في الأكشاك هذا الأسبوع

متابعات | تفاصيل عن التصفيات الجسدية في بداية الاستقلال

بقلم: المقاوم عبد الرحيم الورديغي

         يحق في نظري أن يحمل الأمازيغي العربي المحجوبي أحرضان لقب زعيم مغربي من الطراز العالي لأنه كان دائما من دعاة الحفظة على العرش العلوي المغربي، الموحد الآن للأمة المغربية. هذا العرش الذي قادنا إلى يومنا هذا في الاتجاه السياسي الصحيح، لدرء الأخطار عن بلدنا الهش الذي تدور حوله المطامع وتريد أن تستغل اختلافا ألسنتنا وألواننا وتجعل منه مرتعا للاستغلال وللفوضى.

——————

كان حريا بهذا الزعيم أن يوضح بكل تدقيق تلك المرحلة العصيبة عن رجوع محمد الخامس من المنفى والتي تميزت بمحاولة تصفية الحسابات السياسية ما بين أنصار وخصوم العاهل المغربي الوارد من منفاه بعدما وافقت فرنسا على منح الاستقلال الكامل للمغرب بإلغاء عقد الحماية. هذه التصفية السياسية تزعمتها أمام حياد السلطات العسكرية والبوليسية الفرنسية، ميليشيات حزب الاستقلال الذي كان قد أنشأها في ظرف وجيز لتصفية المتعاونين مع فرنسا وطحنهم، مضيفة إليها أنصار العاهل محمد الخامس الذين كانوا آنذاك تحت لواء المقاومة وجيش التحرير المغربي.

كان أول رأس قطعته تلك الميليشيات الاستقلالية في المقاومة الحضرية، زعيم نشيط، لمنظمة الهلال الأسود، اسمه عبد الله الحداوي الموالي للملكية العلوية، والذي بكاه المقاومون الحقيقيون، فبادرت تلك الميليشيات باختطاف بعض رؤساء جيش التحرير المغربي، وقتلت منهم بالدار البيضاء محمد بلمختار البقالي، الشاعر، ورئيس منطقة بني ملال، تلته فيما بعد عباس المسعدي المكلف بمنطقة الريف الشرقية على يد كريم حجاج، وكادت أن تقتل رئيس جيش التحرير للأطلس بنفسه، الجزائري المغاربي، ندير أبوزار الذي أورد باخرة من السلاح من مصر وكون مدرسة حربية قرابة تطوان وساق أطرها إلى الأطلس لمحاصرة الجيش الفرنسي – وهنا أورد إلى القارئ ظروف محاولة اغتيال ندير أبوزار من طرف ميليشيات حزب الاستقلال والتي كان يرأسها فعليا المهدي بن بركة ومساعده محمد البصري المكنى بالفقيه ومجموعة من الجنوبيين، منهم على الخصوص: حسن الشافعي المكنى بالأعرج وعبد السلام الحبلي وسعيد آيت إليدار وعملاء موزعين على مختلف الأقاليم، منهم السكوري المكلف بالمعتقل “دار بريشة”، يساندهم بوليس الاستقلالي محمد الغزاوي بالمال والسلاح ورئيس الشرطة بالبيضاء إدريس السلاوي الذي يرخص لهم باستعمال الكوميساريات. كانت هذه الميليشيات الاستقلالية ذات التوجه الجمهوري الصريح والتي تريد أن تصفي كل من هو ملكي مخلص لشخصية محمد الخامس والذي كان يقول فيه المهدي بن بركة بأنه سلطان إقطاعي متلبس بجلابة فقيه يريد أن يحكم البلاد بإسلاموية متخلفة، ويخالف الثورة الاقتصادية والصناعية الشيوعية ضد بقايا الاستعمار وخلفائه. لذا وجب تنحيته عاجلا، بقطع رأس الأفعى كما يرددها كشعار الشيوعيين في الاتحاد السوفياتي ضد خصومهم الديمقراطيين الليبراليين..

هنا أورد حكاية محاولة تصفية رئيس جيش التحرير المغربي ندير أبوزار الذي كان يحاول توحيد صفوف المقاومة وراء شخصية العاهل محمد الخامس وقد تكلم عنها أحرضان بكل وضوح، فبعد شهر على توقيع اتفاقية الاستقلال يوم 2 مارس 1956، ورد أبوزار إلى الرباط من جبال الأطلس وبالخصوص من نواحي اخنيفرة، وبصحبته قادة مناطق جيش التحرير كانت نيتهم الصالحة الاتصال بقادة حزب الاستقلال. فكان يسوقهم ابن عمي، الشاب الرباطي عبد الغني الورديغي، فأنزلهم بالمنزل الفسيح لأبيه الحاج مصطفى الورديغي بحي العكاري بزنقة أورليان لأن أعضاء القيادة الحربية ليس لديهم مكان إقامة مخفية أو عائلة بالرباط باستثناء ندير أبوزار الذي كانت شقة أمه الأرملة مدام أبوزار لا تتسع للترحاب بهم، فأقاموا عدة أيام في دار عمي الحاج مصطفى، في انتظار ميعاد مع موكول سياسي من حزب لاستقلال وكان من أنشطتهم المهدي بن بركة أستاذ للرياضيات وسجين سابق حبس لعلو بالرباط، تقدم إلى دار عمي، وأول حاجة طلب من ندير أبوزار بحضوري، قائمة قادة جيش التحرير بأسمائهم الكاملة وقياداتهم، وأضاف بأنهم وجب عليهم الالتحاق توا بحزبه ليكونوا فيما بعد ميليشيات إضافية “تحرس” البلاد من المخاطر ضد الجيش الفرنسي، كان يتكلم بلغة فرنسية فصيحة، فرد عليه ندير أبوزار الفرنكفوني بأنه لا حاجة لوضع لائحة اسمية ولا حاجة في ضم إطاراته لحزب الاستقلال لأن الجيش ليس مسيسا، لأنه علمهم في مدرسته الحربية بتطوان عدم التدخل في السياسة الوطنية ومحاربة الجيش الفرنسي في ثكناته ليطرد باسم شعار: الله، الوطن، الملك، فاستشاط المهدي بن بركة غضبا وغادر منزل عمي بسيارة مصلحة الشرطة الاستقلالية ثم أقسم على أن لا يرى مرة أخرى وجه هذا الجزائري ندير أبوزار. فمر أسبوع، فأرسل المهدي بن بركة مسخرا له يطالب ندير أبوزار بالالتقاء مرة أخرى بدار عائلة حكم الرباطية الكائنة بزنقة مورينو، حي الجزاء – وهنا ورد أبوزار بمعية قادة جيش التحرير ومنهم عبد الغني الورديغي ومحمد بنحمو المسفيوي آيت سعيد، ثم ورد كذلك بطلب أبوزار البيضاوي عبد الله الحداوي ومساعده عبد الله الجلاوي المسؤولان عن المنظمة الفدائية الهلال الأسود، غاية من أبوزار توحيد المقاومة المسلحة مع المنظمة السرية الجديدة التي أنشأها المهدي بن بركة وزميله محمد البصري. كانت دار حكم الرباطية على شاكلة دار الحاج مصطفى الورديغي هي المركز المؤقت الحقيقي لحزب الاستقلال (لا المركز الحالي بالرباط الذي كان شبه ثكنة عسكرية فرنسية بباب الحد) فحضرت عائلة حكم وعلى رأسها الأخوان الجيلالي ومحمد حكم يقدمان صحونا غذائية ومشروبات الشاي، انتظرنا طويلا وصول المهدي بن بركة، فدخل علينا وهو يكشكش من فرط تأخره عن الموعد، وبدأت المناقشة ما بينه وبين أبوزار. يقول هذا الأخير بأنه ورد بجيشه ومسؤولي الهلال الأسود للتقدم بهم إلى قصر السلطان محمد بن يوسف ووضع السلاح أمامه وتقديم الطاعة والولاء إليه. فثار المهدي بن بركة في وجهه وقال له إنه لا يحق لك أن تقوم بهذه المبادرة، فما هو إلا أجنبي عن المغرب، فاستشاط أبوزار غضبا وأشار إلينا بالخروج من دار حكم، واتجهنا خارج زنقة مورينو في فرقتين داخل حي الجزاء، وداخل الجمهور العام، فرقة اتجهت إلى باب الجديد وفرقة ابن عمي اتجاه باب لعلو، ذهبت بندير أبوزار إلى دارنا الكائنة برقم 5 زنقة سيدي أحمد بنعلي ليرتاح وليشرب الشاي المحضر من طرف أمي الأرملة المنعنع. كان يذكرني بخطورة هذا الرجل الاستقلالي، فدقت علينا باب منزلنا دقات شرسة، خرجت، فوجدت أمامي أصدقاء حومة الجزاء وعلى رأسهم المقاومان الشرقاوي المكنى “بولو” ومحمد المكنى “بطانطو”، فقالا لي “بأن ابن عمي عبد الغني الورديغي ورفقاء له قد أطلق عليهم الرصاص من قبل عصابة مسلحة قرب مقبرة سيدي الخطاب، ولربما قتل ابن عملك! “أخبرت ندير أبوزار بالأمر فقلت له بأن يذهب حالا إلى الاختفاء عند أمه الأرملة الإيطالية ويتصل توا بوزير الداخلية لحسن اليوسي ليدلي له بحماية ما، لأن المغرب كان كله بيد الأمن الاستقلالي وعلى رأسه محمد الغزاوي – كان ما وقع بعد هو أن ندير أبوزار توجه توا إلى تافيلالت محميا بصديق اليوسي وهو المرحوم عدي أوبيهي بقرية غراندوا.

لما ذهبت توا قرب مقبرة سيدي الخطاب وجدت ابن عمي مجروحا بتكاثر من رصاص أنصار المهدي ابن بركة، لقد مرت رصاصتان وخرقت أمعاءه، ورأيت محمد بنحمو المسفيوي آيت بنسعيد مجروحا في فمه وتكسرت أسنانه، ولقد كان شجاعا حيث بمسدسه الثقيل، دافع عن الجماعة بالرصاص حتى هرب المهاجمون النذلاء.

توجهت سيارة إسعاف بابن عمي غلى مستشفى ابن سينا، فورد في الحين إلى غرفته وزير الداخلية لحسن اليوسي ورئيس الحكومة امبارك البكاي ليواسيا عبد الغني وبنحمو وأور بعد استشفائهما التوجه إلى إقليم تافيلالت عند صديقهما الملكي عدي أوبيهي الكريم النبيل، وكان ما وقع حيث بقي ندير أبوزار عدة شهور عند عدي أوبيهي إلى أن سلمه إلى الأمير ولي العهد الحسن الثاني الذي سلمه بدوره إلى عامل إقليم ورزازات الكولونيل المذبوح ليخفيه خمس سنوات ببولمان داديس، وذلك بعد أن أسقطت حكومة عبد الله إبراهيم الخطيرة على المؤسسة الملكية، قدم ندير أبوزار وهو مريض بداء الكلي، غلى الملك الحسن الثاني الذي عينه المسؤول الأول عن مكتب المقاومة وجيش التحرير.

لقد كان تدخل الأمازيغي العربي المحجوبي أحرضان لإنقاذ المجاهد ندير أبوزار حاسما حيث ساهم في عدم تسليم أبوزار لرفقاء المهدي بن بركة والذي كان أقسم على قتله بالتدخل لدى إدريس المحمدي وزير الداخلية فأخفاه ولي العهد مولاي الحسن بورزازات إلى أن صعد المحجوبي أحرضان إلى الحكم بدرجة وزير الدفاع ليحمي من جديد أبوزار ويعين في وظيفة يستحقها – لكن أبوزار لسوء حظه غادر وظيفته خوفا من بطش حزب الاستقلال، والتحق بالجزائر حيث تعدى عليه المسؤول الأول الجزائري أحمد بنبلة (صديق المهدي بن بركة) بوضعه في إقامة جبرية بالعاصمة الجزائرية إلى أن توفي بالغم والهم وعلى ما عوم لبه من خزي وعار، فهو الرجل الذي كان في قمة وظيفة فرنسية بالبيضاء كعميد للحكومة، وغادرها ليلتحق بالقاهرة ويأتي بسفينة سلاح وينشئ جيش تحرير لطرد فرنسا من المغرب ويعامله حزب الاستقلال معاملة الخيانة لأنه كان مغاربيا ملكيا مخلصا للملكين محمد الخامس والحسن الثاني.

ولازالت الحكومة المغربية لم تعترف إلى الآن بخدماته الجليلة ولم تعتن بعائلته الكائنة بالجزائر.

تعليق واحد

  1. مأحوجنا لمعرفة الحقائق الاكيدة والصحيحة لتاريخ المغرب السياسي والصراعات التي كانت تدور في فلكه مند الاعلان او التأسيس القاعدي للحكومة الحديث والعصرية في عهد الحماية الفرنسية وبعد الاستقلال وما رافقته من تطاحنات وجدب بين الحركات السياسية ذات الاختلاف الفكري والايديولوجي……..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!