أسرار تحركات اللوبي المغربي في إفريقيا من إثيوبيا إلى مدغشقر

ماذا لو أصبح المغرب رئيسا للاتحاد الإفريقي ؟

إعداد: سعيد الريحاني

   بشكل مفاجئ وبينما كان المغاربة، يتوقعون انتقال الملك محمد السادس من تانزانيا، حيث قرع الطبول(..) إلى إثيوبيا، خلال جولته الإفريقية الأخيرة في مرحلتها الأولى، صدر بلاغ مفاجئ عن الديوان الملكي، مساء يوم الإثنين 31 نونبر 2016، يؤكد أن الملك “اتفق” مع الوزير الأول الإثيوبي “هايلي مريام ديسالغن” عبر الهاتف، على تأجيل الزيارة، إلى ما بعد مؤتمر الـ”كوب 22″ الذي احتضنته مدينة مراكش، والواقع أن “إقحام” مراكش في موضوع الزيارة الإفريقية، والاتصال الهاتفي مع الوزير الأول وليس الرئيس، أعطى الانطباع لدى بعض المتتبعين، في حينها، بأن زيارة “الحبشة” لن تتم أصلا، خصوصا مع الضجة التي أثارثها “الصحافة المصرية” التي اعتبرت أن زيارة الملك لإفريقيا، رد مباشر على القاهرة التي استقبلت خلال شهر أكتوبر الماضي، وفدا من جبهة البوليساريو، بمناسبة احتضان جلسات البرلمان الإفريقي، على هامش الاحتفال بمرور 150 سنة على تأسيس البرلمان المصري.

  المصريون يقولون “الماء يكذب الغطاس” (المية تكذب الغطاس)، لكن الملك محمد السادس والوفد المرافق له، وقبله الوفد المكلف بالمهمة المسحيلة (Mission Impossible)(..)، “سبحوا” على طول نهر النيل، الذي يمر بتسع دول إفريقية، هي الجمهورية العربية المصرية، والجمهورية السودانية، والجمهورية الأوغندية، والجمهورية الإثيوبية، وجمهورية الكونغو، ودولة تانزانيا، ودولة رواندا، ودولة كينيا، قبل أن يستقر الأمر على زيارة دول ذات أهمية خاصة، كرواندا وتانزانيا وصولا إلى إثيوبيا ومدغشقر.

   ما لا يعرفه كثير من المتتبعين، أن “رئيس الوزراء” الإثيوبي، وليس “الوزير الأول”، “هايلي مريام ديسالغن”، الذي استقبل الملك محمد السادس، وتحدث معه عبر الهاتف، له مكانة كبيرة في النظام السياسي الإثيوبي، وصلاحياته تفوق الرئيس “مولاتو تيشومي”، ذو التكوين الصيني، الذي تم اللقاء به في إطار زيارة “ود ومجاملة”، ورئيس الوزراء هذا، سبق له أن شغل منصب وزير الخارجية، قبل أن يصبح رئيسا للوزراء بالنيابة عن سلفه “زيناوي بن امليص”، الذي توفي سنة 2010، هذا الأخير كان رئيسا للدولة، من 1991 إلى 1995، فترقى وأصبح رئيس حكومة(..)، إلى أن توفي، ليبدأ موسم صعود “هايلي مريام ديسالغن”، من وزير للخارجية إلى رئيس للحكومة.

   من لا يعرف إثيوبيا، قد لا يعرف أيضا، أن السبب الحقيقي لتأجيل زيارة الملك محمد السادس إليها، كان لدواعي أمنية(..)، حيث ظل الملك ينتظر تحسن الأحوال، لمدة 3 أيام في تانزانيا، وهو ما تمت الدعاية له عندنا بأنه “عطلة الملك محمد السادس في تانزانيا”، والواقع أن الحكومة الإثيوبية، كانت تواجه في الشارع “انتفاضة حقيقية” غير مسبوقة، تعزى إلى ثورة ” قبائل الأورومو” ضد مشروع توسعة العاصمة “أديس أبابا”، ولمعرفة خطورة الوضع، تكفي معرفة حقيقة قبائل “الأورومو”، وهي: (( كبرى القوميات الإثيوبية، يمثل المسلمون أغلبيتها الساحقة، وتحتج منذ عشرات السنين.. وتحتل منطقة أوروميا معظم أراضي وسط إثيوبيا محتلة كبرى ولاياتها التسع، وتتكون من عشرة أقاليم من أشهرها إقليم “شوا” الذي تقع في قلبه عاصمة البلاد أديس أبابا، وإقليم “هرر” الذي كان مملكة إسلامية طوال قرون عدة.. وتقدر مساحة منطقة “أوروميا” -التي يطالب أهلها بالاستقلال- بنحو 600 ألف كلم مربع، ويبلغ تعداد قومية “الأورومو” زهاء 40 مليونا، وتشكل أغلبية سكان البلاد البالغ عددهم نحو 94 مليون نسمة (حسب إحصاءات 2013) والمكونين من نحو 80 عرقية، ثم تأتي بعدها عدديا قومية “الأمهرية” – المهيمنة على حكم البلاد- بنسبة تقدر بـ27%. وتنتمي “الأورومو” في الأصل السلالي إلى “العنصر الحامي” (الشعوب الكوشية) إلى جانب القومية “الصومالية” و”العفرية”، في حين تعود أصول قوميتي “الأمهرية” و”التغراي” المتحكمتين في البلاد إلى “العنصر السامي”، ولـ”الأورومو” لغتها الخاصة بها والمختلفة عن “الأمهرية” التي هي اللغة الرسمية في إثيوبيا)) (المصدر: موقع الجزيرة).

   إثيوبيا إذن، واحدة من الدول التي تعيش على وقع نقاش ساخن حول الهوية، الذي يشكل حطب مشروع التقسيم في كل البلدان(..)، ولاشك أن “زيارة أمير المؤمنين” لبلاد تغلي، بسبب “مطالب المسلمين” بحقهم في ممارسة شعائرهم الدينية، له دلالة دبلوماسية على المستوى القاري، علما أن الزيارة الأولى من نوعها لإثيوبيا أسفرت عن نتيجة أساسية، بغض النظر عن إنشاء أكبر مشروع للفوسفاط بقيمة  3.7مليار دولار، ويتعلق الأمر بإصدار إثيوبيا لأول مرة في تاريخها، بيانا واضحا يدعم عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، انطلاقا من الدورة القادمة.

   لم يتوقف الملك محمد السادس عند حدود إثيوبيا، بل إنه قام قبل ذلك بأمر غير مسبوق، حيث ألقى خطاب العرش من العاصمة السنغالية، دكار، في إشارة إلى تشبت المغرب أكثر من أي وقت مضى بالعودة إلى الاتحاد الإفريقي والقطع مع سياسة الكرسي الفارغ، التي كانت ستجعل المغرب لو استمرت، فريسة للتدخل الأجنبي، بناء على تفويض إفريقي لمجلس الأمن الدولي(..)، وهو السيناريو الذي لم تكشف حيثياته بعد للعموم، هذا السيناريو هو الذي دفع المغرب إلى التحرك بكامل قوته للعودة للاتحاد الإفريقي، ليقول الملك محمد السادس في خطابه من دكار: “قرار العودة قرار منطقي جاء بناء على تفكير عميق، وأن هذه العودة لا تنتظر ضوءا أخضر ولا إذنا من أي كان، طالما أن ذاك حق مشروع للمغرب الذي قرر الرجوع إلى مكانه الطبيعي، خاصة وأنه يتوفر على الأغلبية الساحقة لشغل مقعده داخل الأسرة المؤسسية الإفريقية” (من خطاب الملك محمد السادس في دكار).. وانظروا لهذه المفارقة، المغرب يريد العودة للاتحاد الإفريقي، وتقدم بطلب رسمي من خلال لقاء بين المستشار الملكي، الطيب الفاسي، ورئيسة  مفوضية الاتحاد الإفريقي، زوما، التي لم تعط لكلام الفهري أي اعتبار، بدليل أنها احتفظت بالطلب في الرفوف، لولا التدخل الملكي، الذي تجسد في الاتصال المباشر مع الرئيس التشادي، إدريس ديبي، بصفته رئيس الدورة الـ27 لقمة الاتحاد الإفريقي، ليقوم بهذا العمل بدل زوما، التي تدور في فلك خصوم المغرب داخل أمريكا(..)، وكان من الواضح أنها لم تحترم القوانين، لغاية في نفس يعقوب، بهدف توريط المغرب في أخطاء بروتوكولية لإبعاده(..)، فالقانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي يقول بأنه: “يجوز لأية دولة إفريقية، وفي أي وقت، أن تخطر رئيس اللجنة بنيتها في الانضمام إلى هذا القانون وقبول عضويتها في الاتحاد”، فيما ينص البند الثاني من المادة التاسعة والعشرين على أن رئيس الاتحاد الإفريقي يقوم “عند استلام هذا الإخطار، بإرسال نسخ منه إلى جميع الدول الأعضاء”.. هكذا يتحدث القانون، لكن زوما معروفة بانحيازها الأعمى للبوليساريو.. لذلك يتخذ المشتغلون على الملف احتياطات كبيرة لتفادي توريطهم، في أخطاء بروتوكولية، فبينما كانت زوما تتسلم طلب عودة المغرب للاتحاد الإفريقي في أمريكا(..) بطريقة، كان هناك مستشار آخر للملك من الذين لا تكشف أسماؤهم، واقفا عند باب الاتحاد الإفريقي بالعاصمة الإثيوبية، ليأخذ التأشير الرسمي على تسلم الطلب(..) وقبل ذلك بأسابيع، وفي غياب الدبلوماسية الرسمية، وفي غياب السفير المتهم بالسرقة(..)، كان المبعوثون يرتبون الأجواء لزيارة ملكية إلى مدغشقر(..)، ولم يتسرب إلا لبعض المنابر الإعلامية القليلة جدا خبر تحركات مبعوث البرلمان المغربي، الشرقاوي الروداني، الذي سجل هدفا لصالح المغرب، في اجتماع الجمعية البرلمانية الفرنكفونية رقم 42 بمدينة أنتاناناريفو، عاصمة دولة مدغشقر، وبينما كان المسؤولون المغاربة الرسميون، في حالة شرود، كان البرلمان الإفريقي، ومن تحته المخابرات الجزائرية، على وشك توقيع اتفاقية مع الجمعية البرلمانية الفرنكفونية التي تضم أيضا عدة دول من آسيا وأوروبا، فوجدوا لحسن الحظ، نائبا برلمانيا واحدا عقد عدة اجتماعات حالت دون استكمال مشروع اختراق البرلمانات الفرنكفونية(..)، هذا الأخير نبه إلى خطورة التعامل مع اتحاد يضم في هيكلته، “كيانا غير معترف به من طرف الأمم المتحدة، ولا يحمل بتاتا صفة الدولة ولا صفة الشرعية الدولية، وهو ما يشكل تجاوزا صريحا يضرب مصالح المملكة المغربية ووحدتها الترابية”.. علما أن الشرقاوي بوصفه كخبير في الشأن الإفريقي، ورغم إقصائه في ظروف غامضة من البرلمان الجديد، قد كتب مقالات على بوابة “الساحل أنتليجانس” تنبه إلى الوضع الأمني في إثيوبيا، التي زارها الملك فيما بعد، شأنها شأن مدغشقر، وتنفرد “الأسبوع” بنشر صورته رفقة رفقة رئيس مدغشقر(..).

   ممارسة المغرب لحقه في التواجد بإفريقيا، وحلم “الإصلاح من الداخل” بدل سياسة المقعد الفارغ، كان أيضا سببا في الصراع الخفي والكبير الذي شهده مؤتمر الـ”كوب 22″ بمراكش، حيث شكل اللقاء ككل واجتماع القمة الإفريقية، فرصة لشرح المواقف المغربية لزعماء القارة الإفريقية، الذين فهموا لأول مرة لعبة الدول الكبرى، التي تسعى لمزيد من تقسيم إفريقيا، وهذه المرة الأولى التي يتشبت فيها أغلب زعماء إفريقيا بالتمويلات(..)، فالذي يلوث الأرض ليس هو النشاط الصناعي للقارة الإفريقية، بل النشاط الصناعي للدول الكبرى التي تتماطل في الوفاء بالتزاماتها المناخية(..)، وقد تحرك المغرب في الكواليس ليدعم ترشيح بعض الدول لزعامة بعض المجموعات مثل النيجر، التي تحاول الجزائر إغراءها للدخول في حلف الخصوم، وقد حصلت “الأسبوع” على صورة مسربة من الكواليس (كوب 22) تؤكد انعقاد لقاءات غير رسمية مع بعض الزعماء الأفارقة، مثل اللقاء الذي جمع جلال الفتحوني، الكاتب العام لمنظمة “مغرب إفريقيا للثقافة والتنمية”، والتي تضم في عضويتها شبكة من الأطر المغاربة الذين يشتغلون في إفريقيا والأمم المتحدة(..) مع مصطفى غربة، وزير البيئة والتنمية في حكومة النيجر، التي باتت تتزعم مجموعة من الدول، حيث تم تقسيم الدول الإفريقية إلى مجموعات، للدفاع عن مصالحها، وللإشارة، فإن الفتحوني، واحد من الأطر المكلفة بمهمة في علاقة مع دولة روسيا والدول المجاورة لها، غير أن تعبئة الإمكانات لاكتساح إفريقيا فرضت انتقال جل عناصر الثقة إلى إفريقيا، وقد تأكدت حالة شرود وزارة الخارجية (في جانبها الفعفاع) والأحزاب المغربية عن هذه الأحداث الهامة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!