في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | مؤشرات الانتقال من “تزوير الانتخابات” إلى الانقلاب على إرادة الناخبين

صراع “السفيه” و”الهبيل” و”السلكوط”.. مات البصري وبقي أحفاده

إعداد: سعيد الريحاني

   “بالرغم من أن جميع السياسيين ليسوا انتهازيين، وأن جميع الانتهازيين ليسوا سياسيين، وأن العمل السياسي يجمع الصالح والطالح، فالأحكام الاجتماعية الجاهزة تطنب في اتهام السياسي وتجعله مسؤولا عما يجري من فساد، يساهم الجميع في تركيبه.. إن رجل السياسة ليس المسؤول الوحيد عن هذه الأزمات التي تخترق المجتمع، إنه أحيانا مجرد بديل لنكبات المجتمع وإذنابنا الجماعي.. لا يتعلق الأمر في هذه العبارات بتنزيه السياسي الماكر، الفاسد والسارق، ولكن بنقد الحكم الاجتماعي في السياسي”.. هكذا تحدث الباحث بن أحمد حوكا، والواقع أن الحالة السياسية في المغرب لا تبشر بالخير، فالصراع بين “السفيه” و”الهبيل” و”السلكوط”، وكلها مسميات سياسية لزعماء الأحزاب المغاربة، وردت على لسانهم، ولا أحد منهم لجأ للقضاء لدفع التهمة عنه(..)، أدت إلى “بلوكاج” في تشكيل الحكومة، قد يكون بدوره مجرد مقدمة لـ”بلوكاج” كبير قد يؤثر على سير المرافق العمومية.

   فمن حيث الشكل، عين الملك محمد السادس يوم الإثنين 10 أكتوبر 2016، رئيسا للحكومة لولاية ثانيا، احتراما للدستور، وخاصة الفصل 47 منه الذي يقول: “.. يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها”، غير أن بن كيران “لم يستطع” أو “لم يسمح له” بتشكيل أغلبية تمكنه من تشكيل حكومة، ها هو يكشف: “محاولة للانقلالب على نتائج الانتخابات”، حسب ما نشره موقع حزب العدالة والتنمية في شريط فيديو مسجل لبن كيران يوم السبت 5 نونبر 2016، بمناسبة اجتماع اللجنة الوطنية للحزب، وهو الشريط الذي لم يتم تسريبه للعموم إلا بعد 9 أيام من تسجيله، ويفسر المتتبعون ذلك بكون أعضاء حزب العدالة والتنمية كانوا ينتظرون عودة الملك من الزيارة الملكية لإفريقيا، لكشف بعض كواليس تشكيل الحكومة، تفاديا لسوء الفهم.

   كيف يمكن الانقلاب على نتائج الانتخابات؟ والكل يعلم أن رئيس الحكومة هو بن كيران، الجواب على لسان بن كيران نفسه: “كان هناك اجتماع يوم السبت لمحاولة الانقلاب على النتائج التي حصلنا عليها يوم الجمعة (7 أكتوبر 2016)، من خلال مذكرة للملك يؤكدون فيها عدم تعاملهم مع هذا الرئيس.. ثم كانت هناك محاولة أخرى يوم الثلاثاء لتعيين رئيس مجلس النواب خارج الأغلبية، ولو فلوها فقد كانوا سيربكون كل شيء، لأنني لن أشكل وقتها أغلبية غادي نمشي عند سيدنا نقولو هاذوا راه دارو أغلبية ديالهم..”.

   بن كيران من خلال كلمته يحاول أن يكشف الوجه الخفي لتحركات الأحزاب، التي لجأت حسب قوله لأسلوب المناورات، “في البداية كان هناك بيان التوحش، ثم بيان المصالحة (يقصد بيان إلياس العماري)”.. قبل أن يشير إلى حزب الأحرار الذي كان “معطوبا” حسب قوله بعد استقالة الرئيس، وفوق ذلك، جلب معه حزب الاتحاد الدستوري، وهو أمر “بيزار” Bézar، وتبقى أكثر الاتهامات إثارة في كلام رئيس الحكومة، هي تلك الموجهة لعزيز أخنوش، الذي قال عنه، بأنه يحترمه، لكنه جاء بشروط لا يمكن قبولها، بما في ذلك شرطه لرئاسة الاتحاد الاشتراكي لمجلس النواب.. “يكون عندك الفلوس، يكون عندك نفوذ، فهذه الديمقراطية، والديمقراطية انتصرت لنا بـ 125 مقعد” هكذا تحدث بن كيران بشكل غير مسبوق عن أخنوش، قبل أن يقول: “لا يمكننا أن نساهم في إهانة إرادة المواطنين”، أما فيما يخص حزب الأصالة والمعاصرة، فوجهة نظر بن كيران لازالت واضحة وهي أن هذا الحزب انتهى، وأن رقم 102 من المقاعد التي حصل عليها هذا الحزب سيظل وصمة عار في المستقبل، ماذا فعل هذا الحزب غير الحديث عن الكيف ومحاربة الإسلاميين ومحاولة إغلاق قناة محمد السادس للقرآن الكريم” يتساءل بن كيران.

   باختصار، عزا بن كيران، في حديثه عما سيقع قبل أن يقع(..) مشكلة “البلوكاج” إلى طرفين أساسيين هما، عزيز أحنوش، وحزب الأصالة والمعاصرة، ليقول المعلقون، “إن مفاوضات الأحزاب تدخل في إطار اللعبة السياسية، لكن لا يجب أن تؤدي إلى أزمة أو بلوكاج كالذي حصل لحد الآن، مما يجعل السؤال مطروحا عما إذا كان الهدف هو إسقاط بن كيران..؟”، هكذا علق الإعلامي حميد برادة، قبل أن يقول: “من الصعب حصول ذلك، لأن الأضرار التي ستحصل للمغرب أكثر من المكاسب، إذ سيلحق ذلك ضررا كبيرا بتجربة المغرب واستقراره السياسي وسمعته، طبعا، فلحد الآن، المناورات الجارية لازالت حبيسة إطار وطني، لكن إذا فشل بن كيران، سيصبح الموضوع كبيرا على المستوى الدولي، وسيظهر المغرب بأنه لم يحترم نتائج الانتخابات، وهذا لن يكون في صالح المغرب..”.

   المفاوضات مستمرة، لكن “خيال ظل أخنوش” الذي يزحف على الحكومة حسب اعتقاد بن كيران، الذي قال إن وزير الفلاحة يتعامل كرئيس حكومة، قد يزيد الوضع تأزما وتصعيدا، لاسيما وأن أخنوش نفسه خرج ليرد على بن كيران من خلال الصحافة وليس عبر اتصالات هاتفية، مما يؤشر على انقطاع محتمل للعلاقات بينهما قائلا: “التهجم بشكل غير مسبوق على حزب حصل على 37 مقعدا حسب رئيس الحكومة هو أمر غريب حقا، فإذا كنا حزبا معطوبا بهذا الشكل وكان كلامنا مزعجا ولا يعجب، فلماذا ينتظرنا رئيس الحكومة لتشكيل تحالفه..”.

   وبخلاف شباط مع أخنوش، فقد طفى مؤخرا على السطح هذا التآلف بين قلبي شباط وبن كيران، حيث يقول رئيس الحكومة إن شباط “طلع راجل”.. كيف ذلك؟ لقد حفظ رئيس الحكومة لشباط موقفين هما: عدم موافقته على رفع مذكرة للملك لرفض التعامل مع بن كيران، وعدم موافقته على تعيين رئيس لمجلس النواب خارج الأغلبية، والواقع أن شباط، ابتعد كثيرا عن أساليب إلياس العماري، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، وأكبر دليل على ذلك، هو “اشتباك الرجلين بالأيدي”، خلال الفترة الأخيرة، فبينما كان إلياس يحاول إيهام بعض زعماء الأحزاب بوجود جهات عليا تعطيه التعليمات، انتفض شباط ليسأله من هي هذه الجهات التي تعطي الأوامر، فحصل التشابك، وهو التشابك الذي سبق هجوم جريدة “العلم” الناطقة باسم حزب الاستقلال، على الرئيس الجديد لحزب التجمع الوطني للأحرار، “حيث حملته المسؤولية السياسية المباشرة عن مأساة مقتل الشاب محسن فكري بالحسيمة، وكتبت الجريدة بالبند العريض على صدر صفحتها الأولى، بأن “المغاربة لا ينتظرون الزج بالصغار في السجون لجبر الخواطر، ولكن لابد من أن يتحمل الكبار المسؤولية السياسية”، وذلك في إشارة إلى الاعتقالات التي طالت عددا من المسؤولين الصغار بمدينة الحسيمة.. واتهمت الجريدة أخنوش بـ”إسكات الصحفيين عن طريق تدبيره لتوزيع كعكة الإشهارات على المؤسسات الإعلامية”، مضيفة بأن “دفتر شيكات الرجل ضخم وقادر على إسكات الجميع” (المصدر: موقع اليوم 24).

   وقوف شباط في وجه مخططات إلياس العماري، الطامح إلى ترأس الحكومة أو على الأقل الدخول إليها من باب المصالحة(..) ليس وليد اليوم، وسبق لـ”الأسبوع” أن كشفت هذا المخطط .. حيث أن شباط سبق أن قطع علاقته مع حزب الأصالة والمعاصرة، مباشرة بعد ظهور نتائج الانتخابات الجماعية الماضية، “ففي إطار لعبة الأشخاص وليس في إطار التفكير الاستراتيجي، أكدت مصادر “الأسبوع”، أن حميد شباط استبق انتخاب رؤساء الجهات بالتموقع في موقع المساندة النقدية للحكومة، بعدما تأكد من وجود مخطط آخر لتحضير ضربة مفاجئة كبيرة لحكومة تقضي بانسحاب الأحرار من الحكومة مباشرة بعد انتخاب رؤساء الجهات، وقتها صوت المواطنون على حزب العدالة والتنمية وبوأوه المرتبة الأولى في الجهات والمدن، لكن الفائز بعد التصويت كان هو حزب الأصالة والمعاصرة، فما سمي بخيانة حزب الأحرار لحزب العدالة والتنمية إبان انتخاب رؤساء الجهات، لم يكن سوى الجزء الأول من مخطط كبير كان سينتهي بانسحاب الأحرار من الحكومة على غرار حزب الاستقلال الذي انسحب أولا، لكن تحرك شباط لعقد ندوة صحفية، وفك الارتباط مع حزب الأصالة والمعاصرة بالليل، أحبط هذا المخطط” (المصدر: انظر الأسبوع عدد الخميس 17 شتنبر 2015).

   قطع العلاقة بين شباط وإلياس، كان سببا في إحباط كل المخططات الداعمة لإلياس العماري، حتى الآن، فكانت نتيجة ذلك تعرض الأمين العام لحزب الاستقلال لهجوم غير مسبوق من لدن قياديين في البام: “فقد وجه امحمد لقماني، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، رسالة قصيرة إلى شباط، تحمل عنوان: إلى المسمى قيد عقله شباط، يطالبه من خلالها بالابتعاد عن الريف وأهله… فهم على استعداد ليعطونك دروسا في الوطن والوطنية والمواطنة، وبدون مقابل”.. وكان لقماني الذي اكتسب بعض النقاط داخل حزب البام في الفترة الأخيرة من خلال تقدمه لتسيير بعض اللقاءات، قد قال أن بن كيران أحرق أوراقه مع جميع زعماء الأحزاب السياسية الذين كان يسعى ليشكل معهم ثاني حكومة بعد إقرار دستور فاتح يوليوز.. مما يجعله أمام مقتضيات الفصل 42 من الدستور.

   تلميح، أو كشف مخطط حزب الأصالة الذي ورد على لسان لقماني، إلى الفصل 42 من الدستور الذي يقول: “الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة”، مما يعني أن آخر أمال البام في هزيمة بن كيران، هي تدخل الملك لتعيين رئيس حكومة آخر، في حالة الرغبة في تفادي تكلفة الانتخابات أو إعادة الانتخابات من جديد، وهذا ما يريده بن كيران وشباط، في حال استمرار المناورات.. فوراء “البلوكاج”، توجد “قيادات حزبية لا تعبأ بتحولات المجتمع، ولا بغضب الشارع، ولا بفورة الشباب، ولذلك فهي لا تجد حرجا في ترك الدولة في مواجهة مباشرة مع الشعب في أقل اختلال ممكن لعلاقة المجتمع بالسلطة.. ما وراء البلوكاج يوجد بالتأكيد نظام انتخابي، له هدف واحد هو تطويق الإرادة الشعبية، وترجمة الخوف من الشرعيات الصاعدة من قلب المجتمع، ووضع القرار السياسي لصناديق الاقتراع تحت رحمة اللعب الصغير لقيادات الأحزاب.. نظام انتخابي يسمح للفاشلين في الاقتراع بالتحول إلى نمور من ورق لحظة التفاوض على المقاعد” (تعليق الأستاذ الجامعي الاتحادي، حسن طارق).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!