها أسئلة تفرض نفسها في ضوء الحديث عن الدور الدبلوماسي للمستشارين الملكيين، مع العلم أن المستشار الفاسي على سبيل المثال، لم يظهر له أي أثر في جولات الملك الإفريقية(..).

   الضربة الموجهة إلى المغرب في مدغشقر، رغم الملايير المصروفة (220 مليون درهم) لبناء مؤسسات اجتماعية في نفس المكان الذي نفي فيه الملك الراحل، محمد الخامس، سبقها تناقض كبير بين ما يعلنه المسؤولون وما يجري على أرض الواقع، وقد تجسد ذلك في الانسحاب المبهم من “القمة العربية الإفريقية”، التي احتضنتها غينيا الاستوائية يوم 23 نونبر 2016، فكيف يستقيم القول بأن المغرب يريد العودة للاتحاد الإفريقي، مقابل هذا القرار الغير مفهوم، لمقاطعة لقاء جمع الدول العربية والإفريقية؟.. المبرر الذي قدمته وزارة الخارجية، والكل يعلم خضوعها البنيوي لما تركه الفاسي الفهري(..)، هو أن 9 دول عربية اضطرت “إلى الانسحاب من أشغال المؤتمر حتى لا تكون طرفا في الإخلال بالضوابط المشتركة العربية الإفريقية، وحتى لا يسجل عليها التاريخ تراجعها عن المكتسبات المشتركة”.

   بلغة “الافتخار”، احتفت وزارة الخارجية بانسحاب “السعودية والإمارات والبحرين وقطر وعمان والأردن واليمن والصومال”، من “قمة مالابو”، عاصمة غينيا الاستوائية، لكن الذين أذاعوا هذا القرار، وفوضوا للوزير، أنيس بيرو الذهاب إلى هناك ممثلا عن الملك، لم يقولوا للمغاربة أن رئيس غينيا الاستوائية، صديق للمغرب، بل إنه، يتردد عدة مرات في السنة على منزله في الرباط، حسب مصادر “الأسبوع”، “إن متانة العلاقات مع غينيا الاستوائية، وصلت إلى حد أن الطاقم الذي يخدم الرئيس ويحرسه، طاقم مغربي، حسب مصدر “الأسبوع”، الذي تساءل: “ألم يكن حريا بالمستشارين الملكيين، الإلمام بعدة معطيات، ومواجهة خصوم المغرب في الكواليس أثناء الإعداد للقمة وليس الانتظار حتى انطلاقتها؟”، هل يملك المتشاران الملكيان معطيات كافية عن الأوضاع الإفريقية؟ كم مرة سافر الفاسي الفهري على سبيل المثال إلى دول إفريقية منذ كان وزيرا للخارجية إلى اليوم؟ هكذا تساءل مصدر “الأسبوع”، الذي ينظر بارتياب لقرار انسحاب المغرب من القمة العربية الإفريقية، بدعوى تواجد البوليساريو، بينما سيضطر لا محالة إلى مجالستهم في الاتحاد الإفريقي، وقد أكد مزوار  بلسانه أن المغرب لم ولن يشترط إبعاد البوليساريو للرجوع إلى مقعده في المنظمة.

   وزارة الخارجية، شكرت الدول العربية التي انسحبت لمساندة المغرب، وركزت انتقاداتها على دولة الكويت، لكن ماذا عن الدول التي لم تنسحب؟ لماذا لم ينسحب أصدقاء المغرب الأفارقة من هذا اللقاء، خاصة الـ 28 دولة التي اقتنعت بخطاب الملك محمد السادس، ووقعت على قرار عودته إلى الاتحاد الإفريقي، في القمة الإفريقية الـ27 التي انعقدت في العاصمة الرواندية كيغالي، فالكل يعلم أن العودة إلى إفريقيا مرتبطة بلغة الحسابات، حيث بات الاتحاد الإفريقي منقسما إزاء المغرب إلى 28 دولة تدعم عودته وهي: بنين، بوركينا فاسو، وبوروندي، والرأس الأخضر، وجزر القمر، والكونغو، وكوت ديفوار، وجيبوتي، وإريتيريا، والغابون، وغامبيا، وغانا، وغينيا، وغينيا بيساو، وغينيا الاستوائية، وليبيريا، وليبيا، وجمهورية إفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وساوتومي والسنغال والسيشل وسيراليون والصومال والسودان وسوازيلاند، والطوغو، وزامبيا، وبين دول أخرى تعارض هذه العودة، وعددها 27 وهي: أوغندا، وتنزانيا، وكينيا، وملاوي، وزيمبابوي، وموزمبيق، وجنوب إفريقيا، وناميبيا، وبتسوانا، والكاميرون، وليسوطو، وأنغولا، ونيجيريا، وتشاد، والنيجر، والجزائر، وموريتانيا، ومالي، ومدغشقر، وإثيوبيا، وجنوب السودان، ورواندا، وموريتانيا، ومالي، وجزر موريس، ومصر وتونس، بينما نعرف بالتفصيل أن المشكل المغربي مع مصر وتونس هو مشكل تفاهم وحوار، إضافة إلى أخطاء مغربية تجاه مصر وعدم التعامل مع تونس كشريك في المغرب العربي وغيرها من الأخطاء من قبيل إصرار المستشار، الطيب الفاسي على استئناف العلاقات المغربية مع إيران في الوقت الذي تتخذ فيه إيران قرارات ضد مصر وضد لسعودية حليفة المغرب وضد الدول العربية الأخرى، وضد الشعب السوري الذي تضربه إيران دعما لبشار الأسد.

   إضافة إلى أن معظم الدول المجاورة للجزائر لم تكن ضمن الدول الـ 28 المرحبة بعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي باستثناء ليبيا، وها هو الملك محمد السادس يتدخل شخصيا لصيانة العلاقات مع تونس من خلال بعث مزوار لتأكيد “الالتزام بالعمل مع تونس” في المؤتمر الدولي حول الاستثمار، فأين هم المستشارون؟

   يمكن القول، إن انسحاب المغرب من القمة العربية الإفريقية، وغياب الملك عن القمة الفرنكفونية والاكتفاء بتمثيلية رمزية في شخص مزوار، مؤشر على إمكانية العودة إلى نهج “سياسة الكرسي الفارغ”، هذه السياسة التي كانت لها نتائج سلبية كبرى، “بينها ترك الفضاء والساحة فارغة أمام خصوم المغرب لشراء الدول والذمم بإفريقيا”، حسب ما يعتقد المحلل، مصطفى الطوسة، أو كما يقول الباحث عبد الله ساعف، الذي يعتقد أنه “لا مفر من تجاوز الكرسي الفارغ”، “فالجلوس مع أناس لاتريد الجلوس معهم، علما أن ذلك لايعني الاعتراف بهم.. أحسن من الغياب”.

   لقد كان المبرر الذي يتم ترويجه دائما لنهج سياسة الكرسي الفارغ، هو وجود البوليساريو، لكن هذا المبرر قد لا يستقيم مع المعطيات الجديدة، ذلك أن المنفذ الممكن لعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، هو جلوسه إلى جانب البوليساريو في هذه المنظمة، ومن تم المطالبة بإجراء تعديلات على القانون الأساسي، لطرد هذا “الكيان” الذي يعتبر نفسه عضوا مؤسسا، بخلاف المغرب الذي فقد شرعية الدولة المؤسسة مع التخلي عن تسمية “منظمة الوحدة الإفريقية”، وكل هذا قد يفرض تغيير صورة الخطاب الموجه للمغاربة، وتجنب الزلات، مثل الزلة التي سبق أن وقع فيها الفاسي الفهري وكلفت القضاء المغربي ثمنا باهضا في الخارج، حيث رفض قضاء تيكساس بالولايات المتحدة الأمريكية، تنفيذ حكم صادر عن محكمة مغربية في ملف بترول تالسينت، وعلل القاضي الأمريكي رفضه تنفيذ هذا الحكم بمجموعة من النقاط تؤكد استحالة أن يكون القاضي المغربي محايدا أو منصفا في قضية أحد أطرافها مقرب من القصر، وكان في جملة أدلته تصريح مسجل بالصوت والصورة للطيب الفاسي الفهري كان قد أدلى به في مارس 2011، إذ انتقد الفاسي الفهري قضاء التعليمات، وصرح بأنه لازال هناك قضاة مغاربة يتخذون قرارات تأتيهم بواسطة سماعة الهاتف” (المصدر: موقع الناير 24/11/2014).

   “كل من الفاسي الفهري والمستشار الهمة دخلا إلى القصر، كمكلفين بمهمة عقب اندلاع احتجاجات الربيع العربي(..)، وقد كانت بينهما معركة قوية، حول من سيتكلف برسم صورة القصر، قبل أن ينتصر الهمة، السنة الماضية، بتعيين كريم بوزيدة، القادم من وكالات الإشهار، ومؤسس شركة التواصل رفقة الهمة، خلفا لشكيب العروصي الذي كان مكلفا بالصحافة والإعلام في القصر الملكي، وجرى إعفاؤه.

   وصول بوزيدة لهذا المنصب سبقه إعفاؤه من مهمته بالديوان، مقابل تعيين يوسف العمراني، الرجل المقرب من الفاسي الفهري مكانه، لكن الأمور حسمت لصالح صديق الهمة في النهاية.

   يذكر، أن عدة مصادر تتوقع منذ مدة قيام الملك محمد السادس بإجراء تعديلات كبيرة على تشكيلة الديوان الملكي، للقطع مع ظاهرة المستشارين الذين لا يستشيرهم أحد(..)، ذلك أن الزمن بات مواتيا لتقييم حصيلة المستشارين الملتحقين خلال السنوات الأخيرة، أمثال عزيمان والمنوني، والزناكي، مقابل ترتيب أوراق مستقبلية للمستشارين الموروثين عن الملك الراحل، مثل أندري أزولاي، وعباس الجيراري، اللذين لم يعد يسمع لهما صوت(..)، وها هي الجولات الإفريقية تبعث مستشارا ملكيا من الرماد، هو عمر القباج، الرجل الذي أصبح جزءً لا يتجزأ من جولات الملك في البلدان الإفريقية، هذا المستشار الملكي، يعتبر كذلك واحدا من العارفين بالاقتصاد الإفريقي وصانعي قراراته، فقد أصبح جزءا لا يتجزأ من الجولات الملكية السنوية بالبلدان الإفريقية، وهو من يسهر على التأشير على جل الشراكات الاقتصادية التي توقع بحضور الملك محمد السادس ورؤساء البلدان الإفريقية” (المصدر: عدة مواقع، نقلا عن جون أفريك)، هذا التغير قد يكون مجرد مقدمة لتغيير كبير في الديوان الملكي، ومؤشرا على تراجع البعض(..).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!