في الأكشاك هذا الأسبوع
355883363

الحقيقة الضائعة | المناورات الحزبية بين الحسن الثاني ومحمد السادس.. حولت أسود الأحزاب إلى قطط

بقلم: مصطفى العلوي

   قديما، كان المغاربة، بلا حزب ولا تنظيم، يعيشون تحت حكم بلاد المخزن وبلاد السيبة، على ضوء الأفكار المتنورة للواعي من أقطابهم، وواحد من هؤلاء الأقطاب، كان يسمى التاودي بن سودة، وقد خلف في كتابه “الفهرسة الكبرى”، حول تعبير كان راجعا في تلك الأزمان، اسمه الهمة، وفي تلك الأزمان، كان تعبير الهمة مخالفا تماما لتعبير الهمة الذي تلوكه الألسنة هذه الأيام، وهم يتذكرونه خصوصا عندما يروه بجانب الملك، في كل تنقل وسفر، لكن التاودي بن سودة، كتب عن همة آخر: ((ذو النفس الأبية يرقى بها عن سفائف الأمور، ويجنح إلى معاليها، وذو الهمة لا يبالي، فيجهل فوق جهل الجاهلين، ويدخل تحت رقبة المارقين، وتكون الهمة عالية(…) إذا تعلقت بمعالي الأمور، وسافلة إذا تعلقت بأدانيها)).

   وتلك هي التعابير التي راودتني وأنا أفكر في المسار السياسي المغربي الحالي، وكأنه سقط تائها في سفاسف الأمور.. بعد أن تحول أسود السياسة المغربية إلى قطوط، وبالعربية السامية إلى قطط. وها هي الأيام تعود بنا سنوات طويلة إلى الوراء، لنرى كيف تحول أقطاب حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي إلى شبه أصفار متراصة، خلف فاصلة حزب العدالة والتنمية، لأنه كما يقول المغاربة: جا ورانا وشرا دار.

   طبعا كان المفروض، والرصيد المتين لحزب الاستقلال، ورحم الله قطبه علال الفاسي، والاتحاد الاشتراكي، ورحم الله قطبه المهدي بنبركة، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ورحم الله قطبه عبد الله إبراهيم، وقد ماتوا لتموت معهم أحزابهم ويصبح أتباعهم يتامى، يبحثون على لقمة العيش، من يد قطب الحزب الجديد، عبد الإله بن كيران.

   ورحم الله الملك الحسن الثاني الذي فطن قبل موته بسنوات، إلى أن مصلحة المغرب العليا تكمن في تواجد ثلاث أحزاب فقط، حزب يجمع اليمين ومصالحه، وحزب يجمع اليسار ومناضليه، وحزب للوسط، كان الحسن الثاني يعتبر حزب الأحرار هو المعني، بتسمية حزب الوسط، عندما كان حزب الأحرار، قد أصبح إطارا طبيعيا، للتقنيين والتجار المتوسطين، والبارزين من الموظفين.

   وقد كان الحسن الثاني، مهووسا ليله ونهاره بالأخطار المحدقة به وبالمغرب كله، تلك الأخطار التي مات الحسن الثاني، وترك المغرب مهددا بها..

   ففي نهاية 1979، مثلا، وكان الرئيس كارتر يحكم الولايات المتحدة الأمريكية بأفكار معادية لكل من لا يخدم مصالح الدولة الأمريكية، أو يهددها، وهكذا، وعندما صدر بلاغ صفق له المغرب بأن الرئيس كارتر أعلن عن تزويد المغرب بالأسلحة الكافية لمساندة المغرب في حربه بالصحراء، نشرت مؤسسة السيا الأمريكية أن عرش الحسن الثاني لابد أن يطاح به على هامش هزيمة متوقعة، في حربه ضد البوليساريو.

   ويزداد هلع الحسن الثاني عندما نشرت المجلة الفرنسية “جون أفريك” في أحد أعدادها خبرا نقلته جريدة “لوموند دبلوماتيك” (عدد فاتح يناير 1980) أن حركة بربرية انفصالية بدأت تتحرك في المغرب، لتتأكد المخابرات المغربية في نفس الوقت، أن أقطابا أمازيغيين بصدد التنسيق مع مستشارين في السفارة الفرنسية بالرباط، لربط اتصال مع أقطاب في الريف، لإعلان حركة ما(…) الشيء الذي أعقبه اختيار القطب الناضوري، المنصوري بن علي، وتعيين أخيه الضابط في الجيش لإدارة المخابرات العسكرية.

   هذا في وقت كان فيه الحسن الثاني، قد أعلن وضع حد لحالة الاستثناء، وتنظيم انتخابات أسفرت عن تقاسم الأغلبية بين حزب الأحرار، وحزب الاستقلال، والحركة الشعبية، ليسارع الحسن الثاني إلى الإعلان عن استقبال عبد الرحيم بوعبيد قطب الاتحاد الاشتراكي، من أجل تأسيس حكومة للوحدة الوطنية.

   فماذا يمنع المغرب اليوم، من العودة إلى المشروع الذي كان قديما هو الجدار العالي ضد كل الأخطار التي تهدد العرش والشعب.

   في ذلك الزمان، شاءت الظروف أن تدمج الرأي العام المحيِّط، في الاهتمام وردة الفعل، عندما نظمت في الدار البيضاء مباراة لكرة القدم، بين المنتخب المغربي والجزائري (يوم 12 دجنبر 1979) لكن انتصرت الجزائر على المغرب، بخمس إصابات مقابل إصابة مغربية واحدة، ليتحرك الرأي العام المغربي، منددا بضعف المغرب(…) ليسارع الحسن الثاني، إلى إعلان تعديل وزاري وتشكيل الحكومة الوطنية بمشاركة الاتحاد الاشتراكي، وكان الحسن الثاني قد مهد لهذا التعديل – المتناقض مع حسابات الأصوات – وهو يعلن بجرأة كبيرة: ((لا تقتضي الديمقراطية، أن لا يُعمل إلا برأي الأغلبية، لأنه يمكن للأغلبية أن تكون مخطئة)) (ندوة 7 نونبر 1977).

   ليعلق عليه قطب اتحادي، عبد الله العروي، مساندا: ((عاشت البلاد مدة ثلاث شهور بعد الانتهاء من العملية الانتخابية، بدون حكومة فعلية(…) حتى يقتنع الجميع أن السياسة مرسومة(…) ولا يؤثر فيها برلمان منتخب)) (العروي. خواطر الصباح).

   وفي هذا السرد النموذجي، للتعامل السياسي الجاد(…) تكون قوات التحكم (…) متحركة في ظل الملك، وعندما استعجل الاتحاديون زعيمهم عبد الرحيم بوعبيد، للرجوع من معالجته المرضية بفرنسا، قرروا تنظيم مهرجان بمناسبة ذكرى اغتيال رفيقهم عمر بن جلون وسارع والي الرباط بمنحهم الترخيص لإقامة هذا الاحتفال في سينما أجدال بالرباط، وعند حضورهم وجدوا الشرطة (البصرية) تمنعهم من دخول القاعة.

   لقد كان الرجل القوي، إدريس البصري، يتحرك في ظل الملك، لنسف هذا المخطط، المحضر لتحرك حزب الأحرار بجدية، وكان هذا الحزب بزعامة صديق الملك عصمان وعضوية أقطاب جادين، مثل القاسمي، الذي جاء من عند الاتحاديين، وأصبح قطبا للأحرار، الذي كان من بينهم صديق آخر للملك، الوزير عبد الله غرنيط، ليقنع الوزير البصري الملك بخطورة حزب الأحرار، ونوابه الثمانين(…) ويحضر لانقسام يتزعمه الوزير أرسلان الجديدي، ووزير المالية عبد القادر بن سليمان ليعلن البصري لمنتقديه أن مخطط تقسيم الأحرار كان بدفع من الجنرال الدليمي، في ذلك الزمن، الذي كان الجيش يرغب في التحرك بالساحة السياسية.

   سرد غير مفصل، للنشاط السياسي الذي كان يحرك العضلات الحزبية، وقد رأينا، هذه الأيام(…) كيف تحولت هذه العضلات الحزبية إلى عظام نخرة، تمنع الأحزاب التقليدية من خوض أية مباراة فأحرى معركة.

   لقد أدى تلاعب قوات التحكم البصري(…) في زمان كانت فيه للأحزاب عضلات، إلى انطلاق الجماهير في أحداث فاس سنة 1990، وهي أحداث برع في وصف خطورتها الحسن الثاني حين قال: ((لو لم يتدخل الجيش، لما بقيت في فاس حجرة فوق حجرة، والجيش نقلناه.. من أين؟ من السمارة فلا جنود في الشمال، والبوليس عاجز أمام الطوارئ)).

   على الذين يتوقون إلى تفادي الأخطار التي تفرض تدخل الجيش، كما في الماضي وكما قد يحصل في المقبل من الأيام(…)، فإن الحل يكمن في الرجوع إلى العقل والمنطق.

   وإذا كان الملك محمد السادس، وقد قال في خطابه الأخير، بحتمية البرامج المضبوطة بعيدا عن حسابات الأصوات، مرددا ما قاله والده الحسن الثاني، بأن لا يعمل برأي الأغلبية، لأن الأغلبية يمكن أن تكون مخطئة، فإن التعددية الحزبية تبقى خطرا على المغرب، وها هو أحد الأحزاب التي شاركت في الانتخابات الأخيرة، يتزعمه رئيس الحزب المتابع بالنصب والاحتيال، فإن الوقت حان، أمام الأخطار المقبلة، أن يرجع المغرب إلى التكتلات السليمة الثلاث، حزب لليمين وحزب لليسار وحزب للوسط، وإذا استطاع الصديق الثاني للملك أخنوش أن يعود بحزب الأحرار موسعا إلى الحركة الشعبية، إلى ماضيه النشيط، فقد يكون هو الوسط، بينما يتحتم على الاستقلاليين والاتحاديين أن يعيدوا حساباتهم، وأن يخجلوا من واقعهم الحالي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!