تحليل إخباري | مخاطر الصراع بين دوائر النفوذ ورموز الفساد الحزبي على الملكية

هل أصبح الملك وحيدا وسط المفسدين؟

إعداد: سعيد الريحاني

   العبث السياسي، أو الفرق بين النظري والتطبيقي، ليس وليد اليوم في الساحة السياسية المغربية، فـ”مع كامل الأسف، منذ أول استشارة شعبية في 1963، عندما تأسس الفديك حتى الآن، لقد كان التزوير علنيا، وحتى حين وقع تغيير في فكر الملك الراحل في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، فإن كل ما أعلن عنه جلالة الملك لم يطبق، وهنا تبقى دائرة الغموض واضحة جدا”، هكذا تحدث زعيم حزب الاستقلال المراكشي امحمد بوستة، الذي سكت مدة طويلة عن الكلام قبل أن يخرج عن صمته، ليطلق نداءه الذي قال فيه بعد سنوات من الصراع مع النظام، من خلال حوار صحفي: ((لا تتركوا الملك وحيدا وسط المفسدين”، وكان واضحا أن بوستة لم يغير قناعاته القديمة، بضرورة العمل المشترك بين حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، وهما الحزبان اللذين يوجدان اليوم على طرفي نقيض بمناسبة المشاورات حول تشكيل الحكومة، علما أن الأمر ليس في مصلحتهما معا.

   لماذا يصر واحد مثل بوستة، الخبير في الشأن السياسي المغربي، برأيه في ضرورة عمل حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي جنبا إلى جنب؟ الجواب على لسانه: “لقد، كنت مقتنعا، ولازلت حتى الآن، بفكرة واحدة، وهي الحفاظ على العمل الوحدوي مع إخواننا في الاتحاد الاشتراكي، لقد كنت حريصا على تطبيق وصية سيدي علال، الله يرحمو. وسأقولها لك لأول مرة، ساعة واحدة قبل موته ببوخاريست عاصمة رومانيا ، وكنت قد صحبته أنا وسيدي حفيظ القادري، لقد أعطانا وصيتين: الأولى، ألا نبتعد عن الملك، لأن المحيطين به يفسدون عليه العمل، “ها الأرض” تتمزق في “اتفاق إفران” و”اتفاق تلمسان”، ها الكارثة الكبرى، إذا قضى ونزل، لو انقلب الجيش على الملك، فإن المغرب سيدخل في متاهات الأنظمة العسكرية التي لن تأتي بأي خير إلى البلد.. أما الوصية الثانية، فهي أن العمل السياسي لحزب الاستقلال يجب أن يكون مع الوطنيين، الإخوان الذين انفصلوا عنا.. هذه الوصية التي حافظت عليها طيلة مسار تحملي لمسؤولية الأمانة العامة للحزب، هي التي أملت علي موقف المساندة، لما خاطبني السي عبد الرحمان اليوسفي في شأن تشكيل الحكومة)) (المصدر: حوار امحمد بوستة مع الصحفي عبد العزيز كوكاس/ أعيد نشره في موقع هسبريس 7 فبراير 2011).

   من فوائد التحالف بين حزب الاستقلال والاتحاد، حماية الملكية، كما أن ذلك يحمي الملك من محيطه، الذي يفسد عليه العمل حسب اعتقاد بوستة، وها هو “بلوكاج” المشاورات الحكومية، يؤكد أن الأحزاب السياسية تتجه، ليس فقط إلى “الانقلاب على إرادة المواطنين” كما عبرت عنه صناديق الاقتراع، بل إن “بلوكاجا” من هذا النوع، قد يؤدي إلى خلق شرخ بين الملكية والشعب، بمنطق، أن الشعب صوت على حزب العدالة والتنمية وبوأه المكانة الأولى، والملك محمد السادس عين رئيس الحكومة من الحزب الأول تطبيقا لفصل الدستور، فمن يعرقل إذن تشكيل هذه الحكومة؟ أليس المعرقل هو الأحزاب نفسها؟ ألم تضع نتائج الانتخابات في محاولة إرضاء الخواطر، بين بن كيران وأخنوش وشباط ولشكر، وسط تحركات مريبة للحزب الوصيف(..)، الذي طالب بعد الانتخابات وليس قبلها بتعديل الدستور، حسب ما أكده في بلاغ حزبي عقب هزيمته الانتخابية: “وحسب بلاغ لحزب الأصالة والمعاصرة عقب اجتماع مكتبه السياسي مساء يوم الأربعاء 19 أكتوبر 2016، فإن الممارسة أبرزت حدود بعض المقتضيات الدستورية عند إعمالها، وكذا الحاجة إلى تأطير دستوري لجوانب من الممارسة السياسية تفاديا لبعض حالات الفراغ المعياري.. وأشار البلاغ إلى طبيعة الخطاب السياسي المستعمل من قبل بعض الأحزاب ومخاطره على الاختيار الديمقراطي، وكذا قضية استعمال الرأسمال الرمزي للدين الإسلامي في الاستحقاقات الانتخابية وآثاره السلبية على المدى القصير والمتوسط” (المصدر: عدة مواقع إلكترونية).

   ما معنى أن يشارك حزب ما في الانتخابات بناء على دستور مؤطر للعملية، هو دستور 2011، ثم يطالب بعد هزيمته بتعديله؟ أليست هذه ضربة موجهة للنظام السياسي ككل، ومحاولة غير مباشرة للطعن السياسي في نتائج الانتخابات(..)؟ ثم ما معنى هذه التصرفات الغير مسبوقة لرؤساء الأحزاب، ما معنى أن يتشبت رئيس حزب ما بضرورة إبعاد حزب آخر عن المشاركة؟ أ ليس العبث عينه، هو تقسيم المشهد السياسي إلى تحالفات لحظية غير معلنة بشكل واضح، كتحالف الاتحاد الاشتراكي مع حزب الأحرار، والذي ترجمته كلمة الكاتب الأول، إدريس لشكر، الذي انتقل بين عشية وضحاها من وصف حزب الأحرار، بحزب “التشخشيخ وللا أومالي” إلى حزب ذي مواقف، “لأنه دافع عن عدم حل الاتحاد الاشتراكي”.

   حربائية الأحزاب السياسية، تدفع إلى طرح سؤال، هل يمكن للملكية أن تثق في الأحزاب؟ وهي تتنازل عن صلاحياتها، دستورا بعد دستور لفسح المجال للأفكار الديمقراطية، وهي أحزاب متهمة بالفساد، ليس من الناحية السياسية فقط، بل من الناحية المالية أيضا، والدليل على ذلك، يوجد في أرشيف تقارير قضاة المجلس الأعلى للحسابات، فقد: “أبانت خلاصات فحص الوثائق المدلى بها من قبل الأحزاب، أن حزب الاستقلال عجز عن تقديم الوثائق القانونية لإثبات نفقات بقيمة تجاوزت 500 مليون سنتيم، ما يمثل أزيد من 28 في المائة من إجمالي نفقات الحزب، وأوضح المجلس، في هذا الصدد، بأن الحزب، إما أنه لم يقدم وثائق بالمرة بخصوص بعض النفقات، أو قدم وثائق غير كافية للبعض الآخر، أو تقدم بوثائق في غير اسم الحزب بالنسبة إلى نفقات أخرى، ولم يقدم حزب العدالة والتنمية الوثائق المطلوبة لإثبات نفقات بقيمة إجمالية تناهز 71 مليون سنتيم، في حين عجز حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية عن إثبات نفقات بقيمة في حدود 47 مليونا، ولم يتمكن الحزب المغربي الليبرالي من إثبات مبالغ بقيمة تناهز 27 مليونا، ما يمثل أزيد من 51% من إجمالي نفقاته، وعجز الحزب الوطني الديمقراطي عن إثبات حوالي 25 مليونا، ما يناهز 37% من إجمالي نفقات الحزب، ولم يقدم الاتحاد الاشتراكي وثائق إثبات بشأن نفقات بقيمة تجاوزت 7 ملايين، ووصل عدد الأحزاب التي لم تتمكن من إثبات نفقاتها بالوثائق المطلوبة 20 حزبا، وأكد التقرير أن بعض نفقات الأصالة والمعاصرة لسنتي 2012 و2013، تم أداؤها وتقييدها في محاسبة 2014، ما اعتبره قضاة جطو مخالفا لمبدإ تخصص الدورات المحاسبية” (المصدر: جريدة الصباح عدد 21 يناير 2016).

   يكفي الرجوع إلى التاريخ، للوقوف على بعض الجزئيات، التي تدل على أن العلاقة بين الملك والسياسيين، لا تتميز بالإخلاص ولا هم يحزنون، حسب ما ورد في كتاب: “الحسن الثاني الملك المظلوم” للمؤلف، قيدوم الصحفيين صاحب كتاب “مذكرات صحافي وثلاثة ملوك”، مصطفى العلوي، بل إن العلاقة اتسمت دائما، بالصراع، سواء تم إعلان ذلك أم لا، “لقد رأينا أن النظام الملكي، ولنأخذ المثال من حزب الاستقلال: “..إن البلاد قد حصلت على الاستقلال، إثر تحالف جامع في إطار حزب الاستقلال، بين الملك والبورجوازية الحضرية، الأنتلجنسيا (النخبة) والبروليتاريا، وكل ذلك في وجه سلطة استعمارية كانت تستند في حكمها على الأعيان القرويين والدينيين.. وعلى إثر ما توارثه الحزب الوطني من الحماية، فقد أصبح يسيطر منذ البداية على الجهاز الإداري، وهو بالأساس، يمثل الأداة القمينة بعصرنة البلاد، وكان هذا الحزب يفكر في استخدام هذا الجهاز الإداري من أجل الحد من الامتيازات الملكية، مع استعماله في نفس الوقت للهيبة الدينية والسياسية للملك لكي يسيطر على العالم القروي..” (عن الراحل ريمي لوفو، صاحب كتاب: الفلاح المغربي المدافع عن العرش).

   أن يحاول حزب ما تطويق النظام السياسي بطريقته، أمر يمكن أن يحدث، لكن أن تتحول جل الأحزاب السياسية، بين عشية وضحاها إلى الانتقال من تبني موقف الحكم الذاتي إلى تبني موقف تقرير المصير، هذا الأمر يطرح عدة علامات استفهام حول حقيقة اللوبيات المتحكمة في الأحزاب (الأسبوع عدد 12 مارس 2015)، يكفي أن ننظر إلى سؤال، ماذا فعلت الأحزاب المغربية من أجل الصحراء؟ ماذا قدمت في سبيل الدفاع عن حق المغرب في التواجد بإفريقيا(..)؟ يعلق أحد المواقع على ذلك بما يلي: “الملفت في كل هذا، هو غياب الأحزاب المغربية عن هذه المعركة التاريخية، بل أكثر من ذلك، فقد تركت الملك وحده في ساحة الحرب، ودخلت في عملية ابتزاز متبادلة من أجل الغنائم الانتخابية، ضاربة الإشارات التي وجهها إليها الملك محمد السادس من قلب إفريقيا في خطاب المسيرة الخضراء الذي وجهه لها من العاصمة السنغالية دكار بعرض الحائط.. فعندما وجه الملك خطابه إلى الأحزاب على أن المغرب يحتاج لحكومة جادة ومسؤولة وليس لحكومة حسابية تتعلق بإرضاء رغبات أحزاب سياسية وكأن الأمر يتعلق بغنيمة انتخابية، حكومة تولي اهتمامها إلى إفريقيا في هذه المرحلة الدقيقة، كان يريد أن ينبه إلى أن الوقت ليس مناسبا للمهاترات التي دخلت فيها الأحزاب في محاولة منها لاقتسام غنيمة الحكومة.. ولكن مع الأسف، لم يفهم أي من الأحزاب الرسالة، ولم يقدر أي من الزعماء السياسيين المرحلة الدقيقة التي يمر بها المغرب، خاصة وأن الأمر يتعلق بقضيته الوطنية الأولى، التي ظلت الهاجس الأكبر لكل مغربي حر وطني يتفانى في حب بلده، حيث ظلت جل الأحزاب وكأن الأمر لا يهمها، تمارس هوياتها في الابتزاز والابتزاز المضاد، تاركة قائد البلاد وحده في معركة مصيرية داخل أدغال إفريقيا، دون حتى أن تتحمل مسؤوليتها في معالجة ذات البين مع بعضها البعض، لتزيد من همومه في الوقت الذي كان يجب أن تكون فيه في قلب المعركة” (المصدر: كيف تخلت الأحزاب المغربية عن الملك في أحلك الظروف/ موقع عبر).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!