في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | الملك في إفريقيا.. وصحفي باسم الأجهزة يقول “جئنا لنطعم الأفارقة من الجوع”

بقلم: مصطفى العلوي

   تمعنوا معي، في هذه الحكاية الحقيقية، وقد رواها الزمن الصحفي منذ شهر فقط، عندما ألف أحد المفكرين المغاربة، واسمه لطفي أقلعي، كتابا باللغة الفرنسية، عنوانه: “حمار الليل”، لتسأله الصحفية كوثر الودغيري، على هامش التعليق على الكتاب، عن علاقاته المحتملة بالملك محمد السادس، ففتح صنابير فكره، ليحكي لها أنه تقابل مع الملك على شواطئ المحيط الأطلسي ((وتكلمت معه، وكلمني.. بدون شيكي ولا بروتوكول، فهو إنسان يقرب نفسه، ليحبب الناس إليه)) وعندما سألته الصحفية، إذا ما كان حديثه مع الملك، توسع إلى السياسة، فأجابها بدهاء العصر(…): ((لم نتوسع للحديث عن المواضيع السياسية، فإن عندي عائلة أخدم عليها)).

   خاتمة هذا السرد، ربما، تغني الغير متسيسين طبعا، عن قراءة “حمار الليل”(…) مادام الكاتب يتفادى مناقشة ملك البلاد في شؤون السياسة، لأن هذا يمثل خطرا على رزق عائلته.

   فأي خطر يتهدد إذن هؤلاء الذين يربطون حياتهم اليومية بالجمع بين الملك والسياسة، هذه الحشود من الصحفيين الذين أحب من أحب، وكره من كره، هم الذين تعتبر مقالاتهم، ولو ما بين ما يكتبونه من بين السطور، وقود تسخين المجمر السياسي، في المغرب، وأنتم تشعرون بأهمية الحرارة في هذا البرد القارس، وهو وضع لا يهم الصحفيين المغاربة وحدهم، وإنما هي الصحافة، العمود الفقري لكل الهياكل الشعبية، ليس في هذه الدنيا، وربما حتى في الآخرة.

   إلا أنه وبعد الهزة المحاولاتية(…) لإصلاح الأحوال السياسية في المغرب، وقد اعتبر بعض الناس أن دستور 2011 الذي جاء بعد ثورة الربيع العربي(…) إنما تم وضعه لمحاولة إصلاح الحال، الذي كان مترديا، وفعلا تأثر شيئا ما بهذه الوصفة الدستورية التي أدت إلى تشكيل الحكومة الملتحية(…)، لكن الوضع الصحفي بقي غريبا عن هذا الدستور وعن هذه المعافاة الديمقراطية.

   فقبل إصدار هذا الدستور، نبه وزير الإعلام، في ذلك الزمان، خالد الناصري، من حزب نبيل بنعبد الله، صاحب حكاية التحكم، إن كنتم تذكرون، نبه بأسلوبه المزدوج الذي يجمع بين معارض ووزير: ((إنه آن الأوان لفتح نقاش جدي(…) من أجل أن تعود الأمور الصحفية إلى نصابها ونخلق مناخا من التعامل الإيجابي والرصين والمسؤول، يكون قادرا على المضي بالممارسة الصحفية وحرية الصحافة إلى أبعد مدى)) (الشرق الأوسط. 11/9/2009).

إلا أنه رغم النوايا السلطوية الكامنة خلف كلام وزير الإعلام، فإنه لم تتم أبدا أية مراجعة لهذه الممارسة، وها هو الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة، بن كيران، وهو يعاني من البلبلة، يندد بالتلفزة الرسمية، التي تتجاهل وجوده، وها هي الأجهزة الأمريكية تقرر تكريم الصحفيين بوبكر الجامعي، وعلي أنوزلا، في عز معاناتهما الصحفية.

   وكان أنوزلا، هذا، قد نقل عني في إحدى افتتاحياته تلميحي إلى ضرورة مراجعة الواقع الصحفي، والتعامل الصحفي حين كتبت: ((حتى لا يبقى الهدف من هذا النقاش هو ترهيب الصحفيين، حتى لا يقتربوا من المواضيع التي تمس الملك)) (افتتاحية الصحفي والملك. الجريدة الأولى، عدد 11/9/2009).

   أنوزلا في نفس الموضوع، استعان أيضا بما كتبه الصحفي رشيد نيني، زمان(…) وقد أشر إلى: ((أن الوقت قد حان لفتح نقاش صريح حول العلاقة بين الصحافة والمؤسسة الملكية)).

   رئيس المؤسسة الملكية، محمد السادس، وفي ذلك الزمان(…) ربما كان يتحسس النبض الصحفي، فانتهز فرصة إلقاء خطاب المسيرة لسنة 2009، فأعلن في هذا الخطاب، قرارات إصلاحية، ركبها في شبه برنامج تجاوبي متحدثا عن ((حتمية نهوض الأحزاب السياسية والنقابية والإعلامية(…) والقوى المنتجة والمبدعة بواجبها في تأطير المواطنين، لأن التزامنا بأن يظل المغرب دولة للحق والتطور الديمقراطي لا يوازيه إلا رفضنا للاستغلال المقيت(…) لأن المغرب بلد الانفتاح والحرية، يرفض المزايدة عليه لاسيما من طرف أنظمة وجماعات قائمة(…) على انتهاكها)) (خطاب المسيرة. 2009).

   وكأن رئيس أقوى دولة في الدنيا، أوباما، سمع أصداء هذا الخطاب، فقال وهو يضع أسس الاطمئنان على المستقبل: ((إن الحاجة في إفريقيا هي إلى أنظمة قوية لا إلى رجال أقوياء)).

   فأين يكمن محركو ما سماه الملك محمد السادس الاستغلال المقيت، وها نحن في السنين الأخيرة نتتبع ونحسب هذه الضربات الموجعة التي تواكب الأخطاء المقيتة(…) الكامنة بالدرجة الأولى، في خلق صراع دائم بين الصحافة والمؤسسة الملكية، لإبعاد الصحفيين المغاربة على اختلاف اتجاهاتهم، عن أي حضور ولا حتى وجود، وتجاهل الصادق من نوايا بعضهم في الإدلاء بدلوهم في مجال النقاش، والنقاش، هو العملة الإعلامية الممنوعة في المغرب(…) وكأن أجهزة الإعلام السرية(…) ووكالاتها الغنية(…) ومحركوها بالحسابات المفتوحة(…) أصبحت وقفا على مجموعة معينة من أولئك الذين تم نقلهم مؤخرا في طائرات خاصة، من الرباط إلى مدغسكر لتغطية الزيارة الملكية، إلى ضريح النضال الملكي، الذي انطلقت منه الفكرة الملكية أيام محمد الخامس لاستقلال المغرب، فكانت النتيجة أنه لم يكتب أي واحد منهم أي سطر عن هذا الموضوع النبيل، وكأنهم يشترطون على الصحفيين المدعوين أن يحضروا، ويسكتوا.

   وقد سمعنا، على هامش اللقاء الصحفي للملك محمد السادس مع صحفيين مالغاشيين، معلقا فرنسيا(…) في إذاعة ميدي آن، يردد بصراحة متناهية أمام الميكروفون زوال 25 نونبر 2016: ((الملك الذي يعتبر كلامه مع الصحفيين شيئا نادرا، يقولها ويرددها مرارا RARE- RARE)) وكأنه يحمل لمستمعيه سبقا صحفيا، بأن الملك لم يتكلم منذ عشر سنوات.

   فضيحة تضاف إلى ما سبق هذه الندوة بأيام والملك في إفريقيا، عندما جاء رئيس هيأة الاستراتيجيين المكلفين بالكلام وحدهم، نيابة عن الساكتين(…) خلف مراكز القرار(…) عندما جاء لقناة فرانس 24 ليقول أمام ملايين النظارة: ((هذه إفريقيا التي توجهنا لإطعام  جوعها)) تعبير هدية(…) تلقاها الصحفيون المناوئون للمغرب، ليرددوا في كل تدخلاتهم: هل إفريقيا جائعة، وهل سيقبل القادة الأفارقة أن يوصفوا بالجائعين.

   نماذج بجانب نماذج أخرى، لفضائح الناطقين المحظيين، المكلفين وحدهم بتزيين وجه المغرب وضرب الحصار على الملك لعزله عن الصحفيين، ولكنهم بدون رقيب ولا حسيب ولا عقل مدبر حكيم، يتولون الدفاع عن المغرب على طريقتهم، وهم ومن خلفهم(…) يمارسون تخريب السمعة المغربية، وتعريض المغرب لهزائم إعلامية موجعة، من قبيل الحكم الذي صدر مؤخرا على جريدة “لونوفيل أوبسرفاتور”، التي تهجمت على الضابط المعارض أديب، فأنصفته العدالة الفرنسية، العدالة الفرنسية التي كسرت ملف الصحفيين الفرنسيين كراسي، ولوران، اللذين تحولا من مبتزين للملك، إلى برءاء.

   ولا حصر ولا حدود لأخطاء هؤلاء الذين يمهدون لاستبعاد كل تعاون مع الصحافة المغربية الحقيقية حتى يبقوا وحدهم أوصياء على الإرث الوطني، حفاظا على الميزانيات السرية، وما خفي كان أعظم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!