في الأكشاك هذا الأسبوع
piata-mohammed-v-din-casablanca

الازدحام يخنق الناس ويقتلهم في المدن المغربية

بقلم: رمزي صوفيا

   هل فكرت ذات يوم في الهروب من مدينة الدار البيضاء نحو أقرب قرية للعيش فيها بعيدا عن الضوضاء ومشاكل الازدحام التي لا تنتهي؟ سيكون الجواب هو، نعم، ففي العاصمة الاقتصادية بالذات، صارت الحياة اليومية للسكان وخاصة الفئة العاملة عبارة عن جحيم لا يطاق، فمنذ الساعات الأولى من الصباح، تبدأ جحافل البيضاويين في مغادرة بيوتهم نحو مقرات العمل على متن السيارات والدراجات النارية والدراجات الهوائية، وكل وسائل النقل المتاحة بما فيها “الخطافة” وأصحاب الدراجات الثلاثية العجلات المخصصة في الأصل لنقل البضائع، لأن الهم والهاجس الذي يجمع كل سكان الدار البيضاء كص صباح، هو التمكن من الوصول إلى الوجهة المرغوبة في الموعد المحدد أو المناسب في أضعف تقدير، وهنا تبدأ حرب الأعصاب، فتتحول الدار البيضاء إلى مرتع لكل أنواع الفوضى والتناحر والتسابق وتبادل نظرات الكراهية والغضب وتبادل الشتائم والسباب من سائقين حانقين وسائقات كارهات للحالة المزرية التي تعيشها أكبر مدينة بالمغرب بسبب الازدحام.

   فالحياة في الدار البيضاء تزداد مرارة وصعوبة يوما بعد يوم، فأينما وليت وجهتك ستجد الاكتظاظ والتناحر من أجل قضاء الأغراض في أقصر وقت، فإذا توجهت إلى السوق مثلا، وجدت نفسك ملزما بانتظار طابور طويل، وإذا ذهبت لمكان عام، وجدت نفسك تحت رنين الهواتف النقالة وصخب السيارات والشاحنات، وهلم جرا، فأينما توجهت تجد نفسك وسط زخم لا ينتهي حتى ساعات متأخرة من الليل ليبدأ نفس السيناريو مع أولى ساعات الصباح من اليوم الموالي، وقد قال لي صديق من الأطباء الأخصائيين في أمراض القلب والشرايين بأن عددا لا يحصى من سكان الحواضر المزدحمة يتعرضون للإصابة بمختلف الأمراض الناتجة عن التوتر وخاصة ارتفاع ضغط الدم والسكري واحتمال التعرض لذبحة قلبية أو سكتة دماغية في أي لحظة، وذلك تحت تأثير الضغوط اليومية التي يعيشها الشخص والتي ترتبط بالدرجة الأولى بالازدحام والتلوث والضوضاء، فالإنسان وكما قال لي الطبيب، يحتاج باستمرار للعيش ولو لساعات محددة من كل يوم في ظروف هادئة ومريحة للأعصاب، وهذه العناصر افتقدها سكان الدار البيضاء بالخصوص منذ زمن بعيد.

   وعندما طرحت التساؤل على صديق آخر من أكبر الباحثين الاجتماعيين حول ظاهرة اكتظاظ المدن الكبرى وخاصة الدار البيضاء قال لي بالحرف: “الازدحام هو ظاهرة حضرية لم تنتج عن ارتفاع عدد مواليد المدينة كما يعتقد الكثيرون، بل جاء نتيجة للهجرة والنزوح القروي من البوادي المجاورة للمدينة، وخاصة بعد ارتفاع أسعار الأراضي الفلاحية، مما سمح للفلاحين المالكين للأراضي بالتفكير في الاستثمار في الدار البيضاء وفي المدن الكبرى للمملكة بعد بيع أراضيهم بأثمنة باهضة جدا، وبطبيعة الحال، فإن هؤلاء لا يأتون للمدينة بمفردهم، بل يصطحبون معهم عائلاتهم وأبنائهم، وهكذا تضاعف عدد سكان كبريات المدن المغربية في سنوات قليلة ليبلغ أرقاما صادمة”.

أرقام صادمة حول النزوح من البوادي نحو المدن المغربية

   لقد بلغت نسبة الهجرة القروية خلال السنتين الأخيرتين حوالي 61 % مقارنة مع نسبة 55 % التي سجلت خلال سنة 2004، كما أن تزايد السكان في المدن، انتقل من 16.50 % إلى 20.50 % خلال الـ10 سنوات بنمو ديموغرافي سنوي يقدربـ2.50 %، كما تراجع السكان القرويون بنسبة 2.50 %. هذا وإن هناك خمس جهات تتمركز فيها أعداد السكان: جهة الدار البيضاء- سطات: 7 مليون نسمة بنسبة 22.3 %، الرباط- سلا- القنيطرة: 4 مليون نسمة بنسبة 14%، مراكش- آسفي: 5 مليون نسمة بنسبة 14%، فاس- مكناس: 5 مليون نسمة تقريبا بنسبة 14.50 %، طنجة- تطوان- الحسيمة: 4 مليون نسمة بنسبة 11 %، كما أورد التقرير أن هناك 7 مدن تستقطب ما يفوق ربع السكان الإجمالي، أي ما يعادل 45 % من السكان الحضريين وهي: البيضاء، فاس، طنجة، مراكش، سلا، مكناس والرباط، لأن هذه المدن تعرف هجرة فصلية، معظمها تتوسط المغرب لعوامل منها القرب الجغرافي (القبائل المجاورة لها)، والعوامل سوسيو-اقتصادية هي أكبر العوامل وراء الهجرة، وبناء على هذا المعطى، نجد أن مدينتي فاس والدار البيضاء تعتبران على رأس المدن استقطابا لموجات الهجرة القروية.

 

دوافع مغرية لهذه الهجرة

    منذ عقدين من الزمن أو أكثر، كانت دوافع الهجرة محصورة بالكاد في عامل الشغل، عرفتها بالخصوص مدينة الدار البيضاء التي قصدتها موجات مهاجرة شملت كل وافدي المدن الأخرى وبنسبة عالية من القرى، لكن اليوم، مع استفحال ظاهرة البطالة في صفوف القرويين، وعلاوة على انعدام بعض المرافق العمومية والخدماتية.. عرفت وتيرة الهجرة تصاعدا مهولا زاد في تدفق أعداد ضخمة من السكان على المدن، ليستقر بها المقام بهامش الأشرطة الحضرية، أو داخل أحياء سكنية مكتظة، وتعزى شدة تدفقات هذه الأمواج البشرية إلى جملة عوامل يمكن إجمالها في المؤشرات التالية:

   * انتشار وعي محلي ساهمت فيه بنسبة عالية، وسائل التواصل الاجتماعي خاصة والميديا عامة، والتي تركز على المدينة في الإشهار لكل منتجاتها، وأسباب رغد العيش في غياب تام لأثر الحياة القروية.

   * المواطن القروي لا يجد إدارة القرب من مرافق عامة وخدماتية، مما يضطره إلى الهجرة إلى المدينة بدلا من أن تهاجر هي إليه.

   * متابعة الدراسة والتعليم بسلكيه الثانوي والجامعي، كثيرا ما يحمل الأسرة القروية على الهجرة إلى المدينة.

   * الشغل في الحقول والأسواق الأسبوعية لم يعد مدرا للربح كما هو الشأن بالنسبة للباعة المتجولين “الفراشة” والاتجار في الممنوعات(..).

   * فرص الزواج والشغل بالنسبة للفتاة القروية ليست دوما متاحة، وتكاد تنعدم في مجال الشغل، إذا استثنينا التقليدية منها، كالرعي والجني فتفضل الأم القروية المدينة لتوافر آفاق الشغل أمام ابنتها، إما كعاملة في مصانع النسيج والخياطة أو كخادمة في البيوت.

   * القرب الجغرافي من المدينة كثيرا ما يكون حافزا للفلاح وأسرته لبيع ممتلكاته ـ ولو بأثمنة زهيدة ـ مقابل حشر أفراد أسرته داخل بيت وسط الجيران، وقضاء يومه مسمرا داخل “هوندا” أو “بيكوب” أو “مرسيدس بنز”، في انتظار نقل البضائع أو الأشخاص الذين لا يسعفهم الوقت في التنقل بواسطة الحافلات أو التاكسيات، أو الاشتغال كحمال على عربة “تريبورتور” ليساهم في خنق الشوارع والطرقات.

 

مدننا في ضوء الهجرة

   تحولت كبريات الحواضر والمدن المغربية في ضوء موجات الهجرة هذه إلى دواوير كبيرة، تأوي أوكارا متزايدة ينتج عنها تفريخ الجريمة بكل أشكالها، والاتجار في الممنوعات، وامتهان الدعارة، علاوة على ظاهرة الاختناق التي تهدد جميع مرافق الحياة.

   فإذا كانت المدن، وحسب إحصاء السكان والسكنى، تشكل نسبة 70 % من ساكنة المغرب، أي ما يقارب 24 مليون نسمة تتخذ من خمس مدن مستقرا لها، فسيقفز متوسط سكان المدينة الواحدة إلى قرابة 4 مليون نسمة، ولو افترضنا أن عدد أسرها يزيد على 800.000 أسرة، كل أسرة مثلا تمتلك سيارة أو “هوندا”، أو بيكوب” للنقل، أو شاحنة أو “تريبورتور”، فسيكون مجموع الآليات المتحركة في المدينة قرابة المليون، إنه جحيم لا يطاق! بحكم شرايين الطرق الضيقة والمحدودة المسافات، زد على ذلك الشوارع والأزقة التي يحتلها الباعة المتجولون “الفراشة”، مما يغدو معه التجوال والسير أو ركن السيارة عن قرب ضربا من ضروب المستحيل أو هو العذاب بعينه.

 

حالات جد عسيرة

   مقاهي تمتد كراسيها إلى الشارع العام، وأبواق السيارات تتعالى في الفضاء نيابة عن صراخ واحتجاجات السائقين عندما تتوقف 3 أو 4 مرات قبل اجتيازها للإشارة الضوئية، وعندما تريد أن تبتاع شيئا، عليك بارتداء القفازات وخوض معركة الزحام، فالمارة في كل الأماكن وكل الأسواق في نسق متصل جيئة وذهابا غير مكترثين للآليات أن تدهسهم، فالموت واحد عندهم مهما تعددت أسبابه في تعبير عن عدم الرضى بواقع الازدحام الذي أصبح عادة يومية، فإذا اضطررت لركوب تاكسي أو حافلة، فقد يتطلب الأمر منك قوة إضافية كأن تكون حاملا للحزام الأسود في إحدى الرياضات الحربية، وقضاء المصالح الإدارية، يستلزم منك الاندماج في أجواء الانتظار والتأفف ورفع أصوات الاحتجاج، أو رصد المتسللين بإيكال اللعنات تلو الأخرى، وإذا وصل دورك تفاجأ بالموظف(ة) قد ذهب إلى استراحة غير محدودة، أو يعطيك درسا في ضبط وثائق ملفك لتعيده إليه في اليوم الموالي، وإذا ذهبت إلى مستشفى عمومي، فقد تتراءى لك مشاهد وصور فظيعة، أجنحة مرضى تنبعث منها روائح كريهة، وزوار متكدسون في غرفة الانتظار إلى أجل غير مسمى، وأشخاص بزي الحراسة المدنية، وقد تحولوا بقدرة قادر إلى أطباء إخصائيين، يقذفون بنصائحهم في وجه الزوار والمرضى مجانا، وأنين وزفرات وتنهدات تنبعث من نوافذ هناك، وكأن هناك مرضى يحتضرون في هدوء، أما إذا أقيمت الصلاة في مسجد ما، فترى أفواج المصلين يركضون متخطين الصفوف والرقاب، وما إن يشرع الإمام في الصلاة حتى تنسل إلى مسمعك رنات الهواتف تزغرد في كل اتجاه وبألوان مختلفة، نغمات أحيدوس والستاتي أو زقزقة الطيور أو النشيد الوطني، إلى غير ذلك.. وهل يتأتى الخشوع وسط هذه الأصداء؟

   وفي الأخير، أين هي سياستنا من هذه الأورام المجتمعية التي باتت تستشري في كل المدن المغربية ولو بدرجات متفاوتة؟ هل هي القدرة على فرقعة التصريحات الرنانة، ونهج سياسة إعلان النوايا الحسنة؟ أين وصلت نوايا توسيع المدارات الحضرية وجمالية المدينة؟ وهل المدن القصديرية وتحويل شوارع المدن إلى مواقع وأسواق للباعة المتجولين هي السياسة “الرشيدة” الحالية لمدننا؟!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!