المدرسة وقيم الديمقراطية التشاركية

محسن زردان. الأسبوع

   صعب جدا أن تجد مجالا من المجالات الإنسانية لا تحضر فيه المدرسة بقوة وفاعلية، فالعلم والمعرفة يزرعان وينبتان وينموان ويحصدان على أبوابها، حيث تتقاطع فيها كل مناحي حياة الحضارة، وشتى أنواع العلوم والمعارف.

  المدرسة تشكل دوما نقاشا مستمرا، وجدالا متواصلا في المجتمعات، في محاولتها لمسايرة التحولات المتسارعة والتطورات المتلاحقة لسير التاريخ المتغير باستمرار.

   المدرسة المغربية لن تحيد بدورها عن القاعدة، والنقاش العمومي يتحدث عن أزمتها منذ زمن طويل، لكننا سنتحدث عنها في مقاربة تستقصي استحضار أبعاد  منظومتها القيمية في سعيها لصناعة المواطن، الذي يحيل على مساهمته ومشاركته في تسيير الشأن العام، وخلق أواصر التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع.

   ثمة لغط كبير في الآونة الأخيرة بمناسبة الانتخابات التشريعية للسابع من أكتوبر من السنة الجارية، وعزوف نسبة كبيرة من المواطنين عن المشاركة في هذا الاستحقاق، على الرغم من الحملة الإعلامية التي تم تسخيرها لحث الناس على المشاركة، وما يثير الانتباه هو أنه حتى خطباء المساجد، كممثلين لمؤسسة دينية، انخرطوا دون جدوى في تشجيع الناس، بتوصية من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للإقدام على المشاركة في الانتخابات التشريعية لانتخاب ممثليهم، وهو ما فشلت فيه حتى المدرسة بدورها لمدة عقود في تلقين الأجيال لمبادئ المواطنة في مناهج التربية الوطنية.

   تشير التوقعات على أن نسب المشاركة في الانتخابات الأخيرة جد متدنية في العالم الحضري مقارنة بالعالم القروي، هل يقودنا هذا التحليل إلى فرضية نوعية التعليم الذي بدأ يزحف في المدن، حيث التعليم الخاص أصبح مسيطرا بشكل مطرد، وهو تعليم في غالبيته مفرنس يرتكز على تبني مناهج أجنبية تحمل في ثنايا بنيتها اللغوية، سمات وهويات مختلفة عن واقعنا الوطني، تعلي من شأن الفرد وتتمركز حول الذات، مما أدى إلى خلل في نقل القيم من جيل إلى جيل، فصارت فئة من المواطنين تعيش بيننا وعقلها وفكرها مع الخارج، فأصبحت سمة اللامبالاة وتراجع الحس النقدي والوعي بالتاريخ الوطني في بعده الحضاري، حتى أن نسبة كبيرة من الناشئة ترزح تحت وطأة جهل تام بمسار تاريخها، وقد تجهل أحيانا كثيرة، أسماء الدول والحضارات المتعاقبة على حكم المغرب.

   بدأ نوع من التمثلات المجتمعية يعطي نظرة تبخيسية عن فعل المشاركة في الانتخابات، فأصبح سلوك العزوف والمقاطعة لصيقا بالطبقة المثقفة التي تتأفف من المشاركة، لأنها في اعتقادها سلوك هجين ينزل بهم إلى درك العامة، الذين يقبلون بقبض الأموال وبيع ذممهم لأناس غير جديرين بتحمل المسؤولية.

   من جانب آخر، أصبحت المدرسة رهينة للقيم الاقتصادية التي تسعى لتأهيل المتعلمين للولوج إلى سوق الشغل، الذي يستجيب لمواصفات معينة تهم مجموعة من المهارات والكفاءات الملائمة للإنتاج الصناعي والخدماتي، فأحدث ذلك تسابقا محموما على ولوج الشعب العلمية والتقنية، وكذا المنافسة على تحصيل أعلى النقط، مما أنتج شرائح من المتعلمين يغلب عليهم التفكير التقني، الشيء الذي أبعدهم كثيرا عن حس التحليل النقدي، فتشجيع قيم المشاركة في تدبير الشأن العام داخل مدارسنا، يستدعي أيضا الاهتمام بالمدرس، ومدى تكوينه وتشبعه بالفكر الديمقراطي سواء في فكره أو في ممارساته، خصوصا وأن المتعلم يتأثر بنسبة كبيرة بسلوك مدرسه وتوجهاته.

   إذا كان المغرب قد خطى خطوات محترمة في تكريس الممارسة الديمقراطية، لا على مستوى ظروف إجراء الاستحقاقات الانتخابية، ولا على مستوى مسايرة قوانينه وتشريعاته مع المستجدات الدولية، فإن ورشا مازال مهملا، ولم يحظ بالأهمية المنتظرة، وهو ورش التنشئة المدرسية للمواطن على سلوك المواطنة والمشاركة في تدبير الشأن العام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!