في الأكشاك هذا الأسبوع
857862_10200562611245936_351281431_o

تحليل إخباري | مؤشرات مخطط سري لجر المغاربة إلى حروب “الأقليات الدينية” 

عندما قاد صديق المشاوري في “القصر السلطاني” أكبر فتنة بالمغرب

إعداد: سعيد الريحاني

   بمناسبة الحديث عن الفتنة، التي تطل برأسها، من الريف(..)، ربما نسي عدد كبير من المغاربة، حكاية “الفتان الكبير” بوحمارة، والذين لا يعرفون بوحمارة واسمه الحقيقي، “عمر بن إدريس الجيلالي بن إدريس محمد اليوسفي الزرهوني”، قد يعتقدون أن هذا الأخير، ولد وترعرع خارج النظام، ولكنهم مخطؤون جدا، فبوحمارة هو سكرتير مولاي عمر، شقيق السلطان مولاي عبد العزيز، في القصر السلطاني، “كان هذا الرجل ذكيا ونبيها، ذا مسكة من العلوم اللغوية والدينية، يخوض في أمور السحر والشعوذة، ويجتهد في ما يسمى أسرار الحروف والأسماء، وأوتي من دلاقة اللسان والقدرة على الثأثير في نفوس مخاطبيه، الحظ الكبير.. أسند إليه وظيف صغير بالقصر السلطاني يناسب مؤهلاته، واتهم وهو يمارس هذا الوظيف بخيانة سجن بسببها سنتين، وبعد خروجه من السجن، عين كاتبا للأمير مولاي عمر خليفة السلطان بفاس، وأثناء كتابته مع هذا الأمير، تعرف عليه المهدي بن العربي المنبهي، الذي كان يومئذ مجرد مشاوري، عون بسيط بالقصر، فـ”وافق شن طبقة” واصطحبا وصار أحدهما يكمل الآخر بالمجالس فيما يتحفان به جلاسهما من النكث المستملحة ويرويان من الأخبار بلسان خلوب..”. (المصدر: كتاب أعلام المغرب العربي/ المؤرخ السابق للمملكة الراحل عبد الوهاب بنمنصور بمساعدة الباحث عبد العزيز الثيلاني).

   هكذا إذن تحول صديق المشاوري إلى رقم يصعب تجاوزه، رغم أنه دخل السجن مرة ثانية، عندما وصلت به الجرأة إلى حد تزوير جملة من الوثائق الرسمية، بغرض تحصيل مبالغ مالية كبيرة، بل إن الجرأة بلغت به حدا غير مسبوق حيث زور خاتم السلطان، فتم وضعه في السجن رفقة صديقه المشاوري في السجن، غير أن هذا المشاوري سيكون سببا مباشرا في ثورة بوحمارة، بعد تعيينه في منصب وزير الحربية، “فإذا كان المنبهي الذي يقل علما وثقافة، وفقها وذكاءا عن بوحمارة، قد أصبح وزيرا للحربية، فمن حق بوحمارة أن يصبح سلطانا”.. هكذا تحدث بوحمارة قبل أن يبدأ ثورته.

   في زمن الفتنة(..)، تمكن بوحمارة من هزم جيش السلطان المولى عبد العزيز، لكن أهم نقطة ضعف عند هذا الجيش، هي تركيزه على المناطق الشرقية وتردده على الاقتراب من فاس، وكان بوحمارة أحد رموز الفتنة الدينية، التي لم يكتب لها النجاح في المغرب، فمع مطلع شهر شتنبر 1909، الذي تزامن مع شهر شعبان، أصدر السلطان الجديد، المولى عبد الحفيظ أوامره بإعدام “الفتان” في مشور بلاطه العامر بفاس، وتم سلخ جلد مجموعة من الجثث من بينها جثة بوحمارة وتقديمها للوحوش(..) وكل ما ظل عالقا في الأذهان هو صورته في قفص حديدي لحظة إلقاء القبض عليه(..).

   الفتنة الدينية حدثت في المغرب بشكل جلي في زمن بوحمارة، لكن الفتنة الدينية في العصر الحديث لها عنوان آخر، حيث يتم الحديث عن “ضرورة احترام حقوق الأقليات الدينية”، مما يعني أن المس بحقوق المختلفين دينيا قد تكون له عواقب وخيمة، وها هي أخبار الاعتداء على الأقليات الدينية تتصدر واجهات المواقع بالتزامن مع الغليان الذي يعيشه الشارع(..)، وكتبت عدة مواقع الخبر التالي: “تعرض الناشط المسيحي المغربي والباحث في مقارنة الأديان، محمد سعيد لاعتداء من طرف مجهولين ليلة الجمعة الماضية.. وقال محمد سعيد في تصريح لمجلة أقليات، أنه نجا بأعجوبة من محاولة طعن بسيف عندما كان عائدا لمنزله المتواجد بحي أناسي بالدار البيضاء، حيث لاحظ وجود سيارة سوداء من نوع KANGOO كانت مركونة بالقرب من منزله، مشيرا إلى أنه عندما كان يخرج المفاتيح لفتح باب العمارة، خرج شخص من السيارة حاملا سيفا وقصد طعنه.. غير أن محمد سعيد نجح في الإفلات من الطعن وسارع إلى إغلاق باب العمارة قبل أن يستهدفه المجرم بسيفه” (المصدر: منقول في عدة مواقع).

   قد يقول قائل إن خبر تعرض مواطن للاعتداء خبر عادي، لكن خبرا من هذا النوع أصر أصحابه على التذكير بكون صاحبه “مسيحي” مما يعطي الانطباع والحكم القبلي بأن الأمر يتعلق بهجوم تتعرض له “الأقليات الدينية في المغرب”، من هنا يطرح سؤال، لماذا لم يتم الحديث عن محاولة اعتداء وترك الأجهزة الأمنية تقوم بعملها(..)؟ ولا بد من الانتباه أيضا إلى الدعاية لخبر من هذا النوع، تواكبها الدعاية لخبر آخر، وهو أن “المسيحيين المغاربة يستعدون للخروج إلى العلن والاحتفاء بالقداس”، “كشفت مصادر متطابقة أن المسيحيين المغاربة سيخرجون إلى العلن، ويحتفلون بالقداس، يوم 25 دجنبر المقبل في الدارالبيضاء.. وأوضحت المصادر أن المسيحيين المغاربة لم يعودوا يتقبلون ممارسة شعائرهم الدينية في سرية، مضيفة أنهم قرروا الخروج إلى العلن، ولن يثنيهم عن ذلك أي شيء، والقداس أو الأفخارستيا تعني الشكر، بحسب المصطلحات الكنسية ويطلق اسم الأفخارستيا على سر القربان، وذلك لأن المسيحيين يشكرون الله لمنحهم هذا السر، وتقام الأفخارستيا ضمن القداس الإلهي حصرا ولا يمكن أن تقام خارجه” (المصدر: موقع كشك).

   منذ متى كانت لدى المسيحيين هذه الرغبة في الخروج إلى العلن بالمغرب، وما الذي يمنع من ذلك؟ ومن دفعهم إلى ذلك، هل سمعتم في حياتكم أن المغرب قام بإغلاق كنيسة مثلا، هل سمعتم في حياتكم عن منع مواطنين أجانب أو مغاربة من ولوج إحدى الكنائس؟ ولكن الدعاية قد تجعل من هذه الحوادث المختومة بطابع ديني محطة للاصطدام(..)، وإلى هنا يطرح سؤال، كم عدد المسيحيين في المغرب؟ لا يوجد جواب رسمي، والمؤهل للإجابة عليه هو أحمد الحليمي، المندوب السامي للتخطيط، لكن المواقع الإلكترونية، تقول: “إن عدد المسيحيين المغاربة يتجاوز 150 ألف نسمة، فيما يبلغ عدد المسيحيين في المغرب حوالي 1.1 في المائة من عدد السكان، أي حوالي 380 ألف نسمة، طبقا لتقديرات عام 2009، والمسيحيون في المغرب من أصول أوروبية أو إفريقية أو أمريكية يحق لهم ممارسة شعائرهم بشكل علني في الكنائس، لكن المسيحيين من المواطنين المغاربة، الذين اعتنقوا المسيحية، سواء من العرب أو الأمازيغ، يمارسون طقوسهم الدينية بشكل سري” (المصدر: موقع كشك التابع لمجموعة آخر ساعة).

   لا أحد شاهد الآن صراعا بين أصحاب المساجد وزوار الكنائس، لكن المغاربة أصبح يفاجؤون بإطلاق بعض الدعوات الغير مسبوقة في السنين الأخيرة، وها هو رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، يدعو لبناء الكنائس، في دولة أمير المؤمنين، وقد كشف اليزمي في تصريح للصحافة أن المجلس توصل بعدد مهم من طلبات تجاوز الخصاص المسجل بهذا الخصوص، وأوضح أن المغرب في حاجة إلى بناء كنائس جديدة قادرة على استيعاب العدد المتزايد للمسيحيين المقيمين فوق تراب المملكة.. وحذر من مغبة أن يجبر الأجانب خاصة من بين أفارقة جنوب الصحراء، على التعبد في أماكن سرية، كما كان الحال مع مسلمي أوروبا في سبعينيات القرن الماضي، في إشارة إلى ما كان يعرف حينها بمساجد الطوابق تحت أرضي” (المصدر: عدة مواقع).

   هكذا إذن، حاول رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وضع الدولة أمام مشكل غير مطروح، وكان هو السباق إلى طرحه بـ”افتعال” أزمة كنائس، وها هم بعض المغاربة يجهرون باعتناقهم للمسيحية، بالمقابل، لا أحد سيجرؤ على القول بأنهم مرتدون على الإسلام، في ظل نشر أخبار تقدمهم كـ”مضطهدين من طرف السلطات العمومية”، بينما الدستور الذي صادق عليه المغاربة بأغلبية ساحقة يقول في إحدى فصوله: “الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية”، وأيضا “وتستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي..”.

   يمكن القول إن نشر مثل هذه الدعوات، يجد سنده السياسي في دعوات أخرى، مثل الدعوة إلى “حرية المعتقد”، وهي إحدى الدعوات التي تصب مباشرة في خانة الهجوم على إمارة المؤمنين(..) وتضرب في العمق الشرعية الدينية للنظام(..)، وهو النقاش الذي سبق تعديل دستور 2011، ((إن استغلال الدستور من أجل الترويج لشعار حرية المعتقد وفتح الباب للدسترة غير المباشرة للحق في الإلحاد والتنصير، من شأنه أن يفرض ضرورة إعادة تفسير وإعادة موضعة إمارة المؤمنين.. للأسف هذا كله يجري بالمغرب والعلماء طبقا للآية الكريمة، أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون، إن إلغاء الدستور المرتقب لصيغة “المغرب دولة إسلامية” وتغييرها باسم “المغرب بلد مسلم” كما تم الترويج لذلك، يلغي “الدولة المغربية”، التي يعرفها ويؤمن بها المغاربة منذ قرون، بما في ذلك الدولة العلوية القائمة منذ أكثر من أربعة قرون على صفة “الإسلامية”)) (المصدر: موقف العالم أحمد الريسوني، وعلماء آخرين..).

   خروج المسيحيين إلى العلن، أو المطالبة بحقوق اليهود أو ديانات أخرى، ومطلب حرية المعتقد ومطلب “تجريم التكفير”، كلها قنوات ووسائل يتم استعمالها لإثارة موضوع الأقليات الدينية، وموضوع “الأقليات الدينية”، هو أحد أدوات الاختراق الأجنبي للدول الإسلامية على الخصوص، حيث يتحول مطلب الأقليات إلى مطلب “انفصال” أو مطلب “تقرير المصير”، وهنا يمكن التساؤل بشكل ساذج: “هل أميركا تقبل بحق تقرير المصير للسود أو الكاثوليك أو السبانك؟ وهل تقبل فرنسا بحق تقرير المصير للكورسيكيين والباسك أو إسبانيا للباسك..” إن محاولة اختلاق موضوع الأقليات الدينية، بافتعال حوادث مؤطرة للموضوع، هو تجميع لحطب الفتنة الحقيقية، فإذا كان المغرب قد نجى لحد الآن من خطر الفتنة العرقية، فإن الحرص واجب لتفادي خطر فتنة “الأقليات الدينية”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!