في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | في تفاصيل سرية.. كيف ابتلع فرانسوا هولاند مصالح المغرب في مؤتمر المناخ بمراكش؟

إعداد: عبد الحميد العوني

   انطلق مؤتمر المناخ بمراكش بصفقة بلغت 35 مليون يورو، من مجموع الميزانية المرصودة لهذا الحدث الأممي، البالغة 80 مليون يورو، ربحها الفاعل الفرنسي “جي. إل. إيفينت” من خلال إقصاء تقني لمجموعة من 7 شركات مغربية تقودها “ماروكو كوب” تحت إدارة، ريشار أيتاس، وإضافة 20 في المائة عن باقي العروض.

   وتفاوضت “جي. إل. إيفينت” على 50 في المائة من كل ميزانية المؤتمر، واستقر العطاء على 376 مليون درهم، بتدخلات من الوزير، أخنوش المشرف على “المغرب الأخضر” وأطراف أخرى، وأشرفت الشركة بعدما استقرت عليها الصفقة في الثاني من ماي الماضي، على تنظيم معرض الصناعة الغذائية من 27 إلى 29 شتنبر 2016 بالمعرض الدولي للدار البيضاء.

تدبير المؤتمر الأممي للمناخ يؤول لشركة معروفة بالتهرب الضريبي ذكرتها “أوراق باناما”، وينشط فرعها في الجزائر، دون أن تفكر في مكتب لها في المغرب، رغم حرص العاصمة الرباط أن تكون لها “الصفقة الأم”

   عبرت أوساط أممية عن صعوبة في قبول تدبير نشاط للأمم المتحدة من طرف شركة معروفة بالتهرب الضريبي، ونشرت الجريدة الفرنسية “لوموند” تفاصيلها في ما سمي بـ”أوراق باناما”، واعترف مؤسس الشركة، بأنه قرر شراء فرعها اليوم في دبي عام 1997، ولم يكن الأمر ممكنا قبل 2011، إلا بهذه الطريقة، وجرت الصفقة مع إنجليزي، فضل أن تكون المعاملات في “الجزر العذراء” المعروفة بأنها من “الجنات الضريبية”.

   وغيرت “جي. إل. إيفينت” اسمها مرات منذ تأسيسها عام 1978، وسعت بكل الطرق من أجل نشاطها الدولي، وحضرت في تنظيم قمم المناخ من القمة 14 للمناخ وإلى القمة 21 بباريس.

   وجاء في بعض الكواليس، أن المسألة تتعلق بإرضاء الرأسمال الفرنسي ذي النشاط العالمي من واقع، أن رئيس الشركة التي رسا عليها العطاء، أوليفيي جينون، قال في تصريح متلفز: “إنه علينا أن نوقف رهن فرنسا لأشخاص يبحثون عن مصالحهم الذاتية”(1)، لكنه يدمر شركاء باريس لصالح بلاده.

   وشركة “جي. إل. إيفينت” التي تتواجد في 19 بلدا، منها الجزائر في عمارة الشعباني، شارع المنظر الجميل في العاصمة، لم تفكر في مكتب لها في المغرب، رغم حجم المعاملات التي أغدقت بها المملكة على هذه الشركة في عام 2016، لأسباب سياسية متعلقة بمصالح باريس، كما قال رئيسها.

   وتحاول العاصمة باريس، أن تلعب بهذه الورقة في المغرب دون أن تفتح الشركة مكتب لها في المملكة، من أجل استثمارات في الجزائر وإلى جنوب إفريقيا (في 8 هاري ستريت بجوهانسبرغ وإلى المكتبين الآخرين في كيب  تاون ودوربان)،  والشركة عضو في “كاك سمول 90” في 2016 بفضل العطاء المغربي، حيث تحسنت وضعيتها المالية، وصعد السهم بعد الصفقة إلى 16.30 يورو، وهبط بعدها بنصف نقطة.

   إن خدمة “الأجندة الفرنسية” الصرفة بعيدا عن مصالح المغرب في الـ”كوب 22″ طبعت كل نشاطات القمة الأممية للمناخ، ولا يختلف المراقبون أن الخسارة بدأت من الشركة التي التهمت قرابة نصف الميزانية، ودورانها مع مصالح باريس، فيما تدور مصالح هذه الشركة مع نافذين في المملكة من لوبي المحروقات، أو اللوبي النفطي لصلات الشركة بالمؤسسة البرازيلية للغاز والفيول البيولوجي، ورغبة الجميع في توجيه “القرارات الإيكولوجية” بعيدا عن شركات المحروقات في المملكة وهي تفاوض بقوة من أجل المشاركة في الحكومة مرة أخرى، على أساس أن يكون “المغرب الأخضر” في يد واحدة مع قيادة مصالح لوبي المحروقات المنتجة لثاني أوكسيد الكاربون، الملوث الأول في المملكة.

   وأتت أزمة “لاسامير” لتحرير السوق من تحسين المنتوج النفطي المختلف، تحت ضغط الحاجة، وهذه الفسحة كشفت إلى أي حد يمكن التحكم في الأوضاع من داخل الحكومات في إطار صفقات أثارتها الأمم المتحدة على الصعيد الإيكولوجي في قمة مراكش، ويعزز من هذا التصور، محاولة سيطرة الخليجيين، خصوصا الإمارات على مختلف التصورات التي وضعتها الشركة الفرنسية لتنظيم هذه القمة.

   ويحاول لوبي المحروقات في المغرب أن يحافظ على منسوب كبير من الثقة في العلاقات مع الجزائر، لأنها منتجة ومؤثرة في السوق النفطي، وتخدم وسائط لها على هذه الخلفية، ونجحت شركة “أفريقيا” في حرب الصحراء من تزويد الجيش المغربي بما يحتاجه، بفضل القنوات السرية وغير المباشرة التي تفرضها هذه السوق مع الخليجيين، من داخل “أوبك” وخارجها.

   وفي دفاع النفطيين على مصالحهم من داخل الحكومة، وفي تقزيم لتأثير “الإيكولوجيين”، أو التيارات البيئية على صناعتهم، رأينا كيف تقدم “أخنوش” المشهد السياسي والحزبي، وإن تلقى انتقادات لأول مرة في الكواليس الأممية بقمة المناخ.

   وكشفت كتابات أن دخول أخنوش، الرئيس الحالي للتجمع الوطني للأحرار، إلى السياسة جاء بعد قمة مراكش السابعة الـ”كوب 7″ بين 29 أكتوبر و10 نونبر 2001، وتأكد للوبي المحروقات دعم المخططات الحكومية والاستراتيجية للدولة ومنها “المغرب الأخضر”، للوصول إلى توازنات جديدة لا تتقدم فيها الإجراءات البيئية ضد الملوثين، وتزيد من توسع المملكة في المشاريع البيئية منفصلة عن الإجراءات “الاحترازية” أو سن الردع لمواجهة ما يسمى “الجرائم البيئية”.

   ولا يزال العالم مقتنعا، ما بعد “اتفاق باريس”، على تمويل الصناعة البيئية(2) دون المساس بالصناعات الأحفورية أو الملوثة يتقدمها الإنتاج البترولي وتسويقه التجاري، ونوقشت قبل قمة مراكش، في خبر لجريدة “لوموند”، مشكلة التمويل (100 مليار دولار إلى 2020)(3).

   ويحاول المغرب أن يكون قائدا للنمو الأخضر بطريقة إرادية، كما عبر عنه إعلان مزوار، وزير الخارجية المغربي ممثلا لقمة الأطراف “كوب 22″، والمسؤولة الأممية، باتريسيا سبينوزا.

   ويقول الإعلان في جملة موحية: “إن الوقت قد حان لتنمية مستدامة في إفريقيا”.

   وكما تورد “أفريكا بروغريس بلان”، فإن “إفريقيا في فجر نمو لا سابق له”، وهذا “النمو الأخضر يبدأ من الزراعة” حسب تقرير البنك الإفريقي للتنمية.

   وفي هذه الخطط، أراد المغرب أن يعمل من خلال الأمم المتحدة على تعزيز توسعه في إفريقيا، انطلاقا من “النمو الأخضر والتنمية المستدامة”، ويبدو جليا أن تأجيل زيارة الملك إلى إثيوبيا، مقر الاتحاد الإفريقي، أتى لتحريك التعاون مع العاصمة أديس أبابا المنافسة للمغرب فيما يسمى “الدول الخضراء” في إفريقيا.

   ولا يزال هذا الوضع سيفا ذو حدين، من جهة، تريد إثيوبيا تعاونا إيكولوجيا ونموا نظيفا ومستداما، وفي نفس الوقت، لا ترغب في بناء مركز للفوسفاط المغربي، لارتفاع معدن “الكادميوم” فيه، ولأسباب متعلقة بنزاع الصحراء.

رغبة لوبي المحروقات من داخل الحكومة في إدارة “المغرب الأخضر” وباقي المشاريع الإيكولوجية دون تأثير ملوثات ثاني أوكسيد الكاربون، وتلوث المواد النفطية تسايره “دبلوماسية الفوسفاط” التي تجتاح القارة السمراء، وتعتبر ممولا للمواقف الرسمية، كما حدث مع هيلاري كلينتون وتوصل مؤسستها بـ 28 مليون دولار في الجملة، منها 12 مليون دولار لحضور اجتماع تترأسه في مراكش التي تحتضن قمة المناخ

   تساهم دبلوماسية الملك في ترويج الفوسفاط، الذي يريده أن يكون جزءا من النمو الزراعي للقارة، دون إثارة مشكل “كادميوم” والمعادن الثقيلة في “الذهب الأبيض” كما تطلق عليه الصحف الغربية، ويواجه المغرب إلى حدود 2025 تراجعا في ثمن الفوسفاط، حسب دراسة مستقبلية للبنك الدولي(4)، وكما أورد الموقع الكندي “لو دوفوار”، فإن الثمن سوف لن يتجاوز 70 دولار للطن الواحد من هذه السنة إلى سنة 2025، بما يفرض على الرباط توسيع سوق الاستهلاك ودائرة الانتشار.

   ويعيد البنك الدولي هذا التراجع في الأثمان، إلى الاستثمارات الفوسفاطية الكبيرة للمغرب والصين، وهناك اليابانيون وتروج “طويوطا تسوشو” الفوسفاط المغربي في تنزانيا وكينيا وتتفاوض الشركة مع أديس أبابا لنفس الغرض.

   وحسب الإحصائيات الرسمية، فإن ثمن الطن الواحد يدور منذ 2013 في حدود 180 دولارا، ويحدد البنك الدولي تراجعا له بـ61 في المائة إلى 2025.

   وتدافع الرباط  بشراسة على الفوسفاط القادم من بوكراع، باعتباره فوسفاطا وطنيا لا يقبل القسمة بسبب مشكل الصحراء، كما تدير حربا أخرى بسبب مستقبل هذه المادة في السوق الدولي(5)، وهي القابضة على 75 في المائة من احتياطات العالم من هذه المادة، والمغرب بتعبير، جيري غرانثام، هو “القطب المحتكر أو المونوبول شبه الوحيد لهذه المادة”(6)، وإن لم تتجاوب كل النباتات معها تحت ما يسمى ظاهرة “الأنتروفيزاسيون”(7).

   ولا يناقش أي طرف في قمة مراكش هذه الظاهرة، أو علاقة هذه المادة بالأطر الإيكولوجية المتبقية، وخدم المؤتمر المنعقد في مراكش من جهتين: عدم إثارة السؤال الإيكولوجي على  معدن “الكادميوم” الذي يدفع بلجيكا إلى فرض مستوى له في توريد الفوسفاط المغربي إلى الاتحاد الأوروبي، وأيضا تجاوز السؤال السياسي في قضية منتجي المحروقات في المملكة.

الهدف الرئيسي للمغرب هو حماية الفوسفاط المغربي من سؤال الصحراء، وفصل التعاون الاقتصادي مع دول الاتحاد الإفريقي عن موقفها السياسي، كي لا تثير مسألة الفوسفاط المستخرج من الإقليم المتنازع عليه، و”تعزيز التعاون الإيكولوجي” بين المملكة والدول الإفريقية في عزل إضافي للمشكل المثار حول الصحراء، وبتأطير وعمولة فرنسية

   إن اجتياح الصحراء عن طريق مشاريع “الإيكولوجيا” شيء ممكن وقادر على اجتراح تقديرات جديدة بخصوص “الأجندة المغربية” رغم تقاطعها مع حسابات فرنسا (الخاصة) التي ترى قمة مراكش “كوب 22” امتدادا لقمة باريس “كوب 21″، وعمل الرئيس هولاند على احتكار كل شيء في هذه القمة دون تقديم أي تنازل.

   من جهة، عملت باريس على محاولة ابتلاع إفريقيا ومشاريع التمويل المخصصة لها، من القمة الواحدة والعشرين للمناخ، وأيضا فرض تقديرات يستفيد منها الجانبان المغربي والفرنسي، يتقدمها إرساء العطاء على شركة فرنسية متهمة بالتهرب الضريبي، وهو إقرار من جانب باريس بتجاوز “وثائق باناما” التي أثارت اسم سكرتير الملك للثروة، منير الماجيدي، ومحاولة إقبار “أثر هذه الوثائق”، خدم استقرارا في المملكة، ظهرت صعوبته بعد مسألة بائع السمك الذي تم طحنه مع النفايات، وانفجر الوضع الأمني، من حيث لم ترغب الأحزاب التي تحاول تشكيل الحكومة وأيضا الأجهزة الأمنية التي أنكرت صلتها بالحادث مباشرة بعد وقوعه.

   وحاول الحموشي تحصين جهازه عن أي هزة، وهو يستعد لنشر خمسة آلاف عنصر في مراكش و800 من الحرس الخاص، للوفود المشاركة في قمة المناخ.

   وقبل رجوعه من العاصمة القطرية، الدوحة، حاول قائد الشرطة والمخابرات المدنية الوصول إلى تفاهمات إفريقية في مختلف المراحل إلى جانب مدير المخابرات الخارجية “لادجيد” ياسين المنصوري.

   وتسعى “الدبلوماسية الأمنية” أن تساير “دبلوماسية الفوسفاط”، وأيضا “الدبلوماسية الخضراء” في إفريقيا، وقد وضعت وزارة الخارجية الفرنسية مخططا للاستفادة من التمويل الموجه من الأمم المتحدة إلى دول القارة جنوب الصحراء، وقد وصلت فيها الساكنة إلى 620 مليون إنسان بدون كهرباء، وتباشر باريس مخططها الأخضر لتقديم الكهرباء من مصدر بيئي بعد وصوله إلى 32 في المائة من 26 في المائة، محاولة تجاوز عجز من 55 مليار دولار، في اقتصاد القارة السمراء.

   ويدير فرانسوا هولاند معركتين، الأولى في بروكسيل، والأخرى في إفريقيا بعد ضمان عدم إثارة دول غرب إفريقيا، وبشكل كامل مسألة “الكادميوم” في الفوسفاط المغربي، ولهذا ثمنه بالتأكيد، فباريس حاليا شريك في تسويق الفوسفاط المغربي، وضمان هامش مناورته في العالم عبر تأمين الأسواق التقليدية والبحث عن أسواق جديدة، فيما تسعى الصين إلى رفع صناعة الفوسفاط إلى مستويات متقدمة تحدد النسب المرغوبة من المعادن في الأسمدة الكيميائية، ولم تغب عن المغرب كل التقديرات الصينية والهندية في لقاءات عقدها الملك شخصيا مع قادة البلدين في بكين ونيودلهي.

   يقول تقرير سري: “إن الاجتياح الفرنسي باسم النمو الأخضر لإفريقيا الأنجلوفونية، رهان ممكن عبر المغرب، منذ انسحاب القوات الخاصة لباريس من الصومال، والعمل المرتبك مع الاتحاد الإفريقي في مالي وإفريقيا الوسطى، وعودة الرباط إلى هذا الاتحاد رغم انعكاساته المحتملة على المغرب”.

   إن ما يجري، حسب الفرنسيين، “فرصة ذهبية لنا في التجارة، ويجب إدارة انتشار مشروط لخارطة الفوسفاط المغربي لترويجه بموافقتنا”، ونقلت جنوب إفريقيا تصريحات مماثلة من مسؤولين كبار في القارة السمراء، يؤكدون على محاولة المملكة الانفلات من المظلة الفرنسية، لكن الرباط لجأت إلى باريس في دقائق الأمور وكأن المغرب لم ينظم مؤتمرا مماثلا (القمة السابعة).

   ويروج في المرحلة، هدف مغربي يطلق عليه “الاجتياح الإيكولوجي للصحراء”، في كل الميادين، وتمويل النموذج التنموي الموجه لها باسم الأقاليم الجنوبية انطلاقا من 100 مليار دولار الموجهة لدول القارة.

فرنسا تعلن عن عدم السماح للمغرب باجتياح الصحراء، عبر الإيكولوجيا والنموذج الأخضر، وعدم تمويل النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية من 100 مليار دولار الموجهة للقارة، وأشارت العاصمة باريس إلى ترتيبات جديدة: “تخفيف المعركة على الفوسفاط المغربي، وعدم وصول لقاء بان كيمون مع المسؤولين المغاربة إلى اتفاق ثنائي بين الرباط والمنظمة الأممية”

   سيطرت باريس على مخارج قمة مراكش من تمويل دولي  للمشاريع “الإيكولوجية” في إقليم الصحراء، بأجندة مكشوفة وواضحة وصولا إلى لقاءات بان كيمون مع المسؤولين المغاربة كي تبقى فرنسا وحيدة في تدبير “الأوضاع والمستقبل في هذه الإقليم المتنازع عليه” من خلال مجلس الأمن.

   واحتكرت فرنسا منذ طرد المغرب للطاقم المدني لـ”المينورسو” ملف الصحراء، وشكل لديها إحساسا بأنها تقود السلام في مالي وإفريقيا الوسطى وفي الصحراء “الغربية”، وتقود أيضا قوات حفظ السلام من خلال الجنسية الفرنسية للمكلف بها، هيرفي لادسو.

   وحول فرانسوا هولاند قمة مراكش “كوب 22” إلى نسخة من باريس “كوب 21″، وفسح لنفسه أن يقدم ضمانات باسم المغرب في موضوع “التمويل الأخضر” ومستقبل التمويلات، وتوجيهها في مناطق النزاع بالقارة، وكانت قراراته شديدة التمسك بمصالح فرنسا القومية واستتباع مصالح المغرب لهذه الدائرة.

   وفاجأت كواليس المؤتمر قرارات للخارجية الفرنسية اتخذتها باريس بشكل منفرد، وبعيد عن أي حوار مع المغاربة الذين قرروا استثمار المؤتمر الأممي، المنطلق يوما بعد ذكرى المسيرة الخضراء التي يخلدها المغاربة سنويا، وتخص عودة الأراضي التي كانت تحت الإدارة الموريتانية حسب “اتفاق مدريد” في 1979، وهي السبب الرئيسي في نزاع ثالكركرات” حاليا.

   ويرى المراقبون أن الفرنسيين حاولوا أن يقدموا على أمرين:

   ـ تمويل خسائر قمة باريس عبر قمة مراكش، وجاءت صفقة “جي. إل. إيفينت” في هذا الإطار، لأن الشركة خسرت في النسخة 21، ووعدها هولاند بأن تكون في قمة مراكش، ودفعت أغلى عطاء وفازت بالصفقة، وأشارت مصادر وصحف دولية إلى خلفيات ما حدث، فيما استخدم بعض الإعلاميين لفظ “انتزاع” الشركة لهذا العطاء(8) تبعا للخلفية المذكورة.

فرنسا تدعم بقاء مناقشة ملف الصحراء في مجلس الأمن، بعيدا عن الأمين العام للأمم المتحدة، وعلى ذلك يخسر المغرب المبادرة، بشكل صريح، ورأت باريس أن إدارتها للملف “عودة الطاقم المدني للمينورسو” وتفاعلات أزمة “الكركرات” إدارة مطلقة من داخل مجلس الأمن، وأفقدت كل معنى للقاء بين المسؤولين المغاربة والأمين العام للأمم المتحدة على هامش قمة مراكش، ودافعت عن كون الملف يبقى حصرا في يد مجلس الأمن وليس لأي طرف في المنظمة حق التدخل أو إصدار توصيات

   خسرت الرباط المبادرة، وأيضا قيمة الدبلوماسية الموازية، والقنوات الخلفية التي وفرها مؤتمر مراكش، ولو حدث اللقاء بين بان كيمون والمسؤولين المغاربة لطي صفحة الخلاف بينهما، واعتبار كل ما حدث تطورات وانعكاسات لتصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، ويرفض مدير ديوان بان كيمون هذه القراءة، لأنها تمنح الرباط صك براءة، ويستثمر الفرنسيون الخلافات، ويباشرون في إجراءات لتجريبها على المغرب، ودخلت المملكة في أسئلة وتحديات اجتماعية لما يسمى “الاقتصاد الأخضر”، الذي يفترض وبشكل رئيسي المساس بالبوتان المنزلي (البوطا غاز) نحو ما يدعى الغاز المنزلي الأخضر (غرين هاوس غاز)(9) وباقي التفاصيل والمحاور التي جرى بحثها في قمة باريس “كوب 21”.

   وإطلاق مثل هذه المبادرات، من دولة نامية، هدف مركزي للأمم المتحدة عبر “يو. إن. ف. سي. سي. سي”(10)، ولخنق المؤتمر، وجدنا تسريبا فرنسيا، شديد الخطورة عن عمليات إرهابية كبرى في موريتانيا، ودعمت وسائل إعلام عربية هذا المنحى لزعزعة صورة أقصى المنطقة المغاربية، فموريتانيا والمغرب تضررا جدا من المساس بصورتهما، الأولى في القمة العربية والمملكة في قمة المناخ.

   ووصلت باريس درجة اليأس، عندما استشرفت “أعمالا إرهابية” في موريتانيا لزعزعة صورتها، بفعل تورطها في أزمة “الكركرات” والسماح لـ”الكتيبة 13″ من البوليساريو، تحت تسمية محمد عبد العزيز، بالوصول إلى مياه الأطلسي، في ما دعي خرقا للخطوط الحمراء.

   ومحاولة بعض الأطراف استثمار معركة تعديل الدستور الموريتاني، والخلاف السياسي بين الرئيس ولد عبد العزيز والمعارضة، حول فرنسا إلى عراب لفوضى خلاقة في المنطقة، تشمل ما بعد ولد عبد العزيز وما بعد عبد العزيز (بوتفليقة) في الجزائر التي قال عنها رئيس شركة “جي. إل”: “إنها رمز للاستقرار” لتبرير وجود مكتب لشركته في هذا البلد الوحيد بشمال إفريقيا، وأيضا، إنها فرنسا الكلاسيكية، والمصالح لا تتجزأ.

التسريبات الفرنسية بالرد المغربي على خطوات نواكشوط في أزمة “الكركرات” يؤكد على استثمار للتوتر الصامت بين الرباط ونواكشوط، لقبول موريتانيا وصول مقاتلي جبهة البوليساريو إلى المحيط الأطلسي، وانتقلت الحدود الموريتانية المغربية إلى حدود بين البوليساريو وموريتانيا، وهو تحول غير مسبوق في الخارطة بعد الحرب، ولا تزال باريس وحدها قناة لتبادل المعلومات حول الإرهابيين

   يهيء خفض التعاون الأمني بين نواكشوط والرباط المسرح لعمليات إرهابية، قد تجد فيها نواكشوط الفرصة لتوريط جارها الشمالي، واقتاتت باريس من التطورات الأخيرة في أزمة “الكركرات”، إلى حدود غير مقبولة من داخل مؤتمر المناخ في مراكش وخارجه.

   وحاولت أطراف مسايرة العاصمة باريس في تقديراتها التي بنى عليها الأمريكيون تحذيرهم، ونفخوا في بعض المعلومات ـ 35 منها غير صلبة ـ كي يشجعوا على انزلاق الموقف في المنطقة، ومحاولة تصوير المغرب بهذه الشبهات يؤهل لصدام دموي في المنطقة.

   ومن فرض شركة لتنظيم مؤتمر مراكش، وأخذ عمولة على معاملات الفوسفاط المغربي في إفريقيا، والتحكم في مصير الحرب والسلام جنوب المملكة، وعدم تمويل مشاريعه، يكون فرانسوا هولاند قد ضيع مصالح المغرب بطريقة متطرفة، ولا تضمن إدارة هولاند، لأول مرة، عدم انزلاق شمال غرب إفريقيا إلى حرب محدودة قد تصبح شاملة بتعبير بان كيمون.

   ورفضت باريس احتمال انزلاق الوضع إلى “حرب شاملة” وأنصارها في المملكة قالوا بأن الأمور تحت السيطرة، لكن تغييرا حدث في الخارطة يمس الأمن الأطلسي.

تزامنت قمة مراكش مع غرق الصحراء جنوب المملكة، بالفيضانات، في نتيجة واضحة للاحتباس الحراري، ويغلي شمال المملكة، إثر “طحن” محسن فكري في النفايات، وتكشف الصورة عن وضع مأساوي لواقع الحكامة، والشروط البيئية التي تعيشها المملكة، وكشف المؤتمر كيف يمكن عزل البدو الصحراويين عن باقي الرحل، كما تتحدث باسمهم في المؤتمر، هندو أمارو إبراهيم، لكن “التعاون لمنع الحرب” ليس في أجندة باريس.

   بقرار الرئيس هولاند، منع تطور نتائج اللقاءات بين بان كيمون والمغرب على هامش قمة مراكش، تكون فرنسا مشاركة في صنع الحرب، وقد أوضحت احتمال انزلاق التوتر الموريتاني ـ المغربي إلى عمليات إرهابية، قد يقف الجدار الرملي حاجزا لها، في انزلاق صعب لأمن المناطق المشاطئة للأطلسي.

   ولا يخطر ببال أحد، بأن ما تفكر فيه فرنسا، امتياز للمغرب وإثبات لاستثنائه في الفوضى المتوقعة، ولذلك كانت خلاصة “سي. آي. إي” بأن تعزيز التعاون الأمريكي الموريتاني والعسكري من قاعدة “أفريكوم” حل سريع لإجهاض التهديدات الإرهابية، والمغرب الذي تزامنت التهديدات الإرهابية في جاره موريتانيا، وغرق الصحراء نتيجة الاحتباس الحراري، وقتل محسن فكري في النفايات، صعوبات زادها الحليف الفرنسي تعقيدا.

   وتصر باريس على إبعاد (الحرب الجزائرية ـ المغربية)، وأهملت أي نزاع بين البوليساريو والمغرب وإن تطور في محيطه إلى توتر مع موريتانيا، فالمنطقة تذهب بطيئا نحو إبعاد المواجهة عن المخيمات التي فيها المدنيون، وإدارتها في منطقة عسكرية مغلقة بين الجيشين الموريتاني والمغربي وبينهما مقاتلي البوليساريو.

   إنها تهيئة لمسرح الحرب، في نظر التقارير السرية الفرنسية، والتحكم فيها في حالة الاندلاع، وما يجري بتعبير إحدى التقارير الغربية: “سحب فرنسي للبساط من تحت قدمي بان كيمون”.

خطة لإفريقيا الخضراء تحول 40 في المائة من الاستثمارات إلى الرأسمال الفرنسي، ويعد المغرب منصة إيكولوجية للصناعة الفرنسية الخضراء في القارة السمراء، إنه تطور يكشف الحجم المفترس لمحاولة باريس إنقاذ اقتصادها من خلال القارة

   “النمو الأخضر” عنوان لإمبريالية أخرى، حسب بعض اليساريين الأفارقة، الذين عرضوا أن “الإمبريالية الخضراء” لها بعد “اقتصادوي” وليس اقتصادي أو بيئي فقط، ورغبة فرنسا حثيثة في الوصول إلى حل أزمتها الاقتصادية من خلال حضور جيشها “المحارب للإرهاب” ورأسمالها في “النمو الأخضر”.

   والاقتصاد المؤسس في إفريقيا على “النمو الأخضر ومحاربة الإرهاب” كمتلازمة، يذهب بعيدا في استنزاف مقدرات إفريقيا، ولا يهتم المجتمع الدولي لفشل الجيل الأول للتنمية في القارة السمراء، لأن من المهم نقل القارة إلى مرحلة أخرى للاستفادة من معدلات النمو.

   و”العولمة الخضراء” جزء من الأزمة، وإن كانت الحل في الدول الباعثة للملوثات، فالثورة الصناعية الأخيرة تريد “أن تكون محصورة في قواعدها الكلاسيكية”.

   وتذهب الخطوة الموضوعة بعيدا في “ربط الخارطة التجارية بالاقتصاد الأخضر من واقع البيئات ومناخ الأعمال والحركة المتمدنة والمجتمع المدني، وهي أدوات تحليل وتموقع منذ 2002” حسب منشور الأمم المتحدة(11).

   وعملت الأمم المتحدة من داخل إفريقيا، قبل قمة مراكش، ببروتوكولات منها “بروتوكول كيغالي” في 15 أكتوبر الماضي الماس بـ”أمن الأسر” بهدف الوصول إلى أسر نظيفة وجديدة أو خضراء حسب التعابير المختلفة، وحفظ انبعاث “الهيدرو فليور كاربون” في مجتمعات فقيرة هو من قبيل إعادة صياغة “فقر جديد أو أخضر” يقلب اللعبة ويديرها من رساميل جديدة وأساليب بديلة.

   ومن المهم لباريس، الوصول إلى كل أهداف “اتفاق باريس 21” في إفريقيا، ومارست كل جبروتها لأجل دمج الجزائر في هذه الأجندة.

  ومن الغريب أن نجد المغرب، ومصالحه المتوسطة والبعيدة المدى، ضمن الخطة الفرنسية إلى 2050، وإن راجعنا أوراق “كليمايتس أند كلير كوليشن” التي ترأسها، ريتا سيروتي، فإن باريس تفكر في اقتصاد أخضر للعائلة المغربية يسمح للرأسمال الفرنسي بالتفوق لـ 20 سنة قادمة.

   ويدافع المجتمع المغربي عن تعلمه الفرنسية رغم تراجعها، كما يزداد رهن الأمن القومي المغربي، من خلال التوتر في الصحراء، إلى الأمن الفرنسي كما لم يحدث منذ الاستقلال.

هولاند يتحكم من “الاقتصاد الجديد” للأسر المغربية إلى كل مفاصل الأمن القومي المغربي، وآخرها الجيش المغربي بعد أزمة “الكركرات”، وفي ظل حكومة استقال ثلثها، لا شيء يتحرك في المملكة، فأصبحت حكومة باريس هي حكومة المغرب

   لا شيء صيغ في مراكش من دون فرنسا، لأنها دخلت إلى التفاصيل، وفي ظل نزاع حزبي وتشكيل حكومة جديدة حكمت فرنسا “الفراغ” الذي تركته حكومة بن كيران، بعد إقالة 12 وزيرا، وهي فقط تصرف الأعمال، ومن الصادم أن يكون استثمار “الفراغ الحكومي في المغرب من طرف الفرنسيين” (كبير متطرف)، وقد وصفت هذه الحالة “كبيرة المحللين” لبان كيمون بقولها: “كيف لا تستطيع الظروف في المغرب أن تستقبل كريستوفر روس وتقبل الاتفاق مع بان كيمون”، ولا تريد فرنسا الوصول إلى اتفاق بين بان كيمون والمغرب، وتريد الإشراف على نفس الاتفاق بين باريس وباقي أعضاء مجلس الأمن.

   إن الاستثمار الفرنسي سيء في وجوه عديدة لـ”للفراغ الحكومي، ولأزمة الكركرات بين الجيش المغربي وخصومه، وأخيرا الأجهزة الأمنية التي اختلفت مع باريس في وقت سابق، والرسائل المبطنة بين فرنسا والحموشي متواصلة وقوية، وهو يقود جهازا لصد النفوذ الفرنسي، وإن في بعض الجوانب القليلة”،

   فـ”باريس تطبخ الأكل للمؤتمرين وتطبخ معها كل تفاصيل المؤتمر”، كما قال مسؤول أممي.

   ومن الصعوبة حاليا، قراءة انعكاسات الوصول إلى خلاصة مفادها، أن المغرب يستفيد من العمليات الإرهابية الكبرى في نواكشوط أو استثمار ما قد يحصل، فالمسألة قد تتطور داخل الجيش الموريتاني إلى قطيعة مع الجار الشمالي، وهو ما تطرحه دوائر الاستخبارات العسكرية لمستقبل العلاقات الموريتانية ـ المغربية.

الفراغ الحكومي في المغرب الذي استثمره الفرنسيون في مؤتمر المناخ بمراكش قام معه الإليزيه بتأجيل أي اتفاق مع بان كيمون، وتقدمت باريس بطلب سري للولايات المتحدة باسم المملكة بهذا الخصوص

   واصلت باريس مساعيها للسيطرة مائة في المائة على إدارة أزمة “الكركرات” و”عودة الطاقم المدني للمينورسو” بشكل كامل، وأخذ الفرنسيون مكان حكومة بن كيران في كل تفاصيل المؤتمر خلفية وأبعادا، وتوصلت واشنطن بطلب سري من الفرنسيين باسم المملكة لترك “مسألة الصحراء في مجلس الأمن”، وقال الرئيس هولاند للرئيس الأمريكي: “ليس هناك ما يقلق في المنطقة”.

   وكتبت الأمم المتحدة التي قالت قبل شهور باحتمال حصول مواجهة شاملة، إن الانفجار بدأت بوادره، وإن اقتنعت أن العمليات الإرهابية الكبرى لن تكون انهيارا إقليميا، لأن ولد عبد العزيز، ستقاتل إلى جانبه مليشيات البوليساريو وأصبح له جيشان، والأزمة ستتصاعد بوضع القرار المغربي تحت السيطرة الفرنسية.

 

هوامش

 1_ «il faut qu’on arrête que la France soit prise en otage par des personnes qui cherchent leurs avantages personnels» (bfmbusiness.bfm tc.com).
2_ «Historic Paris  agreement on climate change – 195 nations set path to keep temperature rise well below 2 degrees Celsius un climate change, newsroom, united nations frame work convention on climate change» (retrieved 14/12/2015).
3_ avant «cop 22», le financement revient en force dans les débats sur le climat, Simon Roger, «le monde» (18/10/2016).
4_ Phosphates: mauvaise nouvelle pour le Maroc, d’ici 10 ans sur net.
5_ la guerre du phosphate sera – elle le prochain confit mondial? Jean Laurent Casselly, www.slate.fr (80301).
6_ Jeremy Grantham cofondateur de «Grantham mayo Nan Otterlo» in slake.fr.(80301).
7_ Eutrophisation.
8_ «cop 22» au Maroc: «G. L évents» décroche le contrat d’organisation de 35 militions d’euros, usine nouvelle.com (3 mai 2016).
9_ «Green house gaz»
10_ UNFCCC.
11_ Environment and trade hub, web.unep.org (retrieved 31/10/2016).
12_ climate and clean air coalition (CCAC).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!